هل كان تزامن انعقاد المفاوضات الروسية-الأوكرانية، والأميركية-الإيرانية في جنيف الثلاثاء محض صدفة؟ أم كان مقصودا من جانب الولايات المتحدة، الطرف الذي يشارك في المفاوضتين، وسيطا بين موسكو وكييف، ومفاوضا لإيران بوساطة عمانية؟ ربما سبب هذا التزامن كان وجود ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير المشاركين في المفاوضتين في جنيف، وبالتالي فانعقاد جلستي التفاوض في المدينة نفسها يوفر عليهما التنقل وقد يسهم في تسريع مهمتهما، خصوصا أن الرئيس دونالد ترمب يبدو مستعجلا لتسوية الملفين، وبالأخص ملف الحرب الروسية-الأوكرانية، إذ يحضّ كييف على التوصل إلى اتفاق بسرعة، وهو ما أثار حفيظة الرئيس فولوديمير زيلينسكي الذي قال إنه لا مبرر لضغوط ترمب عليه.
كذلك فإن البحث عن رابط مشترك بين الملفين يقود إلى التعاون العسكري الروسي الإيراني، والذي سيشهد محطة جديدة الخميس من خلال المناورات المشتركة بين البلدين في بحر عمان والمحيط الهندي، لكن الأهم يبقى تزويد طهران موسكو بالطائرات المسيرة والتي تمطر بها المدن الأوكرانية. لكن هذا السبب مستبعد بعض الشيء إذ لا يبدو أن إيران مستعدة لمناقشة أي ملف غير الملف النووي. لكن أيا يكن من أمر فإن هذا التزامن في انعقاد جولتي المفاوضات تلك، وفي المدينة نفسها، يضعنا أمام الحدثين الأبرز حول العالم الآن، واللذين تنخرط فيهما الولايات المتحدة بكل طاقاتها.
وهذا يحيلنا إلى المنطقة من حيث تقدم ملف المفاوضات الإيرانية- الأميركية على ما عداه من ملفات ونزاعات وصراعات في الإقليم، لكن السؤال الذي يطرح هنا هو عن تأثير تلك المفاوضات في مسارات هذه النزاعات والصراعات، أو عن تأثير تلك النزاعات والصراعات وبالأخص الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ومتفرعاتها الإقليمية، في مسار تلك المفاوضات. والسؤال الأهم هو عما إذا كان يمكن التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران بمعزل عن نتائج تلك الحرب التي استمرت لأكثر من سنتين، وخلقت وقائع جيوسياسية جديدة، أسفرت عن تراجع موقع إيران الاستراتيجي. ولذلك فإن السؤال الرئيس المطروح في سياق المفاوضات بين واشنطن وطهران هو ما إذا كانت النتائج المرتقبة لهذه المفاوضات ستعكس هذا التراجع في الموقع الاستراتيجي لإيران، بعد إضعاف "حزب الله" و"حماس" وسقوط النظام السوري، والاستهداف الأميركي-الإسرائيلي للعمق الإيراني، ناهيك بالشرخ الداخلي غير المسبوق في إيران، أم إنها يمكن أن تعوض طهران هذا التراجع بالنظر إلى رغبة دونالد ترمب بالتوصل إلى اتفاق معها.

