أعاد القتال بين الجيش السوري و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في حلب زعزعة هذه المدينة العريقة، التي ما زالت تحاول تضميد جراحها بعد حرب أهلية مدمرة. وإذا امتد القتال إلى خارج حيَي الأشرفية والشيخ مقصود ذوي الغالبية الكردية، وتجاوز حدود حلب، فقد تجد سوريا نفسها على عتبة حرب أهلية جديدة.
وكانت المفاوضات بين الطرفين، لوضع اللمسات الأخيرة على الترتيبات المنبثقة عن الاتفاق الموقع في 10 مارس/آذار 2025 قد اكتسبت زخما ملحوظا خلال الأسابيع الماضية. وبدا أن التسوية باتت وشيكة، حتى إن بعض ملامح اتفاق محتمل تسربت إلى الصحافة. وفضلا عن ذلك، ساهم الاتفاق الذي توصلت إليه سوريا وإسرائيل في محادثات بوساطة الولايات المتحدة في باريس قبل أيام قليلة في خلق مناخ أكثر إيجابية.
لكن، لماذا اندلع القتال في حلب؟
ترى دمشق أن "قسد" تتمسك بمطالب متشددة تمس وحدة سوريا وتهدد تماسكها. في المقابل، تؤكد "قوات سوريا الديمقراطية" أنها لن تعود إلى ما قبل عام 2011، وأنها لن تحل قواتها المسلحة، كما ترفض العودة إلى بنية إدارية مركزية صارمة.
عند الحديث عن اتفاق 10 مارس قد يتبادر إلى الذهن موضوع إدماج "قسد" في الجيش، غير أن المسألة أوسع وأشد تعقيدا. فثمة ملفات أخرى لا تقل أهمية، في مقدمتها شكل النظام الإداري في سوريا، والدستور الجديد، وملكية حقول النفط، وكيفية توزيع عائدات النفط.

وفي مقابلة له، قال سيبان حمو، القائد البارز في "قسد"، إن إدارة الرئيس أحمد الشرع تسعى إلى إعادة إنتاج نسخة من نظام الأسد. وانتقد موقف دمشق، واصفا إياه بالمتصلب وغير المتجاوب مع القضايا الجوهرية خلال المفاوضات، معتبرا أن ذلك يعود في الأساس إلى سعيها للامتثال للمطالب التركية. إذ ترى تركيا أن دمج "قسد" في الجيش السوري ينبغي أن يسبقه إلقاء السلاح، وأن يغادر المقاتلون غير السوريين في صفوفها الأراضي السورية، وأن لا يندمج التشكيل بكامله في الجيش، بل ينضم من يرغب من أفراده بصورة فردية. كما تبدي أنقرة تشككا حيال أي صيغة لا مركزية للحكم. يسهل على "قسد" أن تلقي باللوم على دمشق وأنقرة، غير أن ذلك لا يغير من حقيقة أنها رفعت سقف مطالبها إلى أقصى حد، وأنها لجأت إلى المماطلة.
ويتبادل الطرفان الاتهامات بشأن من أطلق الرصاصة الأولى في حلب، لكن أيا تكن الجهة التي بدأت، فقد أسهم كل طرف بطريقته في صنع أسباب التوتر وتراكمها.



