مفاوضات إيران... ما الذي يجري خلف الكواليس؟

خلال العامين الماضيين تبنت إسرائيل استراتيجية "الانتظار المسلح"

 أ ف ب
أ ف ب
ايرانية امام لوحة جدارية عند السفارة الاميركية السابقة في طهران في الاول من فبراير

مفاوضات إيران... ما الذي يجري خلف الكواليس؟

تقف البنية الأمنية للشرق الأوسط على حافة هاوية غير مسبوقة، فبينما تحشد الولايات المتحدة، تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب، "أساطيل ضخمة" بقيادة حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" في مياه الخليج لفرض اتفاق شامل أو توجيه ضربات "أشد قسوة" من حرب يونيو/حزيران 2025، يواجه النظام الإيراني أزمة وجودية مزدوجة تتمثل في التهديد العسكري الذي لا يقدر على مواجهته، وقمعه العنيف لانتفاضة داخلية أسبابها اقتصادية. وسط هذه المعادلة، تبرز وساطات مختلفة تبدأ من سويسرا بمشاركة قطرية، فيما تبقى سلطنة عمان القناة الخلفية الجاهزة للتفاوض والمحادثات القادرة على احتواء الانفجار ولو إلى حين.

في ذروة التهديدات كانت قنوات تفاوضية عدة تعمل بصمت، وفق ما يقول مصدر إيراني مطلع على مسار المحادثات لـ"المجلة"، معتبرا أن المفاوضات مع واشنطن لم تتوقف يوما، حتى عندما بدا أن المشهد متجه نحو مواجهة مفتوحة.

أما إسرائيليا، فالوضع يختلف قليلا، فخلال العامين الماضيين تبنت إسرائيل استراتيجية "الانتظار المسلح" معتمدة على ملاحقة أي طرف يشكل تهديدا مستقبليا لها، فبعد تدمير جزء كبير من قدرات إيران في يونيو 2025، ترى تل أبيب أن "طهران تستخدم التفاوض كمناورة سياسية"، وفق ما يؤكد مصدر عربي في القدس، فالانهيار الاقتصادي للنظام الإيراني والتحركات الاحتجاجية يحتمان عليها التسريع بعمليات تدمير السلاح البالستي الذي تعتبره الأخطر في القدرات الإيرانية بالوقت الحالي، بعكس ما يراه دونالد ترمب وفريقه اللذان يفترضان أن فعالية العقوبات ومعها الاحتجاجات والضغط السياسي الأقصى عبر الحوار أفضل من الهجوم العسكري في هذه المرحلة.

المصدر الإيراني يعتبر أن المفاوضات ليست مناورة سياسية، بل مسار حقيقي بدأ منذ فترة، في وقت كان فيه كثيرون يتوقعون هجوما وشيكا على إيران. ويشير إلى أن التلويح العسكري الأميركي لم يكن سوى أداة ضغط، بدليل أن دونالد ترمب هدد طهران علنا ثم تراجع عن تهديداته.

هذا المسار التفاوضي يبدو أن القناة الأهم فيه هي السفارة السويسرية في طهران، التي تمثل المصالح الأميركية. فتبادل المقترحات والرسائل السريعة يتم عبرها، إضافة إلى نقل التوصيات بين الطرفين. وإلى جانبها، توجد قنوات أقل وزنا عبر الأمم المتحدة ومكاتب رعاية المصالح المتبادلة.

ما يجري هو اختبار نيات متبادل، تتحرك فيه قنوات متعددة، سويسرية في الأساس، قطرية في التفاصيل، وعُمانية في الخلفية الاستراتيجية

إلا أنه، وبحسب المصدر الإيراني، فإن الدور التنفيذي الأبرز حاليا هو لقطر، التي تتدخل عند تعقد الملفات أو الحاجة إلى معالجة سريعة لبعض النقاط الحساسة، ويشير إلى أن زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن إلى طهران جاءت في هذا السياق، لفك تعقيدات محددة.
في المقابل، لا يغيب الدور العُماني، لكنه يأخذ طابعا مختلفا، فهو إطار استراتيجي طويل الأمد لإدارة التصعيد، أكثر منه قناة تفصيلية يومية في المرحلة الراهنة، ويستند هذا الدور إلى إرث سابق في رعاية المحادثات النووية الحساسة.

وساطات خليجية


تعدد الحراك الميداني هدفه منع نشوب حرب بالمنطقة، وتشارك فيه دول خليجية عدة، ليس عبر وساطة مباشرة، بل عبر رسائل تحذير من تداعيات الحرب، فالقلق الأساسي يتمحور حول الاقتصاد العالمي، حيث سيؤدي انفجار الوضع إلى ارتفاع سعر النفط إلى مستويات قياسية وتوقف التأمين البحري وشلل النقل والطاقة، وهي انعكاسات تطال الجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين وأوروبا وإيران نفسها.
الواضح أن ترمب لا يرى في الحرب خيارا رابحا بالمعنى الشامل، فلديه سياسة العقوبات التي يعتبرها أقل كلفة وأطول أمدا، بينما المواجهة العسكرية تؤدي إلى خسائر ضخمة واهتزاز بالسياسة الدولية، لأن أي خطأ قد يشعل حربا واسعة يصعب احتواؤها.
يشير المصدر الإيراني إلى أن واشنطن تدرك صعوبة الرهان على انهيار داخلي سريع في إيران، فقد شددت طهران سيطرتها الأمنية والسيبرانية على الأرض، وصادرت معظم أجهزة الاتصال الفضائي التي استُخدمت سابقا لنقل الاحتجاجات، أو كانت قادرة على وصل المحتجين بين بعضهم في مدن مختلفة من البلاد.

ما الذي يُبحث فعلا؟


الواضح أن المفاوضات لا تزال في مرحلة رسم الإطار العام، فالزيارة التي قام بها وزير الخارجية القطري كان الهدف منها دفع الإيرانيين إلى قبول التفاوض حول كل الملفات المختلف عليها عبر فرق عدة، من النووي والمواد المخصبة إلى الأذرع والسلاح البالستي، وفق ما يؤكد مصدر لـ"المجلة". وتكشف المعلومات أن ما يجري هو اختبار نيات متبادل، تتحرك فيه قنوات متعددة، سويسرية في الأساس، قطرية في التفاصيل، وعُمانية في الخلفية الاستراتيجية.

الاتفاق الذي يقترحه ترمب يضع النظام الإيراني أمام خيارين يهددان بقاءه، الحرب أو "تعرية" النظام، عبر إلغاء "تصدير الثورة" من خلال الميليشيات، وتسليم المواد النووية المخصبة، وإنهاء إنتاج الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة

ومن بين الخيارات المطروحة على طهران- وفق المصدر الإيراني- الاعتراف الأميركي بحق إيران في التخصيب، يرافقه الإعلان عن تجميد مؤقت لفترة محددة لبناء الثقة. أما ملف الصواريخ، فيجري بحثه ضمن منطق الضوابط والضمانات، لا التفكيك الكامل، وهو ما يدرك الأميركيون أنه غير قابل للتطبيق.

(موقع الرئاسة الايرانية)
الرئيس الايراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي اثناء اجتماعهما في طهران في 10 يناير

إلا أن المصدر العربي في القدس، يرى أن مسألة التخصيب منتهية وليست هي المطلب الأساسي لإسرائيل بعد الضربات التي طالت كل المواقع النووية الإيرانية، ويؤكد أن واشنطن طرحت الحصول على المواد المخصبة الموجودة لدى طهران والتي تعادل 400 كيلوغرام من اليورانيوم.

"الأساطيل الضخمة" والإذعان


استغل ترمب الضعف الداخلي في إيران لطرح إنذار من خلال نشر مجموعة ضاربة في المحيط الهندي وبحر العرب والبحرين المتوسط والأحمر، مجهزة بقدرات حرب إلكترونية وصواريخ توماهوك، في استعراض قوة وصفه ترمب بأنه "أكبر مما أرسل لفنزويلا"، وطرح توقيع صفقة نووية شاملة تتضمن التخلي عن الصواريخ البالستية والأذرع الإقليمية (في لبنان "حزب الله"، والحوثيون في اليمن، إضافة الى الفصائل العراقية)، مقابل مواجهة ضربة عسكرية "أشد قسوة" تطيح بالنظام الإيراني. في ذروة هذا التصعيد، تحركت الدبلوماسية العمانية لتفادي السيناريو الكارثي، وصل وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إلى طهران في 10 يناير/كانون الثاني 2026، في زيارة وُصفت بأنها "مهمة إنقاذ"، كان يحمل رسالة شفهية مباشرة من واشنطن إلى القيادة الإيرانية، تضمنت تحذيرا صريحا "أوقفوا إعدام المتظاهرين فورا وعودوا لطاولة المفاوضات بشروطنا، أو واجهوا الضربة القاضية".
التقى البوسعيدي مع الرئيس مسعود بزشكيان وعدد آخر من المسؤولين الإيرانيين، وكما يبدو فإن الرسالة أعطت مفعولها، حيث أعلن ترمب أن إيران أوقفت تنفيذ 800 حكم إعدام وشيك بحق المتظاهرين، مشيرا إلى تلقيه "تطمينات"، مما خفف من حدة التهديد بالتدخل العسكري المباشر لحماية المتظاهرين، وحوّله إلى ضغط لإبرام الصفقة الشاملة.
أحد جوانب الأزمة هو التفاعل بين الضغط الأميركي والموقف الإسرائيلي، حيث تشير المعلومات إلى أن ترمب يستخدم "تأجيل" الضربة الإسرائيلية كورقة مساومة مع طهران، عبر رسالة واضحة: "سأمنع إسرائيل من ضربكم الآن، مقابل الالتزام بالخطوات المطلوبة".

الوساطة أمام الامتحان الإيراني


الاتفاق الذي يقترحه ترمب يضع النظام الإيراني أمام خيارين يهددان بقاءه بشكله الحالي، الحرب أو "تعرية" النظام، عبر إلغاء "تصدير الثورة" من خلال الميليشيات، وتسليم المواد النووية المخصبة، وإنهاء إنتاج الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة.
في إيران يرى المعسكر الإصلاحي الذي يمثله الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي أن التنازل هو الثمن الضروري لرفع العقوبات وإنقاذ الاقتصاد وتهدئة الشارع، مقابل حماية النظام ولو بشكله الجديد.
أما المعسكر المتشدد أي "الحرس الثوري" والمقربين من المرشد علي خامنئي، فيرون في المطالب هذه "انتحارا استراتيجيا" وتجريدا للنظام من أهم أوراق ردعه. وبرز هذا الموقف في صحيفة "كيهان" التي هاجمت الوساطة واعتبرت الوعود الأميركية "خداعا"، ورأت أن قبول إيران بالتخلي عن أذرعها يعني انهيار عقيدة "الدفاع المتقدم" ما يجعل الأراضي الإيرانية مكشوفة لأي حرب مستقبلية، ويؤدي إلى تآكل هيبة النظام وسقوطه من الداخل.

font change

مقالات ذات صلة