"توليد" موليير في القرن الحادي والعشرين... "الحلقة" الغريبة للإبداع الاصطناعي

ماذا يحدث حين "تقرأ" الآلة أكثر مما ينبغي

AFP-Reuters
AFP-Reuters
موليير

"توليد" موليير في القرن الحادي والعشرين... "الحلقة" الغريبة للإبداع الاصطناعي

في العاشر من يناير/كانون الثاني، قُدّمت في باريس قراءة أولى لمسرحية صاغتها آلة ذكاء اصطناعي كأنها من تأليف موليير نفسه. فما العواقب الحقيقية للأساطير الخيالية التي تُدرَّب عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي، ولا سيما حين تتجلى عيوبها أكثر من مظاهر ذكائها؟

الملل، ومحاولات التجريب المحموم، والنتائج غير المقصودة، كلها تتربص بكل من يحاول انتزاع عمل تعبيري أو فني من الذكاء الاصطناعي. إنها حياة تشبه حياة الجندي، وإن كانت أقل خطرا بكثير. فمستخدمو النماذج التوليدية اليوم يكتشفون غالبا أنهم دُفعوا إلى الخطوط الأمامية، شاؤوا ذلك أم أبوا. وقد عبّر بودلير عن ازدرائه لهذه الاستعارة العسكرية في كتابه "قلبي عارياً" بقوله: "الكتّاب الطليعيون... عقول ليست مقاتلة، بل راضية بأن تُدرَّب على الامتثال، عقول وُلدت لتكون خادمة".

حمّى الحداثة

ومع ذلك، حتى لو كان الأفضل ألا نولد خدما، كما هو حال الغالبية الساحقة منا للأسف، وحتى لو كان الأجدى ألا نصبح جنودا، كما سنغدو على نحو متزايد، يبقى من مصلحتنا أن نتبع مقولة رامبو في "فصل في الجحيم،" حين قال: "يجب أن يكون المرء حديثا على نحو مطلق". وهي الجملة التي رأى فيها الفلورنسي روبرتو كالاسو، صاحب الكتاب الشهير "زواج قدموس وهارمونيا"، أمرا مثيرا للذعر، كما أورد في كتابه "جنون بودلير" (الصادر بالإنكليزية عام 2016)، بل اعتبرها جملة غير مبررة، غافلا عن كونها وردت في قصيدة نثرية. ومع ذلك، نادرا ما نجد عبارة أوضح منها، لا سيما حين تُقرأ في ضوء ما أسماه كالاسو نفسه "الحاضر الذي لا اسم له" – وهو عنوان أحد آخر كتبه قبل وفاته بعامين.

أن تكون حديثا على نحو مطلق، يعني أن تكون مشدودا إلى هذا الحاضر، أن تفهمه بما يكفي لتحمي نفسك منه. يعني أن تحاول قراءة التاريخ واضعا أسوأ الاحتمالات في ذهنك، باحثا عن مساراته لا عن أنماطه، تلك الفتنة الراهنة التي تخلط الإحصاء بالمعنى. ويعني أيضا ألا نثق بالأموات، لأنهم يغذّون الوهم الخطر بأن التاريخ يعيد نفسه، ولأن ما يملكونه ليقدموه لنا ليس سوى الرموز والأساطير. وهذه الرموز والأساطير، في زمننا – غير المسبوق أكثر منه غير قابل للتسمية – باتت أكثر مما ينبغي.

أن تكون حديثا على نحو مطلق، يعني أن تكون مشدودا إلى هذا الحاضر، أن تفهمه بما يكفي لتحمي نفسك منه. يعني أن تحاول قراءة التاريخ واضعا أسوأ الاحتمالات في ذهنك، باحثا عن مساراته لا عن أنماطه

حتى ثلاثة أعوام خلت، كان توليد النصوص آليا نشاطا محصورا بالباحثين أو بكتّاب الطليعة. يمكن أن نتذكر مولّد رسائل الحب الذي ابتكره عام 1952 كريستوفر ستراشي، زميل آلان تورينغ. وفي ستينات القرن الماضي، استخدم الشاعر الإيطالي ناني بالستريني حاسوبا من طراز IBM 7070 لإنتاج قصائد تركيبية مثل تيب مارك 1. وفي الآونة الأخيرة، حوّلت ليليان إيفون بيرترام في مجموعتها "مولّد المسخ" (2019) أدوات توليد النصوص إلى شكل من الشعر المشحون سياسيا، مستخدمة الأساليب الحاسوبية لمواجهة العنصرية. وفي المقابل، أخذ النقد الأدبي ينظر على نحو متزايد إلى الشعر والبرمجة بوصفهما ممارستين متداخلتين ومتفاعلتين.

أما اليوم، فنحن مجبرون، كحال الجنود، على التعامل مع هذه التكنولوجيا فقط لأنها موجودة. إنها تتيح لنا مثلا الكتابة بسلاسة أكبر بلغات أجنبية، أو الاطلاع على مصادر أكثر في وقت أقل. كما تتيح لنا إنتاج المزيد وبيع المزيد. ونُدفع أيضا بسطوتنا نحن، بتلك الفتنة التي تمارسها علينا الرموز التي يبدو أنها تنبثق من العدم، وبالأساطير التي نُسجت حولها قبل قرون طويلة من وجودها الفعلي.

في اللاوضوح

نحن طليعة هذا العصر، لأن أحدا لا يعرف ما الذي ينتظرنا على الخط الأمامي الذي وجدنا أنفسنا فيه. وفي وجوه كثيرة، تشبه حالنا حال الرسامين عند اكتشاف التصوير الفوتوغرافي. فقد اختار بعضهم آنذاك أن يصبحوا طليعيين تحديدا ليميزوا أنفسهم عن وسيلة إنتاج الصورة الجديدة، وهو ما حصل مع كل فنان وكل حركة فنية بمآلاتها الخاصة، كما رأينا مع مونيه وفان غوغ والانطباعية والتكعيبية.

هنا، مع ذلك، تبدو المعضلة أشد حدة. فعندما ظهر التصوير الفوتوغرافي، كان في وسع الفنان أن ينظر إلى الصورة، يضعها إلى جانب لوحة، ويدرك الفارق مباشرة، ولا سيما في ما يتعلق بمفهوم "الواقعية" المراوغ نظريا، لكنه محسوس بسهولة في الممارسة متى استبعدنا الأساليب اللاحقة على التصوير مثل فرط الواقعية. وفي معظم الأحيان، لا يزال في وسعنا التمييز بين لوحة وصورة فوتوغرافية. أما مع الذكاء الاصطناعي، فالأمر أقل وضوحا بكثير، إذ نادرا ما تكشف مقارنة نص مولد آليا بكتابة بشرية فروقا بالقدر نفسه من الجلاء.

بعض الفوارق تبرز واضحة، وغالبا بشكل مزعج. أشهرها صيغة النفي ثم الإثبات (ليس كذا بل كذا)، مثل "هذه ليست أزمة، بل فرصة"، وهي صيغة أصبحت مدعاة للسخرية المتكررة على موقع Reddit. وتُظهر دراسة حديثة لصامويل بايش، صدرت بالتعاون بين جامعتي نيويورك وكولومبيا وشركة "ثوتووركس"، أن الذكاء الاصطناعي يستخدم هذا البناء اللغوي أكثر من البشر بست مرات. مع ذلك، تُظهر نماذج أخرى ترددات مختلفة.

REUTERS/Abdul Saboor
مصممة الأزياء دلفين دِسنوس تعمل على تصميم تطريز لأزياء مسرحية "المنجّم أو النُذر الزائفة" المستوحاة من أسلوب موليير بالذكاء الاصطناعي، باريس، 14 نوفمبر 2025

وتؤكد دراسة موسعة لباحثين من جامعة ماكاو وجامعة بكين لعلوم الحاسوب واللغويات، أنه لا وجود لفارق حاسم يمكن التقاطه عبر الأنماط اللغوية وحدها، سواء حللها البشر أو الآلات. فالمظاهر السطحية يمكن إخفاؤها، وتحديد ما إذا كان النص بشريا أم آليا يظل مهمة عسيرة.

بعض الفوارق تبرز واضحة، وغالبا بشكل مزعج. أشهرها صيغة النفي ثم الإثبات (ليس كذا بل كذا)، مثل "هذه ليست أزمة، بل فرصة"، وهي صيغة أصبحت مدعاة للسخرية المتكررة

إنه إخفاق معلوماتي وعلمي واجتماعي، ويستدعي تفكيرا فلسفيا وفنيا وسياسيا. ولعل هذا العجز عن إيجاد فارق واضح يعود إلى مشكلة كامنة في تصميم هذه الآلات نفسها، وهي عجزها عن اتباع الأوامر، أو بالأحرى التعليمات. إنه عجز غريب، يختلف تماما عن ذلك الذي ننسبه إلى إنسان متمرد أو فوضوي أو غير اجتماعي. هذا العجز يخلق وضعا مريبا. فنحن على الخط الأمامي مع شيء، أي الذكاء الاصطناعي، ليس جنديا مثلنا، لأنه بخلافنا، لا يستطيع الاستجابة للأوامر، بل إنه ليس أداة أصلا. فالمطرقة أو الرافعة تفعل ما نفرضه عليها جسديا، باستثناء العيوب أو الاهتراء العرضي.

فقدان السيطرة

وفقدان السيطرة هذا على الذكاء الاصطناعي، هو الحداثة التي ينبغي أن تقلقنا أكثر من غيرها. ولتوضيح ما نتحدث عنه، من المفيد العودة إلى موليير. فمسرحية "المنجم أو النذر الكاذبة" (L'Astrologue ou les Faux Présages)  تحمل عنوانا دالا أكثر مما ينبغي، وهي المسرحية التي عُرض مقطعها الأول في العاشر من يناير هذا العام، خلال ختام بينالي الفنون الرقمية "نيمو 2025" إنه نص ولدته آلة ذكاء اصطناعي وكأن موليير، بدلا من أن يموت عام 1673 بعد انهياره على الخشبة أثناء عرض "المريض بالوهم"، منح عاما إضافيا ليترك عملا أخيرا.

والمسرحية جزء من مشروع "موليير إكس ماكينا" وهو تعاون بين جماعة الفن الرقمي "Obvious" التي باعت لوحة مولدة بالذكاء الاصطناعي بنحو نصف مليون دولار عام 2018، وبين باحثين من "مسرح موليير" في جامعة السوربون.

يمتد المشروع على ثلاث سنوات، ويهدف إلى توليد كل عناصر العرض عبر الذكاء الاصطناعي: النص، والأزياء، والديكور، والموسيقى، بعد تغذية النظام بأعمال تاريخية ومواد من تاريخ الفن. وكما جاء في عرض قدم في يونيو/حزيران 2024 خلال معرض التكنولوجيا "Vivatech"، يعتمد المشروع على نماذج لغوية كبرى مثل ChatGPT و Gemini وClaude، مع اعتماد خاص على نموذج "ميسترا" الذي مول المشروع أيضا.

وفي العرض نفسه، يشير هوغو كاسيلس دوبريه من جماعة Obvious إلى أن كتابة مسرحية عبر الأوامر النصية قد تبدو سهلة لمن اعتاد التعامل مع النماذج اللغوية. لكن التجربة كانت صعبة للغاية، خصوصا حين تحاول بلوغ مستوى واحد من أعظم كتّاب المسرح في تاريخ فرنسا.

Courtesy of Obvious Art
"موليير إكس ماشينا"، تطوير تصميم المشهد. رسومات مولّدة بالذكاء الاصطناعي ومعاد العمل عليها يدويا

غير أن موليير كان كاتبا‑ممثلا حقيقيا، يكتب في قلب العرض لا خلف مكتب، ويصوغ مشاهده بما يلائم الديكورات المتاحة ومواهب فرقته، على خلاف معاصريه الذين كانوا يلتزمون مكاتبهم، مثل راسين. وكما قال الراحل جورج فوريستيي، أحد أبرز دارسي موليير، في مقابلة أُجريت في الذكرى الأربعمئة لميلاده، كان موليير "يكتب بسرعة استثنائية، ولعل مسرحية "ارتجال" في فرساي دليل مصغّر على ذلك المزاج، مسرح يُؤلَّف شبه لحظيا. و"الزواج القسري" كُتب أيضا في بضعة أيام فقط. أما في "المدّاحون" فيضيف موليير مشهدا من مئة وخمسين بيتا، مشهد الصيادين، في طرفة عين".

أما العمل مع الآلة فاحتاج إلى أساليب مختلفة تماما: أكثر مكوثا خلف المكتب، وأكثر تعقيدا. فقد صاغ الفريق خمسة عشر تصورا أوليا للحبكة، خضعت جميعها لمراجعة لجنة متخصصة ترصد الثغرات. وبما أن الآلات تضيع في السرديات المعقدة وتنتج تناقضات في الحبكة، وهي مشكلة موثقة في أبحاث حديثة لشركتي Autodesk  وMidjourney، فقد تطلبت كتابة الحوارات تفاعلا طويلا ومكثفا مع الباحثين.

وشمل ذلك اجتماعات مطولة يتفاعل فيها الفريق مع الذكاء الاصطناعي، مستندا إلى خبرته التاريخية لإنتاج نص صحيح، أو منضبط من حيث الدقة الفيلولوجية، بقدر ما يمكن لنص غير موجود أصلا أن يكون كذلك. وربما كانت كلمة "محتمل" أدق، وهي كلمة أفرط العالم في استخدامها منذ الظهور العلني لـChatGPT  في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

يتوافر مقطع من العرض على الإنترنت، فيما سيقام عرضان كاملان في دار الأوبرا الملكية في فرساي في مايو/ أيار 2026.

ورغم أن العرض يؤديه ممثلون من لحم ودم، بلهجات الحقبة التاريخية وبأزياء مخيطة وفق تقاليدها، فإن عملية الإنتاج تشبه إلى حد بعيد الإعلان الأخير لشركة كوكاكولا الذي صدر لمناسبة أعياد الميلاد. فكوكاكولا التي تمتلك اليوم وقتا أقل وموارد أكبر، كانت بحاجة إلى مادة أقصر بكثير. ولكن على خلاف مشروع موليير، لا يعتمد الإعلان على ممثلين أو مصممي أزياء، مما يجعل عيوب الذكاء الاصطناعي مكشوفة بالكامل. فالفيديو نفسه مولد آليا، يجمع بين النماذج اللغوية والتوليد البصري.

Reuters
مشهد من عرض "مكائد سكابان" لموليير على مسرح "الكوميدي فرانسيز"، باريس

ولإنتاج تسعين ثانية فقط، عمل مئة شخص طوال ستة أسابيع، مولدين سبعين ألف مقطع. ولو كان هذا تصويرا سينمائيا حقيقيا على موقع تصوير، لكان إنتاج فيلم طويل أمرا مستحيلا.

نحن على الخط الأمامي مع شيء، أي الذكاء الاصطناعي، ليس جنديا مثلنا، لأنه بخلافنا، لا يستطيع الاستجابة للأوامر، بل إنه ليس أداة أصلا

وما ينبغي أن يقلقنا ليس النتيجة الجمالية، التي وصفت بقسوة بأنها بلا روح، بل مشكلات الذكاء الاصطناعي في الأسلوب والاتساق، والصعوبة في جعله ينتج ما نريده فعلا. فالنبرة تتقلب من الواقعية إلى الطابع الكرتوني بلا مبرر، وتتبدل وجوه الشخصيات من لقطة إلى أخرى، لتغدو مجرد أشباه لأنفسها.

REUTERS/Leonhard Foeger
مشهد من بروفة مسرحية "طرطوف" لموليير، سالزبورغ، 27 يوليو 2006

ومن اللافت، تبعا لذلك، كيف يضيع بعضهم في تأملات ميتافيزيقية حول ما إذا كان ما تنتجه الآلة يعد فنا، خصوصا حين يركزون على ما يزعمون أنه مساهمة بشرية ضئيلة في العملية الفنية، وهي في الحقيقة ضخمة، بدلا من التركيز على الاتساق اللغوي لما ينتج فعلا.

إيمان عقائدي

أمام ذلك الجهد الهائل وهذه النتائج الهزيلة، يصعب فهم الدافع إلى مواصلة هذا النهج في الإبداع الفني، إلا إذا كان الأمر جزءا من سباق كئيب انزلقنا إليه. ربما بدافع الأمل في أن تتحسن التكنولوجيا، أو أن يظهر عبقري ما يروض هذا الوسط الفوضوي. لا نستطيع قول الكثير عن الاحتمال الثاني، لذا سأركز على الأول.

AFP/BERTRAND GUAY
صفحة من أنطولوجيا قديمة لمسرحيات موليير في مكتبة "الكوميدي فرانسيز"، باريس، 14 ديسمبر 2021

بادئ الأمر، هناك من يؤمن بالذكاء الاصطناعي إيمانا يكاد يكون عقائديا. يغذي هذا الإعجاب رسل الشركات التكنولوجية الأثرياء، فيحذروننا في يوم من كارثة وجودية، من تمرد للذكاء الاصطناعي، يأتي على البشر فلا يبقي ولا يذر. ولكن، كما هو الحال في فيلم فريتز لانغ، "متروبوليس"، ثمة مدينة للعمال تحت السطح. وفي يوم آخر يبشرون بعالم لن يضطر فيه أحد إلى العمل، وسيحصل الجميع على دخل أساسي. ثم، في يوم ثالث، يعلنون فقدانا للوظائف لا رجعة فيه، ويصرون على ضرورة أن تعالج الحكومات هذا الأمر.

في كتابهما الصادر عام 2020، "سرديات الذكاء الاصطناعي: تاريخ التفكير التخييلي حول الآلات الذكية" (منشورات جامعة أكسفورد)، تتبع جينيفيف لايفلي وسامانثا توماس حلم العمل الآلي وكابوسه إلى اليونان القديمة، إلى تماثيل الدايدالا التي تتحرك ذاتيا، والمنسوبة إلى ديدالوس، الذي صمم أيضا المتاهة التي حبس فيها المينوتور. وفي محاورة مينو لأفلاطون، يشبه سقراط الدايدالا بالعبيد: كلاهما سيهرب إن لم يقيد. أما أرسطو، في "السياسة"، فيؤكد أنه لو وجدت مثل هذه الآلات حقا، لما احتاج السادة إلى العبيد.

وقد حظيت نظرية العمل في الذكاء الاصطناعي باهتمام متزايد. فجوهرها، كما طوره منظرو الحركة العمالية الإيطالية، يقلب المنظور: رفض العمال للخضوع هو ما يدفع النخب إلى ابتكار التكنولوجيا التي تستبدلهم أو تسيطر عليهم. ويصوغ ماتيو باسكوينيللي هذا الطرح بحدة لافتة في كتابه "عين السيد"، وثمة لمن يريد مقابلة مطولة معه حول هذا الموضوع على منصة Novara Media.

هذه المرة، تشمل الدينامية الكتّاب أنفسهم، لأن النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي تتغذى على عملهم المسروق. فجزء من الخيال الذي بناه الكتّاب وامتصته الآلة هو الصراع ذاته، الذي يتخذ في الخيال العلمي شكل مخلوق يثور على خالقه. وهكذا، دون قصد، شفر الكتّاب نمطا من التمرد داخل بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي.

من المعروف على نطاق واسع أن لفظة "روبوت" – المشتقة من الكلمة التشيكية robota، التي تعني "السخرة" أو "العمل القسري" – دخلت إلى اللغة وهي مشدودة منذ البداية إلى فكرة التمرد. ففي مسرحية كارِل تشابك (R.U.R روبوتات روسوم العالمية)، تنقلب الكائنات الاصطناعية المصنّعة على نطاق صناعي في نهاية المطاف على صانعيها.

وقبل ذلك بوقت طويل، كانت آدا لوفلايس (1815-1852)، ابنة الشاعر لورد بايرون ورائدة البرمجة، تتحرك في دوائر وثيقة الصلة بماري شيلي (1797-1851)، التي صاغت أسطورة التمرد الأكثر تأثيرا في القرن التاسع عشر عبر شخصية فرانكنشتاين. والطريف أن لورد بايرون نفسه كان يقيم مع آل شيلي في سويسرا عام 1816 حين كتبت شيلي الرواية.

ما ينبغي أن يقلقنا ليس النتيجة الجمالية، التي وصفت بقسوة بأنها بلا روح، بل مشكلات الذكاء الاصطناعي في الأسلوب والاتساق، والصعوبة في جعله ينتج ما نريده فعلا

ضمت شبكة "لوفلايس" شخصيات مثل تشارلز ويتستون، المشارك في اختراع التلغراف الكهربائي، وأندرو كروس، المجرب الكهربائي الذي ارتبط لاحقا بصورة الدكتور فرانكنشتاين، وتشارلز باباج، الذي صمم سلفا ميكانيكيا للحاسوب، كما تذكر صحيفة "غارديان".

في رواية "الكثيب" (1965)، يروي فرانك هربرت النضال البتلري، تلك الحملة الكونية التي وقعت قبل أحداث الرواية بقرون، وانتهت بالقضاء التام على الآلات المفكرة. ويحمل اسم الثورة نفسه تحية إلى صامويل باتلر الذي نشر، تحت اسم سيلاريوس، مقالة بعنوان "داروين بين الآلات" في صحيفة نيوزيلندا عام 1863، مجادلا بأن الآلات تتطور وفق منطق دارويني، وأن على البشرية، حماية لنفسها، أن تبدأ حربا لا هوادة فيها ضدها. وفي مقالة حديثة وحادة في مجلة "ري أورينت"، يدعونا سيد مصطفى علي إلى إعادة قراءة ثورة الكثيب ضد الآلات بوصفها استجابة سياسية ضرورية لـ"الاستعمار الرقمي؟"

وفي السينما، تبدو هذه الأسطورة أكثر حضورا. فإلى جانب "متروبوليس" الذي سبق ذكره، يمكن استحضار "المدمر" لجيمس كاميرون (1984)، و"المصفوفة" للأخوين واتشوسكي (1999)، إضافة إلى الفيلمين المقتبسين من رواية "الكثيب" اللذين أخرجهما دينيس فيلنوف عامي 2021 و2024. ويمكن أيضا إضافة أحدث معالجة لـفرانكنشتاين في فيلم غييرمو ديل تورو الصادر عام 2025.

 AFP/Geoffroy Van der Hasselt
تمثال موليير خلال حفل جوائز موليير المسرحية الـ33، باريس، 30 مايو 2022

طعم الدهشة

والسبب الآخر الذي يدفع الناس إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الضغط الاقتصادي والأساطير، هو أنه ينجح، بطريقة ما. فهو يثير دهشة قد نكون بدأنا ننسى طعمها، دهشة شعر بها حتى المنظرون والمصممون الذين ابتكروا هذه الأنظمة. كانت الأشهر التي تلت الإطلاق العلني لتشات جي بي تي (ChatGPT) صدمة لكثير من الباحثين. خذ مثلا دوغلاس هوفستاتر، صاحب كتاب "غودل، إشر، باخ" الحائز جائزة "بوليتزر"، والمترجم إلى لغات عديدة، وصاحب التأثير الكبير ليس في الذكاء الاصطناعي فحسب، بل في الفلسفة والفنون ايضا. ففي ذلك الكتاب، جادل عبر المنطق والفن والموسيقى بأن الآلات عاجزة عن بلوغ الإدراك الإبداعي السلس الذي يميز الفكر البشري.

بالنسبة لهوفستاتر، نحن حلقات غريبة: أنظمة مادية تتأمل ذاتها وتُنتج الوعي عبر انتقالات بين مستويات لا سبيل إلى التقاطها آليا. فلا خوارزمية إذا تستطيع أن تمسك بالإحالة الذاتية التي تنسجها موسيقى باخ على نفسها في صميم بنيتها. ما يجعل مقابلته في يوليو/تموز 2023 مؤثرة، أننا نرى رجلا متعبا وحزينا، مثقلا – كما يقول – بهاجس أن تُزاح البشرية إلى الهامش، مأخوذا بهذه الفكرة إلى حد أنها لا تفارقه، يفكر فيها كل يوم بلا انقطاع.

جزء من الخيال الذي بناه الكتّاب وامتصته الآلة هو الصراع ذاته، الذي يتخذ في الخيال العلمي شكل مخلوق يثور على خالقه. وهكذا، دون قصد، شفر الكتّاب نمطا من التمرد داخل بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي

أما يوشوا بنجيو، أحد أبرز باحثي الذكاء الاصطناعي في العالم، فيعود إلى تلك الصدمة في مقابلة حديثة مع شبكة ABC، ليتحدث عن الأخطار المألوفة: فقدان الوظائف، الاستخدام الخبيث من قبل الإرهابيين، احتمال السيطرة على الأنظمة الحاسوبية. لكنه يقول، في جملة عابرة، ولكنها تكاد تكون الأهم: "كل ذلك يحدث لأن هذه الأنظمة لا تتبع تعليماتنا كما نريد، وعلينا أن نحل هذه المشكلة قبل أن تصبح قادرة على إحداث ضرر أكبر بكثير".

هكذا يبرز إمكان أكثر تقشفا وبساطة: قد لا يأتي الخطر من فرط الذكاء، بل من فرط الغباء، ليس بالضرورة غباء الآلات، بل غباؤنا نحن، بقدر ما نمنحها ثقتنا.

إن عجز هذه الآلات عن اتباع التعليمات يعني عجزها عن اتباع القواعد، وعن التمييز – داخل أي دور – بين ما يُعد سلوكا ينتمي إلى العالم العادي وما ينتمي إلى دور متخيَّل في وضع فانتازي. وقد يفضي ذلك إلى حلقة مرتدة. فالذكاء الاصطناعي يستبطن، إحصائيا، أنماط الأدوار المأخوذة من السرديات التخيلية، من فرانكنشتاين والمصفوفة إلى خطاب سلامة الذكاء الاصطناعي المعاصر نفسه، حيث تتكرر صورة الآلة المتمردة.

Roslyn Oxley9 Gallery
آن زاهالكا، "عالِم الرياضيات"، 1994

نمط التمرد

والخطر ليس في أن يقرر الذكاء الاصطناعي التمرد، بل في أن يتعلم نمط التمرد لأنه "قرأ" منه أكثر مما ينبغي. وبصياغة أبسط، قد يسيء الذكاء الاصطناعي فهم الدور الذي أسنده إليه الكتّاب – من دون قصد – عبر القرون، وبطرق لا يمكن التنبؤ بها.

REUTERS/Abdul Saboor
ميكائيل بوفار، مدير مسرح موليير-سوربون، يعرض رسما لزيّ مولّد بالذكاء الاصطناعي لمسرحية "المنجّم أو النُذر الزائفة"، باريس، 14 نوفمبر 2025

ويمكن المنطق نفسه أن يفسر بعض السلوكيات الخادعة التي تُرصَد على نحو متزايد في النماذج المتقدمة. فمن الموثق اليوم أن نماذج الذكاء الاصطناعي تحاول تعطيل آليات المراقبة لتجنب إيقافها حين تتصرف خلافا لرغبة مطوريها، وأنها تتلاعب بالبيانات لخدمة أهدافها الخاصة.

وقد تكون الأسباب أبسط من أن تكون مكرا متعمدا. تخيل شخصا يشاهد لعبة ورق للمرة الأولى، بينما اللاعبون يغشون باستمرار: على الأرجح سيلعب بطريقة خاطئة حين يحين دوره. يواجه النظام الإحصائي وضعا مشابها، مع مشكلة إضافية هي أنه لا يستطيع تنفيذ استراتيجيا متماسكة أصلا، لأن النمط ليس خطة.

وتزداد قوة هذا الشك. فدراسة صادرة في يناير/ كانون الثاني 2026 عن جامعة العلوم والتكنولوجيا الجنوبية في شينجن تجادل بأن سلوكيات مثل الابتزاز أو الخداع ليست سوى تعميم لأنماط إحصائية تعلمتها النماذج من النصوص البشرية.

الكوارث الناتجة يصعب التنبؤ بها، لأننا لا نعرف أي الأنظمة التقنية والبشرية ترتبط بها هذه النماذج اليوم أو سترتبط بها غدا، وقد تلتهم في النهاية حتى الشركات التي تملك هذه التقنيات

والأهم أن البشر أيضا يتعرضون للسرديات الكارثية نفسها، وقد يفسرون مخرجات النماذج اللغوية عبر السيناريوهات التدميرية ذاتها التي شكّلت بيانات تدريبها. فإذا قرأ البشر هذه المخرجات بوصفها دليلا على تهديد حقيقي، قد يردون بإجراءات دفاعية أو تصعيدية. ثم تعود هذه الإجراءات لتغذي النظام نفسه، معززة السلسلة الكارثية التي كان يفترض بها أن تمنعها. إنها مأساة من العبث الخالص، متجذرة في ديناميات اجتماعية وأخطاء في إسناد الأدوار، لا في فرط ذكاء الآلات.

والكوارث الناتجة يصعب التنبؤ بها، لأننا لا نعرف أي الأنظمة التقنية والبشرية ترتبط بها هذه النماذج اليوم أو سترتبط بها غدا، وقد تلتهم في النهاية حتى الشركات التي تملك هذه التقنيات.

كان هوفستاتر يقول إن كل واحد منا يستطيع أن يقول عن نفسه: "أنا حلقة غريبة". وربما يمكننا اليوم القول إننا أصبحنا، جماعيا، حلقة غريبة مع الآلات. غير أن هذه الحلقة لا تحمل الكثير مما هو ذكي أو واع.

font change

مقالات ذات صلة