مفاوضات مسقط بين "النووي فقط"... و"الصفقة الشاملة"

ترمب يستهدف المتعاونين مع طهران بعقوبات... وعراقجي يهدد القواعد الأميركية

رويترز
رويترز
الرئيس الاميركي دونالد ترمب ومضيق هرمز

مفاوضات مسقط بين "النووي فقط"... و"الصفقة الشاملة"

الحديث عن بدء المفاوضات بشكل جيد بين واشنطن وطهران في العاصمة العُمانية مسقط، لم يمنع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من التهديد باستهداف القواعد الأميركية بالمنطقة إذا نفذت واشنطن عملا عسكريا ضد ايران.

فبعد ساعات على انتهاء الجولة الأولى من التفاوض يعود الاختبار للعلاقة المتوترة بين إيران والولايات المتحدة، وسط تحضير عسكري واقتصادي وضغوط متبادلة تضع المنطقة على حافة مواجهة مفتوحة. رغم أن طهران وصفت الجولة بأنها "بداية جيدة"، ورأت واشنطن أنها فرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك.

وبعد جولة توصف بأنها اختبار للحد الأدنى من الثقة، أطلق عراقجي مجموعة مواقف مطالبا برفع التهديدات العسكرية والضغوط الاقتصادية قبل أي تقدم حقيقي، في محاولة لتثبيت إطار تفاوضي ضيق يمنع توسع جدول الأعمال نحو ملفات ترى طهران أنها تمس جوهر منظومة الردع لديها.

إلا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدفع نحو اتفاق شامل لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية ومدى هذه الصواريخ، كذلك دعم طهران للجماعات المسلحة في المنطقة، والسلوك الداخلي لطهران في ملفات حقوق الإنسان والقمع. خطوات واشنطن تأتي ضمن استراتيجية "الضغوط القصوى" التي عززتها بقرار فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، في محاولة لخنق مصادر تمويلها في قطاعات الطاقة والمعادن والبتروكيماويات.

الهدف الأميركي من زيادة الضغوط، وفق تقديرات دبلوماسية، هو تحويل الاتفاق النووي إلى منصة تفاوض أوسع تعيد صياغة توازنات المنطقة، وهو ما ينسجم مع رؤية إسرائيلية تسعى إلى تقليص النفوذ الإيراني عبر تقويض شبكة الحلفاء الإقليميين.

وزارة الخارجية العمانية/ رويترز
وزير الخارجية العماني سعيد بدر البوسعيدي ونظيره الايراني عباس عراقجي في مسقط في السادس من فبراير

في المقابل، تتمسك طهران بـ"خطوطها الحمراء" وهي كما يؤكد المسؤولون الإيرانيون واضحة منذ البداية، وهي أبلغت الوسطاء بأن الطريق مغلق أمام أي حديث عن أي ملف خارج النووي. وأعلن عراقجي، أن "العدول عن التهديدات والضغوط شرط لأي حوار". وقال إن طهران "لا تناقش إلا القضية النووية، ولن تناقش أي قضية أخرى مع واشنطن".

الهدف الأميركي من زيادة الضغوط، وفق تقديرات دبلوماسية، هو تحويل الاتفاق النووي إلى منصة تفاوض أوسع تعيد صياغة توازنات المنطقة

ويشير مصدر إيراني إلى أن طهران تصر على الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، مع استعدادها لمناقشة مستوى ونقاء التخصيب أو ترتيبات بديلة، مثل تشكيل اتحاد إقليمي لإدارة الوقود النووي. أما فكرة وضع المخزون النووي تحت إشراف أميركي مباشر فتظل مرفوضة، رغم الحديث عن احتمال نقل جزء منه إلى روسيا كحل وسط.

ماذا تريد إيران؟


رؤية طهران تتجاوز مجرد اتفاق تقني حول التخصيب، إذ تسعى إلى تحقيق أهداف منها رفع العقوبات الاقتصادية بشكل فوري وفعال، خصوصا العقوبات المصرفية والنفطية. وإبعاد الأصول العسكرية الأميركية عن محيطها الجغرافي لتقليل الضغط العسكري عليها. والحفاظ على شبكة الحلفاء الإقليميين أو "الأذرع" باعتبارها خط الدفاع المتقدم في مواجهة أي هجوم محتمل.
هذه الأهداف تعكس تصورا إيرانيا يقوم على تثبيت نفوذها الإقليمي مقابل تنازلات نووية ترى أنها كبيرة جدا بظل التطور العسكري والتقني الذي تملكه وفق المصدر الإيراني. موقف طهران هذا يجعل الفجوة بين الطرفين كبيرة رغم استمرار الحوار إلى حين، كما يقول مصدر عربي في القدس.
وتشكل أجندة التفاوض العقدة الرئيسة في مسار مسقط، فبينما يرى الأميركيون أن الاتفاق النووي دون معالجة الصواريخ والنفوذ الإقليمي سيكون هشا، يعتقد الإيرانيون أن إدراج هذه الملفات سيحول المفاوضات إلى "محاكمة سياسية" لسلوكهم الإقليمي. وهنا يمكن وصف هذه المفاوضات بالمعركة غير المعلنة، فواشنطن وتل أبيب تسعيان إلى فك الارتباط بين طهران وحلفائها، والأهم بالنسبة للإسرائيليين ملف الصواريخ الباليستية، ولذلك الإصرار على تحديد مواعيد نهائية لكل ملف يبحث في مسقط، فالملف النووي بالنسبة للأميركيين لن يحتاج سوى إلى جلستين، الأولى للبحث وتبادل المطالب والمقترحات، والجلسة الثانية لاتخاذ قرار بها، ما يعني أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد الردود على الملفات التي بحثت في مسقط يوم الجمعة، والموقف منها، وإلا فإن الوضع سيشهد تطورات مختلفة.
وقبل انطلاق التفاوض دعمت دول عدة في المنطقة فكرة حصر المحادثات في اليوم الأول بالملف النووي، خشية أن يؤدي الإدراج السريع لملفي الصواريخ الباليستية ودعم طهران لحلفائها الإقليميين إلى مأزق تفاوضي ينسف فرص التقدم.

يتوقع مصدر في طهران أن لا تصل مفاوضات مسقط إلى نتيجة نهائية، معتبرا أن المشاركة فيها تعكس إدراكا متبادلا بأن الحرب ليست خيارا مفضلا بالوقت الحالي

بالنسبة لواشنطن، لا يزال الملف النووي مصدر قلق، إذ تشير التقديرات إلى امتلاك إيران نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وهي كمية تقترب نظريا من العتبة اللازمة لإنتاج تسعة رؤوس نووية إذا رُفع التخصيب إلى مستويات التسعين في المئة.

إيران وكلاء وأذرع


أمام التغير الحاصل في المنطقة، تدور معركة شبكة الوكلاء، فبينما تحاول واشنطن وتل أبيب فك الارتباط بين طهران وحلفائها، ترى إيران أن هذه الشبكة تمثل خط دفاع متقدما أمام أي هجمات غير متوقعة، رغم خسارتها لدورها. ولكل من هذه "الأذرع" أزماته.
في العراق، يبدو أن القوى السياسية غرقت بالمحاصصة الوزارية والرئاسية، وسبقتها الدعوات لتحييد البلاد عن الصراع بالمنطقة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حين أطلقت حركة "حماس" هجومها، ولكن ظلت عدة فصائل صغيرة تقودها "كتائب حزب الله" تصر على مشاركة طهران في أي حرب مقبلة. أما في لبنان، فيواجه "حزب الله" ضغوطا عسكرية كبيرة، مع تركيز إسرائيلي على استهداف قادة "الحزب" ومواقع عسكرية وبنى تحتية وحتى صراعات داخلية أدت لخروج مسؤولين سياسيين من مواقعهم. ويبقى الحوثيون في اليمن الأهم بالأذرع حتى الآن، الذين أدى تصعيدهم في البحر الأحمر إلى رفع كلفة الشحن العالمي وبعث رسالة بأن أي ضربة لإيران قد تهدد الممرات البحرية الحيوية.

رويترز
حاملة الطائرات الاميركية ابراهام لنكولن في قاعدة سان دييغو في كاليفورنيا في 11 اغسطس

أمام هذه الظروف يتوقع مصدر في طهران أن لا تصل مفاوضات مسقط إلى نتيجة نهائية، معتبرا أن المشاركة فيها تعكس إدراكا متبادلا بأن الحرب ليست خيارا مفضلا بالوقت الحالي لا لطهران ولا لواشنطن. ويعتبر أن ما يجري هو مزيج من الحوار والضغط، مع توقعه تصعيدا اقتصاديا أميركيا بهدف التأثير في الداخل الإيراني.

الأيام المقبلة قد تشهد اتفاقا مؤقتا يشمل تجميد التخصيب المرتفع مقابل تخفيف محدود للعقوبات

ويلفت المصدر الإيراني إلى أن استمرار الضغط "يدفع طهران إلى توجيه إنذار، وربما التفكير بضربة استباقية ضد المصالح الأميركية في المنطقة، باعتبارها أهدافا أسهل من إسرائيل وأكثر قابلية للتوقع في ردود الفعل".
رغم التفاوض جهزت طهران قواتها للرد على أي هجمات من الممكن حصولها، وتستند هذه التحضيرات إلى إمكانية فشل التفاوض والتصعيد عبر عقوبات جديدة وربما ضربات عسكرية محدودة، معلنة عن نشر ما سمته أحد أكثر الصواريخ الباليستية بعيدة المدى تطورا في البلاد، وهو "خرمشهر-4"، ورفعت القوات المسلحة جاهزيتها إلى أعلى مستوى، ولا سيما جوا وعلى الحدود البرية والبحرية.

اتفاق مؤقت أم ضربة؟


الأيام المقبلة قد تشهد اتفاقا مؤقتا يشمل تجميد التخصيب المرتفع مقابل تخفيف محدود للعقوبات، أما بالنسبة للصفقة الشاملة التي تتمناها دول مؤثرة إقليميا فإنه سيناريو يبدو بعيدا في الوقت الحالي. وفي المحصلة، تبدو محادثات مسقط أقرب إلى مفاوضات "الفرصة الأخيرة"، فبينما يعلن المسؤولون بدء الحوار بإيجابية حذرة، تستمر لغة القوة في الخلفية: بوارج أميركية في البحر، وصواريخ إيرانية تُعرض كرسائل ردع. وتبقى الأسئلة الكبرى معلقة: ترمب الذي حذر من أن "أمورا سيئة" ربما تحدث في حال عدم التوصل إلى اتفاق، هل يكتفي بانتصار محدود بالنووي فقط؟ أم يدفع نحو صفقة شاملة تصطدم بخطوط إيران الحمراء؟ وبين هذين الخيارين، تبدو المنطقة كلها وكأنها تتحرك بين احتمال الاحتواء وفرصة الانفجار.

font change

مقالات ذات صلة