مع ارتفاع حمَّى التوتر بين الولايات المتحدة وإيران بعد الانتشار العسكري الأميركي الواسع وغير المسبوق في المحيط الهندي والشرق الأوسط لمجابهة طهران، لا تبدي جماعة الحوثيين اليمنية الموالية لإيران كثير انشغال بما سبقه من تطورات سياسية دراماتيكية في جنوب البلاد، رغم ما تعنيه لها، قدر اهتمامها بالنظر إلى ما يحدث بين البيت الأبيض وطهران.
لكن هدا يحدث في صمت وترقب وكمون لما يمكن أن تؤول إليه نتائج تلك المواجهة، حربا أو سلما، وكيف يمكن أن تنعكس على حاضر الجماعة ومستقبلها، رغم إدراكها تشابك الملفات بين ما يحدث في جنوب وشمال البلاد وما يجري في المنطقة بين الخصمين اللدودين، الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
لم يصدر عن الحوثيين حتى اللحظة أي موقف بشأن هذه المستجدات على غرار ما أعلنه زعيم "حزب الله" اللبناني نعيم قاسم عن أن ميليشيات "الحزب" لن تقف على الحياد إزاء أي هجوم أميركي على إيران، أو تهديد بعض الفصائل العراقية بالقيام بـ"عمليات انتحارية محتملة" ضد المصالح الأميركية، والأرجح أن هذا يأتي نتيجة إدراك الحوثيين بأنهم باتوا مكشوفي الظهر أكثر من أي وقت مضى وعاجزين عن التحرك في أي اتجاه، فالحساب مع واشنطن وتل أبيب ومع الداخل اليمني لا يزال قائما وعسيرا وتصفيته ليست أكثر من وقت فقط.
أفق المواجهة
كل شيء يبدو واضحا تماما للجميع، والنتيجة تبدو جلية أيضا في كلتا الحالتين بالنسبة لإيران، فالتفاوض بالشروط "التعجيزية المذلة" التي يقترحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعني "استسلام طهران" فمن بينها إيقافها تمويل أذرعها في العراق ولبنان واليمن، إلى جانب إنهاء مشروعها النووي وتحجيم برنامجها الصاروخي ومعاقبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين المدنيين، وكل ذلك يتطلب إيجاد آليات رقابة صارمة من شأنها أن تجعل إيران تحت الوصاية أو ما يشبهها لعقود طويلة قادمة.
كما أن الذهاب إلى الحرب سيقود حتما إلى الاستسلام أيضا ومعه الدمار الهائل الذي يمكن أن يلحق بإيران مهما بلغ حجم ردها على الولايات المتحدة وإسرائيل وقواعدهما لدى حلفائهما في المنطقة، ذلك في ظني ما تعيه إيران وربما لا تعيه أذرعها في العراق الذي بدأت فصائله الشيعية تدفع ثمن موالاتها لإيران برفض داخلي وخارجي لمرشحها نوري المالكي لتولي رئاسة الحكومة، وفي لبنان حيث تخلى الجميع عن زعيم ميليشيا "حزب الله" خصوصا بعد تصريحاته "غير المسؤولة" الأخيرة، وفي اليمن الذي يبدو الحوثيون فيه أكثر ضعفا بعد سنوات من الحرب والتصنيف بالإرهاب والعقوبات والحصار والعزلة، وأخيرا بالاستهداف العسكري المزدوج من قبل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
ما خيارات الحوثيين إذن؟
لا خيارات عسكرية واضحة أمام الحوثيين، إذا توقف تمويلهم من قبل إيران وتم تجفيف مواردهم المالية واللوجستية داخليا، كما لا توجد خيارات سياسية بعد أن استنفدت جماعة الحوثيين كل أطواق النجاة التي ألقيت لهم من خلال فرص السلام التي أتيحت أمامهم، إقليميا ودوليا، للقبول بحل سلمي مع خصومهم في الداخل.

الأرجح إلى حد شبه مؤكد أن يواجه الحوثيون، قيادة وميليشيات، المصير ذاته الذي ينتظر إيران ووكلاءها الآخرين في العراق ولبنان.
كما أن قرار الاتحاد الأوروبي بتصنيف "الحرس الثوري" الإيراني بـ"الإرهاب" قد جاء ليضيّق الخناق أكثر على "الجماعة" باعتبار أن "الحرس" كان بمثابة "الشقيق الأكبر" الذي تربت في أحضانه، إلى جانب "حزب الله" في لبنان. وكلاهما ("الجماعة" و"الحزب")، لا بد أن يقعا تلقائيا ضمن طائلة هذا التصنيف وكل ما يترتب عليه من إجراءات وعقوبات وملاحقات.
