المفاوضات الإيرانية - الأميركية... ماذا عن "تغيير الشرق الأوسط"؟

هل ينقلب ترمب على نتنياهو؟

أكسيل رانجل غارسيا
أكسيل رانجل غارسيا

المفاوضات الإيرانية - الأميركية... ماذا عن "تغيير الشرق الأوسط"؟

هل كان تزامن انعقاد المفاوضات الروسية-الأوكرانية، والأميركية-الإيرانية في جنيف الثلاثاء محض صدفة؟ أم كان مقصودا من جانب الولايات المتحدة، الطرف الذي يشارك في المفاوضتين، وسيطا بين موسكو وكييف، ومفاوضا لإيران بوساطة عمانية؟ ربما سبب هذا التزامن كان وجود ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير المشاركين في المفاوضتين في جنيف، وبالتالي فانعقاد جلستي التفاوض في المدينة نفسها يوفر عليهما التنقل وقد يسهم في تسريع مهمتهما، خصوصا أن الرئيس دونالد ترمب يبدو مستعجلا لتسوية الملفين، وبالأخص ملف الحرب الروسية-الأوكرانية، إذ يحضّ كييف على التوصل إلى اتفاق بسرعة، وهو ما أثار حفيظة الرئيس فولوديمير زيلينسكي الذي قال إنه لا مبرر لضغوط ترمب عليه.

كذلك فإن البحث عن رابط مشترك بين الملفين يقود إلى التعاون العسكري الروسي الإيراني، والذي سيشهد محطة جديدة الخميس من خلال المناورات المشتركة بين البلدين في بحر عمان والمحيط الهندي، لكن الأهم يبقى تزويد طهران موسكو بالطائرات المسيرة والتي تمطر بها المدن الأوكرانية. لكن هذا السبب مستبعد بعض الشيء إذ لا يبدو أن إيران مستعدة لمناقشة أي ملف غير الملف النووي. لكن أيا يكن من أمر فإن هذا التزامن في انعقاد جولتي المفاوضات تلك، وفي المدينة نفسها، يضعنا أمام الحدثين الأبرز حول العالم الآن، واللذين تنخرط فيهما الولايات المتحدة بكل طاقاتها.

وهذا يحيلنا إلى المنطقة من حيث تقدم ملف المفاوضات الإيرانية- الأميركية على ما عداه من ملفات ونزاعات وصراعات في الإقليم، لكن السؤال الذي يطرح هنا هو عن تأثير تلك المفاوضات في مسارات هذه النزاعات والصراعات، أو عن تأثير تلك النزاعات والصراعات وبالأخص الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ومتفرعاتها الإقليمية، في مسار تلك المفاوضات. والسؤال الأهم هو عما إذا كان يمكن التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران بمعزل عن نتائج تلك الحرب التي استمرت لأكثر من سنتين، وخلقت وقائع جيوسياسية جديدة، أسفرت عن تراجع موقع إيران الاستراتيجي. ولذلك فإن السؤال الرئيس المطروح في سياق المفاوضات بين واشنطن وطهران هو ما إذا كانت النتائج المرتقبة لهذه المفاوضات ستعكس هذا التراجع في الموقع الاستراتيجي لإيران، بعد إضعاف "حزب الله" و"حماس" وسقوط النظام السوري، والاستهداف الأميركي-الإسرائيلي للعمق الإيراني، ناهيك بالشرخ الداخلي غير المسبوق في إيران، أم إنها يمكن أن تعوض طهران هذا التراجع بالنظر إلى رغبة دونالد ترمب بالتوصل إلى اتفاق معها.

الحشد العسكري الأميركي المتواصل لا يحاكي المحاذير الإقليمية وحسب بل يمسّ صلب الحساسيات الأميركية الداخلية، وحتى داخل حركة "ماغا" المؤيدة للرئيس ترمب

اتفاق بأي ثمن؟

بصيغة أخرى، هل يريد الرئيس الأميركي اتفاقا مع إيران بأي ثمن، فيقفز فوق كل نتائج الحرب الإقليمية وفوق كل الخطوط الحمراء الإسرائيلية وبالأخص تلك المتصلة بالبرنامج الصاروخي الإيراني وبملف الميليشيات الإقليمية المدعومة من طهران؟ أي هل تكون أولويته هي التوصل إلى اتفاق مع إيران حتى لو لم يعكس مضمونه التراجع في موقع إيران الاستراتيجي، ويعيد تعويم النظام الإيراني داخليا وخارجيا؟

وإذا كان من الصعب التنبؤ بما يريده رئيس مثل ترمب، فإن المعطيات المحيطة بالملف النووي الإيراني، لا تشي بأن الرئيس الأميركي يستطيع القبول بأي اتفاق، لكن هذا لا يعني أن إدارة الملف الإيراني سهلة عليه، وربما هي أصعب عليه من إدارة ملف الحرب الروسية-الأوكرانية وانتظاراتها الطويلة، ولا شك أن الفارق الرئيس بين الملفين بالنسبة للرئيس وللأميركيين عموما هو أن الولايات المتحدة لا تنخرط مباشرة في الحرب الروسية-الأوكرانية عبر حشد قوات وأصول عسكرية كما يحصل في منطقة الشرق الأوسط منذ انطلاق الاحتجاجات ضد نظام الحكم في طهران يوم 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

رويترز
وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جاريد كوشنر، قبيل المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في جنيف، سويسرا، في 17 فبراير 2026

فهذا الحشد العسكري الأميركي المتواصل لا يحاكي المحاذير الإقليمية وحسب بل يمسّ صلب الحساسيات الأميركية الداخلية، وحتى داخل حركة "ماغا" المؤيدة للرئيس ترمب، على اعتبار أن عقدها الأساسي مع الرئيس الجمهوري قائم على عدم تورط الولايات المتحدة في حروب خارجية. وهو ما بات ينسحب على الموقف من الدعم الأميركي لإسرائيل، إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "يوغوف" البريطانية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أن 51 في المئة من الناخبين الجمهوريين دون سن 45 عاما يفضلون دعم مرشح في الانتخابات التمهيدية الرئاسية لعام 2028 يدعو إلى خفض عمليات نقل الأسلحة الممولة من دافعي الضرائب إلى إسرائيل، بينما فضّل 27 في المئة فقط مرشحا يدعو إلى زيادة أو الحفاظ على إمدادات الأسلحة لإسرائيل. وهذا يعكس الفهم الرئيس لدى شريحة واسعة من مؤيدي ترمب لشعارات مثل "أميركا أولا"، أو "جعل أميركا عظيمة مجددا"، على اعتبار أن هذا الفهم لا يأخذ في الحسبان أن نطاق هذين الشعارين ليس داخل الولايات المتحدة وحسب بل وخارجها أيضا. لكن في المقابل فإن استطلاعين آخرين للرأي أظهرا أن 59 في المئة من الأميركيين كانوا موافقين على الضربة الأميركية للمنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران الماضي. وبالتالي فإن العامل الأميركي الداخلي المؤثر في أي قرار لترمب بشأن إيران ليس في اتجاه واحد، ولاسيما أن نسبة تأييده من عدمه في أي ضربة عسكرية محتملة عائدة إلى نجاح هذه الضربة في تحقيق أهدافها، خصوصا أن ترمب يمكنه المحاججة أمام جمهوره بأنه أعطى فرصة للدبلوماسية ولكنها لم تسفر عن نتيجة إيجابية بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة.

يشمل الحشد العسكري الأميركي حالياً حاملتي طائرات، و12 سفينة حربية، ومئات الطائرات المقاتلة، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متعددة، فيما نُفذت أكثر من 150 رحلة شحن عسكرية لنقل أسلحة وذخائر إلى الشرق الأوسط

تقدم في جولة جنيف؟

في هذا السياق تحديدا يمكن فهم مجريات الجولة الثانية من المفاوضات المستأنفة بين واشنطن وطهران والتي انعقدت في جنيف الثلاثاء. فعلى الرغم من نفحة التفاؤل التي بثتها تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن "التوصل إلى تفاهم بشأن المبادئ الرئيسة مع الولايات المتحدة... وهناك تطورات إيجابية مقارنة بالجولة الماضية"، فإن الملف يبدو معقدا أكثر من أي وقت مضى، ولاسيما أنه من الصعب تصور أن دونالد ترمب يستطيع الذهاب إلى اتفاق مع إيران يضمن مكاسب استراتيجية لها على حساب إسرائيل، وإلا يكون بصدد تنفيذ انقلاب في استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وهو ما لا يظهر أي مؤشر عليه حتى الآن.

حتى إن كلام ثلاثة مسؤولين إيرانيين لـ"نيويورك تايمز" عن أن طهران تبدي استعدادها لتعليق التخصيب خلال ولاية ترمب ولمنح واشنطن فرصا استثمارية مقابل رفع العقوبات والحظر النفطي، لا يبدو متناسبا مع اللحظة الراهنة، والتي تتلخص فيما يخص الملف الإيراني بأمرين: من ناحية يعيش نظام الحكم في طهران أصعب لحظات تراجعه الاستراتيجي داخليا وخارجيا، ومن ناحية أخرى فإن إسرائيل تسعى وبدعم من الولايات المتحدة إلى تعزيز تقدم موقعها الاستراتيجي في المنطقة. وبالتالي فإنّ أي اتفاق أميركي مع إيران، يفترض أن لا يقلب هذه المعادلة، وإلا يكون قد حقق مصلحة إيرانية صافية في مقابل تحقيق مكاسب أقل للولايات المتحدة، وتكبيد خسارة لحليفتها الرئيسة إسرائيل.

ولذلك فإن كلام عراقجي عن أن "التطورات الإيجابية لا تعني أننا سنتوصل قريبا إلى اتفاق مع واشنطن، لكن المسار قد بدأ"، وتصريح نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، عن أن المفاوضات سارت بشكل جيد ولكن الإيرانيين غير مستعدين للاعتراف بالخطوط الحمراء التي حددها ترمب، يعكسان التعقيدات المحيطة بتلك المفاوضات، ولاسيما أنها انعقدت على وقع مواصلة التصعيد العسكري بين الطرفين، سواء بإعلان إيران عن بدء مناورات، الاثنين، بإشراف "الحرس الثوري" في مضيق هرمز الاستراتيجي، أو بوصول 50 طائرة مقاتلة أميركية إضافية من طراز "إف-35" و"إف-22" و"إف-16" إلى المنطقة، خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، في وقت يشمل الحشد العسكري الأميركي حالياً حاملتي طائرات، ونحو اثنتي عشرة سفينة حربية، ومئات الطائرات المقاتلة، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متعددة، فيما نُفذت أكثر من 150 رحلة شحن عسكرية لنقل أسلحة وذخائر إلى الشرق الأوسط. ولكن هذا الحشد على ضخامته لم يصل بعد إلى حجم الحشد العسكري الأميركي عشية إسقاط نظام صدام حسين في سنة 2003، إذ بلغ حينها ست مجموعات ضرب بينما يتشكل الآن من مجموعتي ضرب وحسب. وهذا وفق بعض الأصوات الإسرائيلية دليل على أن ترمب ليس بصدد إسقاط النظام في إيران، ولو كان قد قال إنه أفضل شيء سيحصل لو حدث.

إسرائيل لا يمكنها، في اللحظة الراهنة، الادعاء بأنها في موقع استراتيجي مريح، على الرغم من كل الضربات التي وجهتها لخصومها خلال السنوات الثلاث الماضية

لكن موقع "أكسيوس" الأميركي نقل عن مصادر مطلعة، الأربعاء، أن إدارة ترمب باتت أقرب إلى اندلاع "حرب كبرى" مع إيران، مرجحا حدوثها قريبا إذا فشلت الجهود الدبلوماسية الجارية. كما رجّح أن تتحوّل العملية العسكرية ضد إيران إلى حملة واسعة تستمر أسابيع، أقرب إلى حرب شاملة منها إلى عمليات محدودة. وأشار إلى أنها قد تكون حملة مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في نطاق أوسع وتأثير أكبر من حرب الـ12 يوماً في يونيو/حزيران الماضي.

وهو ما يحيلنا مرة جديدة إلى السؤال عمّا إذا كان المسار التفاوضي مجرد مناورة زمنية من جانب كل من الولايات المتحدة وإسرائيل لكسب المزيد من الوقت للتحضير للحرب، أو أن ترمب مستعد فعلا للذهاب لاتفاق مع إيران لا يأخذ بالمطالب الإسرائيلية سواء بالنسبة للبرنامج النووي إذ يطالب بنيامين نتنياهو بتفكيك البنية التحتية النووية، وليس الاكتفاء بوقف التخصيب، أو بالنسبة لمخزون إيران من الصواريخ الباليستية والتي تريد تل أبيب أن يقتصر على صواريخ لا يتجاوز مداها 300 كيلومتر، وهي تستحضر في معرض الترويج لمطالبها نموذجي العراق عام 1991 وليبيا عام 2003 في ما يخص التعامل الدولي مع برنامجيهما الصاروخي، وهذا فضلا عن ملف الميليشيات الموالية لإيران والتي تطالب إسرائيل بتقييد دعمها. في المقابل فإن طهران ترفض توسيع برنامج المفاوضات بحيث يشمل ملفي الصواريخ والميليشيات كما أنها ترفض تفكيك برنامجها النووي.

رويترز
وزير الخارجية السويسري والمستشار الاتحادي إغنازيو كاسيس ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اجتماع ثنائي بين سويسرا وإيران، في جنيف، سويسرا، 17 فبراير 2026

ذلك كله يضع دونالد ترمب أمام معادلة صعبة، فمن ناحية هو يرغب في التوصل إلى اتفاق مع إيران يجنبه الحملة العسكرية ضدها في ظل تحفظات حلفائه الإقليميين عليها وبالنظر إلى كلفتها ومخاطرها المحتملة، ومن جانب آخر هو لا يستطيع الذهاب إلى اتفاق مع طهران يشكك في التفوق الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة بعد خوضها أطول حروبها الإقليمية على مدى أكثر من عامين. في الوقت نفسه يقدّر مسؤولون أمنيون إسرائيليون أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعمل على تطويق إسرائيل دبلوماسيا، من خلال "توحيد العالم السنّي وإنشاء منظومة إقليمية جديدة، تشمل أيضاً خصوما عربا سابقين، مثل مصر (...) ويتمثل هدف أنقرة في استبدال الجدار الناري الإيراني بجدار دبلوماسي سنّي موحّد يحيط بإسرائيل، وهو ما يقلّص حرية مناورتها، ويعزلها سياسيا". بالتالي فإنّ إسرائيل لا يمكنها، في اللحظة الراهنة، الادعاء بأنها في موقع استراتيجي مريح، على الرغم من كل الضربات التي وجهتها لخصومها خلال السنوات الثلاث الماضية، وهذا يمس أيضا بالمصالح والموقع الاستراتيجي لحليفتها الرئيسة الولايات المتحدة، أو بأقل تقدير فهو يضع واشنطن أمام مهمة صعبة بل وشاقة جدا للموازنة بين مصالح إسرائيل وسائر حلفائها في المنطقة، إلا أن الأصعب على التصور والفهم هو أن يقدم ترمب على تعويم إيران من خلال اتفاق معها ينسف، في توقيته ومضمونه، ومرة واحدة ونهائية كل تصريحات نتنياهو خلال السنتين الماضيتين عن "تغيير الشرق الأوسط"، وبتمويل أميركي هائل!

font change

مقالات ذات صلة