ما موقف تركيا من معارك الجيش السوري و"قسد" في حلب؟

ترى دمشق أن "قسد" تتمسك بمطالب متشددة تمس وحدة سوريا وتهدد تماسكها. في المقابل، تؤكد "قوات سوريا الديمقراطية" أنها لن تعود إلى ما قبل عام 2011. ما مسار العلاقة بعد حلب؟

رويترز
رويترز
عناصر من الدفاع المدني يخمدون حريقا في حلب بعد اشتباكات بين الجيش السوري و "قسد" في 8 يناير/كانون الثاني 2026

ما موقف تركيا من معارك الجيش السوري و"قسد" في حلب؟

أعاد القتال بين الجيش السوري و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في حلب زعزعة هذه المدينة العريقة، التي ما زالت تحاول تضميد جراحها بعد حرب أهلية مدمرة. وإذا امتد القتال إلى خارج حيَي الأشرفية والشيخ مقصود ذوي الغالبية الكردية، وتجاوز حدود حلب، فقد تجد سوريا نفسها على عتبة حرب أهلية جديدة.

وكانت المفاوضات بين الطرفين، لوضع اللمسات الأخيرة على الترتيبات المنبثقة عن الاتفاق الموقع في 10 مارس/آذار 2025 قد اكتسبت زخما ملحوظا خلال الأسابيع الماضية. وبدا أن التسوية باتت وشيكة، حتى إن بعض ملامح اتفاق محتمل تسربت إلى الصحافة. وفضلا عن ذلك، ساهم الاتفاق الذي توصلت إليه سوريا وإسرائيل في محادثات بوساطة الولايات المتحدة في باريس قبل أيام قليلة في خلق مناخ أكثر إيجابية.

لكن، لماذا اندلع القتال في حلب؟

ترى دمشق أن "قسد" تتمسك بمطالب متشددة تمس وحدة سوريا وتهدد تماسكها. في المقابل، تؤكد "قوات سوريا الديمقراطية" أنها لن تعود إلى ما قبل عام 2011، وأنها لن تحل قواتها المسلحة، كما ترفض العودة إلى بنية إدارية مركزية صارمة.

عند الحديث عن اتفاق 10 مارس قد يتبادر إلى الذهن موضوع إدماج "قسد" في الجيش، غير أن المسألة أوسع وأشد تعقيدا. فثمة ملفات أخرى لا تقل أهمية، في مقدمتها شكل النظام الإداري في سوريا، والدستور الجديد، وملكية حقول النفط، وكيفية توزيع عائدات النفط.

سانا/ أ ف ب
الرئيس أحمد الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) لدى توقيع اتفاق 10 مارس/اذار في دمشق

وفي مقابلة له، قال سيبان حمو، القائد البارز في "قسد"، إن إدارة الرئيس أحمد الشرع تسعى إلى إعادة إنتاج نسخة من نظام الأسد. وانتقد موقف دمشق، واصفا إياه بالمتصلب وغير المتجاوب مع القضايا الجوهرية خلال المفاوضات، معتبرا أن ذلك يعود في الأساس إلى سعيها للامتثال للمطالب التركية. إذ ترى تركيا أن دمج "قسد" في الجيش السوري ينبغي أن يسبقه إلقاء السلاح، وأن يغادر المقاتلون غير السوريين في صفوفها الأراضي السورية، وأن لا يندمج التشكيل بكامله في الجيش، بل ينضم من يرغب من أفراده بصورة فردية. كما تبدي أنقرة تشككا حيال أي صيغة لا مركزية للحكم. يسهل على "قسد" أن تلقي باللوم على دمشق وأنقرة، غير أن ذلك لا يغير من حقيقة أنها رفعت سقف مطالبها إلى أقصى حد، وأنها لجأت إلى المماطلة.

ويتبادل الطرفان الاتهامات بشأن من أطلق الرصاصة الأولى في حلب، لكن أيا تكن الجهة التي بدأت، فقد أسهم كل طرف بطريقته في صنع أسباب التوتر وتراكمها.

تتابع تركيا عن كثب التطورات في حلب، وسط مخاوف من أن يؤدي اتساع رقعة القتال إلى موجة جديدة من اللاجئين

ويرجح أن الحكومة السورية قررت كسر حالة الجمود. وفي المقابل، يرجح أن الجانب الكردي أساء تقدير مدى تصميم الجيش السوري وقدراته، وحجم دعم الولايات المتحدة، وكذلك مدى استعداد إسرائيل للانخراط. وكانت حلب قد شهدت اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل أكثر من عشرين شخصا، وإصابة عدد كبير آخر بجروح، قبل أن تتمكن قوات الجيش السوري من بسط سيطرتها على جزء واسع من حي الأشرفية.

وأعلنت وزارة الدفاع السورية، ليل الخميس، وقفا مؤقتا لإطلاق النار في محيط أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، كما فتحت ممرا آمنا حتى صباح الجمعة لخروج المجموعات المسلحة من حلب باتجاه المناطق الشمالية الشرقية. وكانت قوات "وحدات حماية الشعب" عمود "قسد" قد انسحبت سابقا من هذه الأحياء في أبريل/نيسان 2025، بموجب اتفاق موقّع مع دمشق، ونقلت مئات المقاتلين إلى شرق نهر الفرات. ولم يبق في تلك الأحياء سوى قوات "الأسايش"، وهي قوات الأمن الداخلي، إلى جانب عناصر من "وحدات حماية الشعب" بقوا هناك متخفين بصفة "الأسايش".

رويترز
نازحون مع حاجاتهم يغادرون حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب في 7 يناير/كانون الثاني 2026

تتابع تركيا عن كثب التطورات في حلب، وسط مخاوف من أن يؤدي اتساع رقعة القتال إلى موجة جديدة من اللاجئين. وفي بيان صدر يوم الخميس، وصفت وزارة الدفاع الوطنية التركية القتال الدائر في حلب بأنه عملية مشروعة لمكافحة الإرهاب، بهدف استعادة النظام العام. وأوضح البيان أن الجيش السوري وحده يتولى تنفيذ العملية، في إشارة إلى أن قوات الأمن التركية ليست منخرطة فيها. كما أكدت تركيا أنها ستقدم لسوريا الدعم اللازم إذا طُلب منها ذلك.

وترتبط أنقرة ودمشق بعلاقات تعاون وثيقة في مجالي الأمن والدفاع. ففي 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ووزير الدفاع يشار غولر ورئيس الاستخبارات إبراهيم قالن بالرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولين آخرين في قصر الشعب بدمشق، حيث بحثوا القضايا الأمنية وسبل تعزيز التعاون.

الرئاسة السورية
الرئيس أحمد الشرع يستقبل وفدا سياسيا وامنيا وعسكريا تركيا في دمشق في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025.

وشهدت مدن تركية عدة مظاهرات دعما لأكراد حلب، في مشهد يستحضر احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2014 حين ملأت الحشود الشوارع تنديدا بهجوم تنظيم "داعش" على عين العرب (كوباني).

كما تلقي تطورات سوريا واشتباكات حلب بظلالها على السياسة الداخلية في تركيا، وعلى المسار القائم مع "حزب العمال الكردستاني". ويثور جدل حول ما إذا كانت دعوة الزعيم المسجون لـ "حزب العمال الكردستاني" عبد الله أوجلان إلى التخلي عن السلاح تشمل "وحدات حماية الشعب". إذ ترى أنقرة أن "الوحدات" هي الامتداد السوري لـ"حزب العمال الكردستاني"، وبالتالي تنطبق عليها الدعوة، بينما تنفي "الوحدات" ذلك.

تبذل الولايات المتحدة بصفتها وسيطا بين دمشق و"قسد" جهدا كبيرا لوقف القتال في حلب. كما تتابع إسرائيل التطورات عن كثب ساعية إلى تشكيل واقع سوري ينسجم مع مصالحها

وتنخرط الولايات المتحدة وإسرائيل مباشرة في هذا الملف. فقد أصدر السفير توم باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، بيانا عبر حسابه في منصة "إكس" عبّر فيه عن قلق بلاده، ودعا قيادات الحكومة السورية و"قسد" والسلطات المحلية في المناطق الخاضعة للإدارة الكردية وجميع الفاعلين المسلحين على الأرض إلى وقف الأعمال العدائية، والالتزام بخفض التصعيد. وتبذل الولايات المتحدة بصفتها وسيطا بين دمشق و"قسد" جهدا كبيرا لوقف القتال في حلب. كما تتابع إسرائيل التطورات عن كثب ساعية إلى تشكيل واقع سوري ينسجم مع مصالحها، لا سيما عبر استغلال الدروز والعلويين والأكراد. وترى الحكومة الإسرائيلية أن بقاء سوريا ضعيفة ومفتتة يخدم مصالحها، وتَعدُّ الأكراد و"قسد" أداة لإبقاء تركيا تحت الضغط.

أ ف ب
رجل أمن سوري قرب حافلات أمام حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب في 9 يناير/كانون الثاني 2026.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في بيان رسمي إن الاشتباكات في حلب تمثل هجمات خطيرة تنفذها قوات النظام السوري ضد الأقلية الكردية. ودعا ساعر المجتمع الدولي إلى كسر الصمت، مذكّرا الغرب على وجه الخصوص بأن له التزاما أخلاقيا تجاه الأكراد "لأنهم قاتلوا (داعش) بشجاعة وبنجاح".

وقد تقدم إسرائيل على خطوات سياسية، وربما توفر دعما سريا لـ"قسد" بصور مختلفة، غير أن تدخلا مباشرا على غرار ما حدث في السويداء يبدو غير مرجح. إذ إن حلب ومناطق الشمال الخاضعة لسيطرة الأكراد، لا تقع على تماس مباشر مع إسرائيل، والأهم أن وجود تركيا هناك يجعل أي تدخل إسرائيلي أمرا غير مقبول من جانبها. كما أن الولايات المتحدة ستعارض هي الأخرى أي مواجهة مباشرة من هذا النوع.

أ ف ب
ساحة الليرمون التي تؤدي إلى حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب في 9 يناير/كانون الثاني 2026

أخيرا، تندلع اشتباكات حلب في وقت تمر فيه إيران بتطورات استثنائية، إذ تتواصل المظاهرات في مدن كثيرة بأنحاء البلاد، بينها طهران ومناطق ذات كثافة سكانية كردية مرتفعة. وقد أسفرت هذه الاحتجاجات حتى الآن عن مقتل نحو خمسين شخصا، فيما جدد الرئيس الأميركي ترمب تهديده بأن الولايات المتحدة سترد بقوة إذا سقط مدنيون.

font change

مقالات ذات صلة