نقطة الانكسار الإيرانية... العقيدة الإسرائيلية الجديدة وعامل ترمب الرادع

هل بلغت الاحتجاجات الكتلة الحرجة الكفيلة بإسقاط النظام؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
متظاهرون مناهضون للنظام الإيراني يرفعون العلم الإيراني الذي يحمل شعاري الأسد والشمس، قبل ثورة 1979، خلال تجمع أمام السفارة الإيرانية في وسط لندن، في 9 يناير 2026

نقطة الانكسار الإيرانية... العقيدة الإسرائيلية الجديدة وعامل ترمب الرادع

بينما تتخبط إيران في موجة جديدة من الاحتجاجات، تراقب إسرائيل والولايات المتحدة المشهد من الهامش. انطلقت الشرارة من احتجاج تجار البازار في طهران على انهيار العملة المحلية، ثم امتدت إلى ما لا يقل عن مئتين وعشرين موقعا في ست وعشرين محافظة. وتصاعدت المظاهرات بصورة لافتة خلال ليلة الثامن من يناير/كانون الثاني.

غير أن أهمية هذه اللحظة لا تتأتّى من اتساع رقعة الاضطرابات وحدها، فإيران شهدت في السابق انتفاضات أوسع وأكثر صمودا، بل تنبع من البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. إذ تقف الجمهورية الإسلامية اليوم على عتبة مشهد استراتيجي مختلف جذريا. فقد تعرضت عقيدة الدفاع الأمامي، المعروفة بـ"محور المقاومة"، لضربات أخرجتها إلى حد بعيد من معادلة التأثير. كما دُمرت الدفاعات الجوية الإيرانية خلال حرب استمرت اثني عشر يوما مع إسرائيل. وما فاقم المخاوف أن ترمب أبدى استعدادا واضحا لمواجهة إيران مباشرة حين قصف العام الماضي مواقع نووية إيرانية، ثم عزز الرسالة بخطوة لا لبس فيها عندما انتزع حليف طهران نيكولاس مادورو من سريره في كاراكاس.

وتشتد هذه الضغوط بفعل تحول عميق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي نفسه. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، تخلت إسرائيل عن منطق إدارة الصراع وعن عقيدة "الحملة بين الحروب" التي قامت على مبدأ الاحتواء والتصعيد المحسوب. أصبحت الحروب تُخاض فعلا، ولم يعد نطاق الدفاع عن البلاد في التصور الإسرائيلي يمر عبر حدودها، بل بات يمتد إلى عمق أراضي الخصوم. ولم تعد إسرائيل تكتفي بتحقيق مكاسب تكتيكية مثل تدمير مستودع أسلحة هنا أو اغتيال عالم نووي هناك، بل باتت تتطلع إلى هدف أشد طموحا يتمثل في إعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر الدفع نحو انهيار الجمهورية الإسلامية نفسها. وترى إسرائيل أن نظاما إيرانيا أنهكه الانهيار الاقتصادي والإهانة العسكرية والعزلة الإقليمية يمكن دفعه إلى حافة السقوط إذا مورِس عليه الضغط بدقة وفي التوقيت الملائم تماما.

مسألة الكتلة الحرجة

تختلف موجة الاحتجاجات الجارية في إيران عن الجولات السابقة في عنصر حاسم واحد، إذ تأتي هذه المرة وسط هشاشة مؤكدة تضرب بنية النظام. ففي أعوام 2009 و2018 ثم بين 2022 و2023، واجه المحتجون سلطة ما تزال تحتفظ بقدر من الاحترام الإقليمي وتحيط نفسها بهالة قوة. أما اليوم فيواجهون حكومة أُهينت علنا، وتراجعت قدراتها العسكرية، وتبدد نفوذها الإقليمي. هذا الواقع يعيد تشكيل حسابات الطرفين معا، المحتجين وأجهزة الأمن.

تخلت إسرائيل عن منطق إدارة الصراع وعن عقيدة "الحملة بين الحروب" التي قامت على مبدأ الاحتواء والتصعيد المحسوب. أصبحت الحروب تُخاض فعلا، ولم يعد نطاق الدفاع عن البلاد في التصور الإسرائيلي يمر عبر حدودها، بل بات يمتد إلى عمق أراضي الخصوم

ويبقى السؤال: هل بلغ الاضطراب الكتلة الحرجة الكفيلة بإسقاط النظام؟ حتى ليلة الثامن من يناير/كانون الثاني كان الجواب على الأرجح لا، إذ أظهرت المقاطع مئات وربما آلافا قليلة من المتظاهرين في كل مرة. لكن المشهد تبدل جذريا في الثامن من يناير/كانون الثاني عقب نداء رضا بهلوي نجل الشاه إلى التظاهر. ففي تلك الليلة خرج عشرات الآلاف في مدن كبرى بينها طهران ومشهد، في مظاهرات غير مسبوقة منذ احتجاجات عام 2022، إن لم يكن منذ احتجاجات 2009 التي قادتها الحركة الخضراء وحشدت خلالها الملايين. وتبدو الحركة اليوم في طور تحول قد يرقى إلى خطر قاتل على النظام.

الردع بالتلويح

قد يكون نداء رضا بهلوي أحد المحركات الرئيسة لتعبئة غضب مكبوت تراكم لعقود طويلة ضد الجمهورية الإسلامية، غير أن إغفال عامل محوري آخر يعد خطأ تحليليا، وهو الرئيس ترمب. فقد أسهم تهديد ترمب العلني لإيران في تأخير رد أمني حاسم ومنح المحتجين أملا في أن لا تبقى واشنطن على الهامش. ولم يكن ذلك تهديدا شكليا، إذ أظهر ترمب استعدادا لمواءمة الأفعال بالأقوال.

أ.ف.ب
صورة صادرة عن مكتب المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وهو يلقي كلمة أمام طلاب في طهران بتاريخ 3 نوفمبر 2025

فخلال عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو/حزيران من العام الماضي، قرر الرئيس الأميركي الانضمام إلى إسرائيل في ضرب منشآت نووية إيرانية. ولم تكن تلك سوى حلقة في سلسلة من القرارات بدأت بقتل قاسم سليماني، مرورا بالضربة التي استهدفت بشار الأسد في سوريا، وانتهاء بتوقيف نيكولاس مادورو في فنزويلا.

تدل هذه الوقائع على أن كراهية ترمب للحروب لا تعني نفوره من استخدام القوة. وتتبنى إدارته موقفا صارما يؤكد أن الرئيس رجل يفي بكلمته، كما ورد في أحد منشورات البيت الأبيض مؤخرا: "جرّب وسترى العواقب". وسواء عُد ذلك استعراض قوة أم لا، فثمة ما يرجح أنه ليس مجرد مناورة فارغة، وأنه أمر بالغ الأهمية في حد ذاته.

بوصفه "صانع الصفقات الأول" لا يتعامل الرئيس ترمب مع القوة كأداة للفتح والغزو، بل كورقة ضغط وحافز قوي يرمي إلى تغيير سلوك الخصم عبر الإكراه والإقناع لا عبر الهزيمة الشاملة. ويميل إلى استخدامها بسرعة وبأسلوب استعراضي خاطف يجنبه الانزلاق إلى التزامات طويلة.

بوصفه "صانع الصفقات الأول" لا يتعامل الرئيس ترمب مع القوة كأداة للفتح والغزو، بل كورقة ضغط وحافز قوي يرمي إلى تغيير سلوك الخصم عبر الإكراه والإقناع لا عبر الهزيمة الشاملة

غير أن هذا النهج يضيّق خياراته في الملف الإيراني، إذ إن تغيير النظام أو ممارسة ضغط طويل الأمد يتطلب التزاما مستداما. ومع ذلك قد تكفي سلسلة محدودة من الضربات الأميركية الموجهة إلى مفاصل أمنية حيوية لإضعاف قدرة الجمهورية الإسلامية على قمع الاحتجاجات. بل إن مجرد احتمال تدخل ترمب قادر على إرباك آلة القمع ودفعها إلى التأخير والتردد وإعادة انتشار مكلفة.

نحن نقف على أعتاب لحظة قد يضطر فيها ترمب إلى اتخاذ قرار حاسم. فقد دفعت وتيرة التصعيد بين ليلتي الثامن والتاسع من يناير/كانون الثاني السلطات الإيرانية إلى قطع الإنترنت، وتحدثت تقارير متعددة عن انقطاع خطوط الهاتف، وهي علامة معتادة على اقتراب قمع عنيف. وأفادت منصات معارضة داخل البلاد بزيادة حادة في استخدام الذخيرة الحية من جانب قوات الأمن. في المقابل جدد ترمب في مقابلة تحذيره بأنه سيضرب إيران بقوة شديدة إذا سقط قتلى في صفوف المحتجين. وبذلك نقترب من اختبار عملي لهذه التهديدات، إذ إن ردعا يقوم على التلويح وحده لا يمكن أن يستمر طويلا.

الحسابات الإسرائيلية

تراقب إسرائيل، الفاعل الآخر في المعادلة، المشهد عن قرب. وتقوم مقاربتها لاستثمار هشاشة إيران على مزيج محكم من الأدوات. ففي العلن يتجلى الضغط الدبلوماسي في إعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دعمه للمحتجين الإيرانيين، وفي بيانات من مكتبه تؤكد التماهي مع نضال الشعب الإيراني. تؤدي هذه التصريحات وظائف عدة، إذ إنها تبعث رسالة إلى الداخل بأن المحتجين ليسوا وحدهم، وتربك النظام، وتمهد لخطوات لاحقة أشد أثرا.

رويترز
متظاهرون يتجمعون وسط تصاعد الاحتجاجات المناهضة للحكومة، في طهران، في هذه اللقطة المأخوذة من فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي نُشر في 9 يناير 2026

قد يجادل بعضهم بأن تدخل إسرائيل لا يسهّل مهمة الجمهورية الإسلامية، بل يمنحها ذريعة لتصوير الاحتجاجات على أنها مؤامرة خارجية يدبرها خصمها الأول. غير أن القادة الإسرائيليين يرون هذا الاعتراض غير ذي صلة، لأن طهران ستوجّه الاتهام نفسه مهما كان موقف إسرائيل. وفي هذه المرحلة لم يعد إلقاء اللوم على الموساد في كل اضطراب داخلي كشفا جديدا، بل صار رد فعل تلقائيا. ومن يصر على أن الغضب الشعبي مصطنع فإما ساذج، أو يروّج عمدا لرواية تتوافق مع رؤيته للعالم.

لم يعد إلقاء اللوم على الموساد في كل اضطراب داخلي كشفا جديدا، بل صار رد فعل تلقائيا. ومن يصر على أن الغضب الشعبي مصطنع فإما ساذج، أو يروّج عمدا لرواية تتوافق مع رؤيته للعالم

ويبقى السؤال: ماذا يمكن أن تفعل إسرائيل أيضا؟ أظهرت الدولة خلال الحرب التي دامت اثني عشر يوما قدرتها على العمل داخل إيران، إذ استعانت بعناصر من الموساد لتعطيل الدفاعات الجوية الإيرانية والحد من قدرتها على إطلاق وابل كثيف من الصواريخ الباليستية نحو إسرائيل. ومنذ حرب يونيو/حزيران غدت منظومات الدفاع الجوي الإيرانية مدمرة إلى حد كبير، ما يمنح إسرائيل، عند الحاجة، حرية حركة شبه يومية في الأجواء الإيرانية. هذا الواقع يتيح لإسرائيل هامشا للعمل بين تدخل مباشر علني قد يشعل حربا، وبين ضربات دقيقة محسوبة يمكن أن تضعف النظام في أي صراع مقبل أو تعرقل قدرته على قمع الاحتجاجات.

لا تعني حرية الحركة المتجددة لإسرائيل أنها قادرة على التحكّم بمصير النظام الإيراني. فالمشهد الداخلي سيُحسم إلى حد كبير على يد الإيرانيين أنفسهم الذين يخاطرون بأرواحهم في الشوارع الآن. وقد يشكل اندلاع حرب شاملة عائقا لإسرائيل لأنه قد يوقف الاحتجاجات بدلا من تصعيدها. وقد يتردد كثير من الإيرانيين- الذين قد يضطلعون بدور حاسم في أي اختراق ثوري، ولا سيما أبناء الطبقة الوسطى المتحفظون ممن لديهم ما يخسرونه- في التعبئة إذا بدأت الطائرات الإسرائيلية تحلق فوق رؤوسهم واستعدت البلاد لتلقي القصف.

قد تقدم إسرائيل على توجيه ضربة لإيران، لكنها تميل إلى إبقاء أي حملة قصيرة، فغايتها تعديل ميزان القوى لا فتح مواجهة واسعة قد توحد الرأي العام خلف العلم وتساهم في خنق المعارضة. وما تجيده أكثر هو حمل الرئيس ترمب على الوفاء بتهديداته. إذ تشير تجارب سابقة إلى أن إدارة ترمب تميل إلى تفضيل الفعل على الامتناع عنه، على الأقل في المستوى الخطابي. وإذا نجحت إسرائيل في إقناع إدارة ترمب بتنفيذ سلسلة أوسع من الضربات مقرونة بتهديد بتحويل الحملة القصيرة إلى ضغط أكثر استدامة على النظام، فقد لا يكون الهدف هذه المرة تحييد الخطر النووي فحسب، بل إطاحة النظام نفسه.

font change