اتساع الاحتجاجات في إيران... التغيير قادم؟

لا يبدو الوضع القائم قابلا للاستمرار طويلا

شوترستوك
شوترستوك
احتجاجات ضد النظام في إيران - تورينو، إيطاليا - 2 نوفمبر 2023

اتساع الاحتجاجات في إيران... التغيير قادم؟

دخلت موجة الاحتجاجات الإيرانية الجديدة، التي بدأت يوم 28 ديسمبر/كانون الأول، مرحلة جديدة لافتة يوم 8 يناير/كانون الثاني. وملأت حشود من الناس الشوارع في أنحاء إيران، بما في ذلك أكبر مدن البلاد مثل طهران ومشهد وأصفهان. وردّ النظام بقطع كامل للإنترنت، ما صعّب تقدير أحجام الحشود، غير أن كل الأدلة تشير إلى أن هذه الاحتجاجات من أكبر الاحتجاجات في التاريخ الإيراني الحديث.

وكان تراجع قيمة العملة الإيرانية قد أشعل شرارة الاحتجاجات الأولى، لكنها سرعان ما صارت سياسية. ويعود ذلك إلى أن الترابط بين المشكلات الاقتصادية في البلاد وبين عدد كبير من المؤسسات غير الخاضعة للمساءلة التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية صار واضحا لكل مراقب جاد، وتتقدم هذه المنظومة مؤسسة "المرشد" البالغ 86 عاما، علي خامنئي. وردد الإيرانيون الآن، كما فعلوا في موجات احتجاج سابقة في 2017-2018، و2019-2020، و2022-2023، هتافات وشعارات أخرى استهدفت رأس السلطة مباشرة. وبرز شعار شائع يقول إن خامنئي "قيادته باطلة". وظهر عنف الاحتجاجات وحدّتها في أفعال درامية مثل مهاجمة مكتب حاكم محلي في شازند، ومقر هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية في أصفهان.

إلى ذلك هتف عدد لا يستهان به من المحتجين، في مدن داخل إيران كلها، بشعارات مؤيدة لرضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، الذي قدم نفسه قائدا معارضا من منفاه الأميركي. ودعا بهلوي فعلا إلى إطلاق هتافات عند الساعة الثامنة مساء في 8 و9 يناير/كانون الثاني، وأضاف أنه سيطلق دعوات إضافية للتحرك بناء على الاستجابة لهذه الدعوة الأولى.

وزاد الاستعراض الكبير للقوة حتى الآن من نفوذ بهلوي الذي طلب- في رسالة أصدرها بعد احتجاجات يوم الخميس- من الناس الانضمام، وتعهد قائلا: "تيقنوا أن النصر لكم".

تبدو إيران محاصرة، لكن قيادتها لا تبدي أي رغبة في تقديم تنازلات

يبقى بهلوي شخصية مثيرة للانقسام لا شخصية جامعة. ومارست الحركة التي تلتف حوله سياسة يمينية قومية متشددة، كثيرا ما رافقها خطاب مسموم، ما نفّر كثيرا من الإيرانيين. ويعني ذلك كله أن معسكره لم يفعل الكثير لطمأنة الآخرين إلى أوراق اعتماده الديمقراطية. ومع ذلك، ازداد عدد مؤيديه على نحو لا يمكن إنكاره. ولا يقتصر الدليل على ذلك على هتافات الشارع، بل يعرف معظم الإيرانيين الآن عدة أشخاص من حولهم يؤيدون بهلوي. ولا يرتبط هذا التأييد دائما بإعادة الملكية أو بسياسات بهلوي كلها. ويرى كثيرون فيه ببساطة واجهة ضرورية لتحدي الجمهورية الإسلامية. وبعبارة أخرى، يجني ثمار كونه المرشح الأبرز في صفوف المعارضة.

أ ف ب
متظاهر يحمل لافتة لنجل آخر شاه لإيران، رضا بهلوي، خلال مظاهرة ضد قمع النظام الإيراني للاحتجاجات، وسط باريس في 4 يناير 2026

لكن تأتي هذه المهمة بتحديات هائلة. وعجز بهلوي حتى الآن عن العمل مع معارضين آخرين للجمهورية الإسلامية لا يقبلون سلطته. وأعلن العام الماضي أنه قائد المرحلة الانتقالية، لكنه لم يفعل الكثير لضم الآخرين أو لبناء المؤسسات اللازمة لتحويل هذه الرؤية إلى واقع. ولم يفضِ ادعاؤه التواصل مع الآلاف من عناصر قوات الأمن الإيرانية، الذين قيل إنهم أعلنوا استعدادهم للعمل معه، إلى أي نتيجة ملموسة حتى الآن، بينما سترفع هتافات الناس باسمه داخل إيران سقف التوقعات لخطوته التالية.

جمهورية محاصرة

تبدو إيران بدورها محاصرة، لكن قيادتها لا تبدي أي رغبة في تقديم تنازلات. وهاجم خامنئي، في خطاب متحدٍ يوم الجمعة، المحتجين ووصفهم بمثيري الشغب الذين "يحرقون المباني في بلدهم" من أجل الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وأشار خامنئي إلى دعم ترمب الصاخب للاحتجاجات وتعهداته المتكررة بأنه سيهبّ لمساعدة المحتجين إذا قتلهم النظام، وقد قتل بالفعل عشرات في الاحتجاجات، رغم أن ترمب قلل من شأن ذلك بصورة مربكة. ولوح خامنئي أيضا، على نحو ينذر بالسوء، بالحديث عن "مئات الآلاف من الناس النبلاء" الذين ماتوا لتأسيس الجمهورية الإسلامية. ويرفع الزعيم المتقدم في السن سقف التحدي مجددا، واعدا بمواجهة المحتجين بقبضته الحديدية المألوفة. وتنبأ حتى بسقوط ترمب، وقارنه بطغاة ورد ذكرهم في القرآن مثل النمرود وفرعون.

سيجد خامنئي نفسه في الأيام والأسابيع المقبلة تحت حصار من جهتين: شعبه داخل إيران، وخصميه الخارجيين الرئيسين، الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يبدو الوضع القائم قابلا للاستمرار طويلا

لكن القمع لن ينقذ النظام إلى الأبد. ويصعب تجاهل المأزق الاقتصادي بعدما صار شديد الوضوح. وعانت إيران العام الماضي أزمات مزمنة، وكافحت لتوفير الكهرباء والمياه بانتظام لشعبها. وحولت الارتفاعات الضخمة في كلفة المعيشة المواد الغذائية الأساسية إلى كماليات لملايين الإيرانيين. وتلقى النظام أيضا ضربة تلو أخرى على الصعيد الدولي، وبدا ما يسمى "محور المقاومة"- أي ائتلاف الميليشيات التي دعمها في دول عربية- في معظمه أنقاضا. وتبع سقوط نظام بشار الأسد سقوط نيكولاس مادورو في فنزويلا، ما أسقط أقرب حليفين لطهران.

أ ف ب
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يلقي خطاباً إلى الإيرانيين بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لوفاة آية الله روح الله الخميني (صورة)، في طهران في 4 يونيو 2025

سيجد خامنئي نفسه في الأيام والأسابيع المقبلة تحت حصار من جهتين: شعبه داخل إيران، وخصميه الخارجيين الرئيسين، الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يبدو الوضع القائم قابلا للاستمرار طويلا، وقد تطيح به جهة من الجهتين. لكن يظهر أيضا عنصر ثالث يتمثل في شخصيات داخل النظام وأجهزته الأمنية. وانتظر كثيرون ببساطة أن يموت خامنئي من الشيخوخة. غير أن الأزمات المتكررة قد تقنعهم بأن وقت التحرك قد حان الآن. وبطريقة أو بأخرى، سيصل التغيير إلى إيران لا محالة. وتبدو علامات النهاية واضحة على نظام خامنئي.

font change