بينما تتخبط إيران في موجة جديدة من الاحتجاجات، تراقب إسرائيل والولايات المتحدة المشهد من الهامش. انطلقت الشرارة من احتجاج تجار البازار في طهران على انهيار العملة المحلية، ثم امتدت إلى ما لا يقل عن مئتين وعشرين موقعا في ست وعشرين محافظة. وتصاعدت المظاهرات بصورة لافتة خلال ليلة الثامن من يناير/كانون الثاني.
غير أن أهمية هذه اللحظة لا تتأتّى من اتساع رقعة الاضطرابات وحدها، فإيران شهدت في السابق انتفاضات أوسع وأكثر صمودا، بل تنبع من البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. إذ تقف الجمهورية الإسلامية اليوم على عتبة مشهد استراتيجي مختلف جذريا. فقد تعرضت عقيدة الدفاع الأمامي، المعروفة بـ"محور المقاومة"، لضربات أخرجتها إلى حد بعيد من معادلة التأثير. كما دُمرت الدفاعات الجوية الإيرانية خلال حرب استمرت اثني عشر يوما مع إسرائيل. وما فاقم المخاوف أن ترمب أبدى استعدادا واضحا لمواجهة إيران مباشرة حين قصف العام الماضي مواقع نووية إيرانية، ثم عزز الرسالة بخطوة لا لبس فيها عندما انتزع حليف طهران نيكولاس مادورو من سريره في كاراكاس.
وتشتد هذه الضغوط بفعل تحول عميق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي نفسه. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، تخلت إسرائيل عن منطق إدارة الصراع وعن عقيدة "الحملة بين الحروب" التي قامت على مبدأ الاحتواء والتصعيد المحسوب. أصبحت الحروب تُخاض فعلا، ولم يعد نطاق الدفاع عن البلاد في التصور الإسرائيلي يمر عبر حدودها، بل بات يمتد إلى عمق أراضي الخصوم. ولم تعد إسرائيل تكتفي بتحقيق مكاسب تكتيكية مثل تدمير مستودع أسلحة هنا أو اغتيال عالم نووي هناك، بل باتت تتطلع إلى هدف أشد طموحا يتمثل في إعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر الدفع نحو انهيار الجمهورية الإسلامية نفسها. وترى إسرائيل أن نظاما إيرانيا أنهكه الانهيار الاقتصادي والإهانة العسكرية والعزلة الإقليمية يمكن دفعه إلى حافة السقوط إذا مورِس عليه الضغط بدقة وفي التوقيت الملائم تماما.
مسألة الكتلة الحرجة
تختلف موجة الاحتجاجات الجارية في إيران عن الجولات السابقة في عنصر حاسم واحد، إذ تأتي هذه المرة وسط هشاشة مؤكدة تضرب بنية النظام. ففي أعوام 2009 و2018 ثم بين 2022 و2023، واجه المحتجون سلطة ما تزال تحتفظ بقدر من الاحترام الإقليمي وتحيط نفسها بهالة قوة. أما اليوم فيواجهون حكومة أُهينت علنا، وتراجعت قدراتها العسكرية، وتبدد نفوذها الإقليمي. هذا الواقع يعيد تشكيل حسابات الطرفين معا، المحتجين وأجهزة الأمن.

