ينطلق ليو الرابع عشر من الماضي. وفي أول زيارة رعائية له إلى الخارج يعود إلى الجذور في نيقية، التي أصبحت اليوم تركية، قبل أن يتابع سفره إلى لبنان الذي وصله بعد ظهر الأحد. نيقية التي شهدت سنة 325 انعقاد أول مجمع مسكوني لدراسة طبيعة يسوع المسيح إذا كانت من نفس طبيعة البشر أم من طبيعة الله. كما تقرر فيها يوم عيد الفصح أي قيامة المسيح، وأصبحت الكنيسة هي السلطة والمرجع الذي يحدد من وماذا يدخل في نطاق الإيمان؟ وإذا كانت نيقية قد حددت قبل 1700 سنة طبيعة الإيمان المسيحي، فإن بيروت التي قصدها البابا، بعد نحو ستة أشهر فقط على انتخابه، تحاول استعادة أنفاسها بعد أن تنازعتها منذ خمسين سنة أول حرب عام 1975 ثم تحولت بعد ذلك إلى حروب تنوعت بين داخلية واحتلالات ووصايات خارجية وحروب بين زعامات الطوائف، وهي تعيش الآن حرب استعادة سيادة الدولة وسلطتها على كامل أراضيها. لذلك فإن بابا روما الجديد يرغب في أن يكون هو أول مساهم في عودة السلام إلى هذا البلد، وأن يرسل من لبنان رسالة سلام إلى كافة الدول المحيطة في المنطقة مثلما وجهها يوم انتخابه في 8 مايو/أيار الماضي بعد وفاة سلفه البابا فرنسيس قائلا: "السلام لكم جميعا"، أما زيارته إلى لبنان فتحمل عنوان: "طوبى لفاعلي السلام". وهو قد حقق عمليا رغبة فرنسيس الذي حال المرض دون عودته إلى الجذور وتحقيق رغبته بزيارة لبنان التي كان قد أعلن عنها واستعد لها بعد زيارته العراق في مارس/آذار 2021.
وبيروت التي يزورها الحبر الأعظم ليست فقط عاصمة لبنان، وإنما هي تاريخيا عاصمة الحرية في الشرق والملجأ الذي يؤوي مئات الآلاف من الفلسطينيين والسوريين والعراقيين وعربا منفيين آخرين، عدا عن كونها المحطة المشرقية التي تتطلع إلى البحر المتوسط وبالتالي إلى أوروبا، ليس فقط من أجل التبادل التجاري وإنما أيضا الثقافي والحضاري.


