عشرات الأعمال المهمة... أدب أفريقيا المعاصر الذي ما زلنا نجهله

الكتابة بالفرنسية تمنح "الشرعية" وليس بالضرورة الانتشار

عشرات الأعمال المهمة... أدب أفريقيا المعاصر الذي ما زلنا نجهله

في مكتبة واسعة في أي من البلاد العربية، تمتد رفوف الأدب المترجم وفق ترتيب مريح للعين: الأدب الأميركي، من ثم الإسباني، يليه الفرنسي فالإيطالي والألماني والكوري والياباني... وأحيانا ركن صغير لأعمال أدبية من ثقافات مختلفة (السويد، بولندا، فيتنام...). وفي نهاية الممر يقف رف متواضع يحمل لافتة واحدة: "الأدب الأفريقي".

على هذا الرف تستقر عناوين قليلة، ستة أو سبعة في الغالب لمؤلفين أو ثلاثة، أي الوجوه نفسها التي تتكرر، كأن قارة كاملة بمختلف لغاتها وثقافاتها تنكمش في هذه المجموعة الضيقة.

يترك هذا المشهد انطباعا بأن الأدب الفرنكوفوني المكتوب في أفريقيا جنوب الصحراء محشور في الهامش (إذا أردنا فصله عن الأدب المكتوب بالإنكليزية في أفريقيا)، بينما يمتد حضوره في الواقع بعيدا lن هذا الحيز المحدود: الكتب تتدفق، والأصوات تتكاثر والأساليب تتحاور، وتبدو الخريطة التي تنظم هذا العالم الأدبي مليئة بالفراغات والمناطق التي تنتظر من يكتشفها.

تحت لافتة "الأدب الفرنكوفوني في أفريقيا جنوب الصحراء"، ترتب الأعمال المكتوبة بالفرنسية لكتاب يقيمون في القارة السمراء أو ينتمون إلى مجتمعات المهاجرين والشتات. تمنح هذه التسمية الإدارية صورة مبسطة عن حيوية هذا الحقل الأدبي المتشعب. في هذا الفضاء تظهر الفرنسية كمفترق طرق حيوي تلتقي عنده اللغات المحلية، والتقاليد الشفوية، والتجارب الثنائية والمتعددة اللغات، والكتابات الرقمية وشبكات القراءة النشيطة. تتحاور الفرنسية مع الفولانية والولوفية والكينيارواندية واللينغالا والنوشي وغيرها، تستقبل منها مفردات وإيقاعات وتعود فتؤثر فيها، ويولد من هذا التبادل نسيج لغوي واحد تتجاور فيه الأصوات وتتشابك.

عندما ننظر إلى هذا الأدب بوصفه مختبرا لعالم معولم ونقترب من كواليس الاعتراف به، يتجلى سريعا موقعه الإستراتيجي في خريطة الأدب العالمي

في هذا السياق تغدو مسألة الاعتراف الدولي محورا أساسا، فالأدب الفرنكوفوني في أفريقيا جنوب الصحراء يقدم عدسة حادة لرؤية العالم المعاصر: الهجرة، تمدد المدن، اختلالات العدالة الاجتماعية، العنف السياسي، التحولات الثقافية، إلى جانب الهزل والخيال وأشكال المقاومة في تفاصيل الحياة اليومية. وفي الوقت نفسه يتعامل هذا الأدب مع منظومات منح الشرعية والاعتراف، التي تتحرك في فضاءات بعيدة عن الأمكنة التي خرجت منها النصوص. وعندما ننظر إليه بوصفه مختبرا لعالم معولم ونقترب من كواليس الاعتراف به، يتجلى سريعا موقعه الإستراتيجي في خريطة الأدب العالمي.

حيوات على الطريق ومدن تتكلم

غالبا ما تطل هذه الكتابات في صورة نصوص "قادمة من مكان آخر"، كأنها أدب سفر وتغريب. غير أن مساراتها تكشف من الداخل عن منطق تنقل شديد الالتصاق بتجارب القرن الحادي والعشرين، حيث تتبدل الحدود أسرع مما تتبدل الذاكرة، وتغدو الهجرة جزءا من الاقتصاد اليومي للخيال. في رواية "بطن الأطلسي" (Le Ventre de l'Atlantique – 2003) للسنغالية فاتو ديوم (1968 - ...) يتخذ عبور الأطلسي شكلا مزدوجا: عبور أجساد محتملة، وعبور أحلام تصنعها كرة القدم والإعلانات والرسائل، فتغدو القرية والجزيرة والمدينة الأوروبية عقدا في الشبكة نفسها.

غلاف رواية "بطن الأطلسي"

في المقابل تتحرك الشخصيات بين عواصم وبلدات وأحياء لا ترى عادة في خرائط المركز، فبين برازافيل وباريس ولوس أنجليس في أعمال الكونغولي آلان مابانكو (1966 - ...)، وبين دوالا وضواحي المدن الفرنسية عند الكاميرونية ليونورا ميانو (1973 - ...)، وبين بوجومبورا وفضاءاتها القريبة في "بلد صغير" (Petit pays – 2016) للرواندي غايل فاي (1982 - ...)، يتشكل الفضاء السردي من شبكة مدن متباعدة تصلها الممرات الجوية والطرق البرية ومسارات العمل واللجوء، وتتقاطع داخلها روابط عاطفية وتخيلية ترسم خرائط شعورية موازية للخرائط الجغرافية.

غلاف رواية "بلد صغير"

خلف الصورة النمطية لـ"الكاتب المنفي" تمتد تجربة أكثر تعقيدا للحركة، حركة داخل المكان قبل أن تكون خارجه، فالعبور لا يعني تغيير الجواز فقط، بل يعني كذلك تغير الوضع الإداري والدور الاجتماعي واللغة اليومية وموقع المرء داخل العائلة. في رواية ميانو، "ملامح الأيام القادمة" (Contours du jour qui vient – 2006) تعبر الفتاة موسانغو بلدا أفريقيا متخيلا تمزقه موجات العنف، فتظهر الرواية حدودا داخلية ترسمها الطبقة والنوع الاجتماعي والانتماء. وفي "بلد صغير" يتقدم العنف السياسي تدريجيا على هيئة تشققات في حياة طفولية تبدو عادية أول الأمر، قبل أن تتحول المدينة نفسها إلى ذاكرة مهددة.

غلاف رواية "ملامح الأيام القادمة"

لهذا تظهر المدن في هذه الأعمال بوصفها بطلات حقيقيات للسرد: لاغوس وأبيدجان ودوالا وداكار تلتحق بنيويورك وبوينس آيريس وطوكيو في عائلة "المدن الروائية الكبرى". في رواية "إضراب الباتو" (La Grève des bàttu – 1979) للسنغالية أميناتا سو فال (1941 - ...) تصبح داكار مختبرا ساخرا لإدارة الهامش، حيث يفضح تنظيم المدينة ونظافتها المعلنة آليات الإقصاء. وفي "كأس مكسورة" (Verre Cassé – 2005) لمابانكو تدور الأحداث داخل حانة صغيرة في برازافيل، لكن المكان المحدود يتسع للحي بأكمله، لتاريخ استعماري وما بعد استعماري، ولمزيج من الكوميديا اليومية والدراما السياسية.

غلاف رواية "كأس مكسورة"

ومع انتقال السرد إلى القرن الحالي، تتخذ المدينة شكلا أشد عالمية وأشد قسوة في آن. في "ترام 83" (Tram 83 – 2014) للكونغولي فيستون موانزا موجيلا (1981 - ...) تتحول المدينة إلى عقدة اقتصادية صاخبة (منجم وميناء وسوق ومسرح) تلتهم الأجساد وتعيد تدويرها في إيقاع لغوي محموم. وفي "حواء من رمادها" (Ève de ses décombres – 2006) للموريشيوسية أناندا ديفي (1957 - ...) تتكثف الحياة في أحد أحياء بورت لويس، حيث يكتب الهامش ذاته ببلاغة جارحة ويظهر كيف تصنع الضاحية قوانينها ولغتها وعنفها.

غلاف رواية "حواء من رمادها"

في هذا الفضاء الحضري المتحول، تتقولب الفرنسية كلغة مرنة قابلة للتشكيل، وكثير من الكتاب يتعاملون معها كمعمل حي: يقوضون بنيتها ويزلزلون أعمدتها التقليدية، ويفتحون أبوابها أمام مفردات وإيقاعات جديدة. هكذا تمتزج الفرنسية بتعابير من لغات محلية ولهجات حضرية هجينة، وتستقبل أثر الكلام الشفهي والنكات والأمثال والأغاني، فتبدو هذه "الفرنسية المتحولة" جزءا من المعنى لا زينة له، كما لو أن اللغة تعيد تعريف نفسها كلما تغير المكان.

خلف الصورة النمطية لـ"الكاتب المنفي" تمتد تجربة أكثر تعقيدا للحركة، حركة داخل المكان قبل أن تكون خارجه

ولعل رواية "مذكرات نيص" (Mémoires de porc-épic – 2006) لمابانكو تظل مثالا بارزا على طاقة الابتكار في هذا الأدب: السرد هنا يتولاه حيوان النيص، رفيق قاتل ووجهه المظلم. تعيد الرواية بناء الحكاية الأفريقية، وحكاية الحيوان، ورواية الاعتراف في نفس واحد، وتعتمد لغة طويلة الإيقاع قريبة من الشفاهي، تستخدم التكرار بوصفه عنصرا إيقاعيا بنائيا، وتتحرك بسلاسة بين الكوميديا والقلق الوجودي. في هذا النص تصنع اللغة عالمها الخاص، وتفتح أمام القارئ تجربة تخييلية تتجاوز حدود الوصف المباشر لواقع خارجي.

غلاف رواية "مذكرات نيص"

وهذا الاشتغال على اللغة والأشكال يفتح طبقات من المعنى: حين ينتقل النص فجأة من فرنسية فصيحة إلى لسان الحي الشعبي، أو يستبقي أثر لغته الأم داخل المتن، يعلن في اللحظة نفسها شرعية هذه التعددية في الفضاء الأدبي، وتعدد هويات الشخصيات وخلفياتها، والحضور المركزي للشفهي في ثقافات كثيرة داخل القارة. بهذا يتقدم النص نحو القارئ من بوابة المتعة أولا، متعة الحكاية والضحك والتشويق، ومن خلال هذه المتعة يلمس القارئ كيف تنعش هذه الأعمال الفرنسية وتطلق طاقتها التعبيرية بدل أن تكتفي بتكرار نموذج مدرسي صارم.

تتشابك مع هذا كله ثيمات غنية ومتعددة: تحضر الحروب والأنظمة الاستبدادية والإبادات الجماعية والعنف الاقتصادي في أعمال عديدة، كما في "نوتردام النيل" (Notre-Dame du Nil – 2012) للرواندية سكولاستيك موكاسونغا (1956 - ...) التي ترصد توترات إثنية تتصاعد داخل مدرسة داخلية، وكما في "مورامبي، كتاب العظام" (Murambi, le livre des ossements – 2000) للسنغالي بوبكر بوريس ديوب (1946 - ...) حيث تتحول الذاكرة إلى تحقيق سردي في كارثة رواندا. وإلى جانب هذه الموضوعات الثقيلة، تنفتح النصوص على كل ما هو يومي معيش (الصداقات والرغبات، المنافسات والطموحات)، فتقدم بورتريهات دقيقة للحياة تمنح التعقيد موقع الصدارة وتدفع الصورة النمطية إلى الهامش.

غلاف رواية "نوتردام النيل"

كذلك يحتل الهزل موقعا أساسيا في هذه الكتابات فيطل أحيانا في هيئة سخرية سوداء أو تهكم حاد أو عبث مرح أو حتى رقة تومئ إلى ابتسامة خفيفة: في "إضراب الباتو" يتخذ الضحك شكلا سياسيا يعري المدينة وهي تمارس إقصاءها بأدوات ناعمة، وفي "الحياة ونصف" (La Vie et demie – 1979) للكونغولي سوني لابو تانسي (1947 - 1995) يتحول الخيال الديستوبي إلى كوميديا غرائبية تفضح الاستبداد بمنطق المفارقة. أما في "مذكرات نيص" فاعتراف الحيوان يدفع القارئ إلى الضحك، ويوقظ في داخله في الوقت نفسه قلقا وتعاطفا، فيتشكل من هذا الامتزاج تصور لأفريقيا يتجاوز ثنائية "مأساة لا تنتهي" و"فقر أزلي".

في هذا المعنى يمضي الأدب الفرنكفوني في أفريقيا جنوب الصحراء بوصفه أكثر من حكاية عن أفريقيا، فهو يرصد عن قرب العولمة والهجرة وتعدد الهويات وتحولات المدن واحتكاك الإرث بالمستجدات، ويشارك بأدواته الجمالية والفكرية في النقاشات الأدبية والسياسية الكبرى في زمننا. وتبدو رواية "في الولايات المتحدة الأفريقية" (Aux États-Unis d'Afrique – 2006) للصومالي عبد الرحمن الوابري (1965 - ...) مثالا مكثفا على ذلك، إذ تقلب خريطة العالم لتكشف آليات المركز والهامش من خلال خيال مضاد. وحين يحتل هذا الأدب موقعا مركزيا في الحوار الدولي، يتكرس الاعتراف بدوره في معالجة القضايا نفسها التي تشغل آداب العالم بأساليب تنبع من خبراته وسياقاته هو.

من يوقع صك الاعتراف الأدبي؟

أمام هذه الحيوية تتقدم أسئلة الاعتراف الدولي بهذه الأعمال: كيف تعبر من فضائها المحلي والفرنكوفوني إلى مجال أوسع؟ وكيف تقرأ خارج سياقاتها الأولى دون أن تختزل فيها؟ تتجلى جودة النصوص كشرط أساس، وإلى جانبها تعمل عناصر أخرى تمنحها حضورا أوسع. تمر الكتب عبر مسارات ملموسة: دور نشر، شبكات توزيع، جوائز أدبية، ترجمات، مهرجانات ووسائل إعلام، وتسهم كل حلقة من هذه السلسلة في تحديد الموقع الذي يحتله الكتاب على خريطة الأدب العالمي.

تحضر الحروب والأنظمة الاستبدادية والإبادات الجماعية والعنف الاقتصادي في أعمال عديدة كما تنفتح النصوص على كل ما هو يومي ومعيش

غير أن المفارقة تبدأ أحيانا من المفردات نفسها، إذ تكشف اللغة النقدية شكلا من أشكال الاختلال: تتقدم عبارة "الأدب الفرنسي" بوصفها مركزا مرجعيا، بينما تظهر عبارة "الأدب الفرنكوفوني" كدائرة تدور حول هذا المركز. يسهل هذا التمييز التقني عمل التوثيق والتصنيف، لكنه يقود في الوقت نفسه إلى وضع الكتاب الأفارقة في خانة جانبية، يجمعهم تحت لافتة واحدة واسعة وينشئ بينهم وبين فكرة "الأدب" مسافة خفية في الوعي النقدي والقرائي من دون إضافات.

JOEL SAGET / AFP
الكاتب الفرنسي-الكونغولي ألان مابانكو خلال مهرجان "المراسلات الأدبية" في مانوسك بفرنسا، 28 سبتمبر 2025

رغم ذلك يحصد عدد من الكتاب والكاتبات المنتمين إلى هذا الفضاء جوائز مرموقة على الساحة الأدبية، فيختبر التصنيف نفسه لحظة اهتزاز: نال آلان مابانكو جائزة "رينودو" عن "مذكرات نيص"، وحصلت ليونورا ميانو على جائزة "غونكور" لطلاب الثانويات عن "ملامح الأيام القادمة"، ثم جائزة "فيمينا" عن "موسم الظلال" (La saison de l'ombre – 2013)، وكذلك فازت سكولاستيك موكاسونغا بجائزة "رونودو" عن "نوتردام النيل". هذه الجوائز لا تمنح انتشارا فحسب، بل تكشف الدور المحوري الذي تؤديه دور النشر الكبرى ولجان التحكيم والإعلام الثقافي الأوروبي في صوغ مفهوم "القيمة الأدبية" وتوزيع الضوء.

Thomas SAMSON / AFP
الكاتبة الكاميرونية ليونورا ميانو في باريس بعد فوزها بجائزة "فيمينا الأدبية" عن رواية "موسم الظل"، 6 نوفمبر 2013

تبلغ هذه الدينامية ذروتها حين يدخل بعض الكتاب إلى قلب المؤسسة الرمزية للفرنسية نفسها، كما حدث مع محمد مبوغار سار بفوزه بجائزة "غونكور" عام 2021 عن "ذاكرة البشر الأكثر سرية" (La plus secrète mémoire des hommes – 2021). غير أن هذا الاعتراف، بقدر ما يوسع دائرة التلقي ويمنح النص حياة جديدة، فإنه يذكر أيضا بطبيعة المعادلة التي تتحكم في توزيع الشرعية: المركز قادر على احتضان صوت قادم من الأطراف، لكنه قادر في الوقت نفسه على إعادة تقديمه بوصفه "حدثا" يؤكد انفتاحه. لذلك لا ينبغي قراءة هذا الفوز كعلامة على انتقال بسيط من الهامش إلى القلب، بل كإشارة إلى مفارقة أعمق، مفارقة يمكن فيها للضوء أن ينير النص ويغطي، في الآن ذاته، استمرار الحاجة إلى بوابات مؤسسية تمنح الاعتراف وتضبط شروطه.

تتضح صورة أخرى للاعتراف عندما ينتقل من لجان التحكيم إلى جمهور أوسع، فحصول غايل فاي على جائزة "غونكور" لطلاب الثانويات عن "بلد صغير" يكشف قناة مختلفة لصناعة الانتشار: المدرسة والقراء الشباب ونقاشات الصفوف، أي فضاءات تخلق شهرة الكتاب عبر التلقي المباشر لا عبر النقد المتخصص وحده. بذلك تتكون شرعية ثانية موازية لشرعية المؤسسات، أكثر ديمقراطية ظاهريا، لكنها أيضا خاضعة لخيارات البرامج والوسائط التعليمية، وما تقبل تقديمه بوصفه "صورة صالحة للتعليم" عن بلد أو تاريخ أو ذاكرة.

في هذا المشهد تبرز أهمية الترجمة بوضوح: تتداول الأوساط الأدبية مجموعة محددة من الأسماء تتحول مع الوقت إلى مرجعيات ثابتة أو حتى إلى "علامات تجارية"، بينما تتحرك عشرات الأسماء الأخرى داخل دوائر أضيق: قراء محليون، أندية قراءة، جماعات الشتات وشبكات ثقافية متخصصة. وعلى هذا الأساس فإن الرواية التي تنتقل إلى الإنكليزية أو الإسبانية أو الألمانية تشق طريقها إلى جمهور عالمي واسع، أما النص المكتوب بالفرنسية وحدها فيدور غالبا داخل فضائه اللغوي الفرنسي مهما بلغت قوته.

لعل مثال الكاتب السنغالي دافيد ديوب (1966 - ...) يساعد هنا في جعل الفكرة ملموسة: قد يحقق النص حضورا كبيرا داخل الفضاء الفرنسي عبر جائزة أو احتفاء نقدي، ثم تتحول الترجمة إلى "محرك ثان" يضاعف الطاقة ويخرج العمل إلى سوق قراءة أخرى. هذا لا يعني أن الترجمة حكم قيمة، لكنها في الواقع العملي شرط توزيع جديد: من دونها يبقى كثير من الأدب الأفريقي الفرنكوفوني معروفا "داخل الفرنسية" فقط، بينما تغيب أعمال شديدة الأهمية عن قارئ العربية مثلا، لا لضعفها، بل لغياب الجسور.

يحصد عدد من الكتاب والكاتبات المنتمين إلى هذا الفضاء جوائز مرموقة على الساحة الأدبية، فيختبر التصنيف نفسه لحظة اهتزاز

لكن الاعتراف أبعد من حصره في الجوائز والترجمات وحدها، لأن الشروط المادية لصناعة الكتاب على القارة عامل حاسم في مسار الأدب نفسه. يعمل كثير من دور النشر الأفريقية بإمكانات محدودة، وفي سياقات يرتفع فيها سعر الكتاب قياسا إلى مستوى الدخل، وتظهر شبكات المكتبات والتوزيع في صورة بنية هشة، ناهيك عن أن انتقال رواية من مدينة إلى أخرى داخل القارة قد يتطلب ترتيبات لوجستية معقدة. في هذا الواقع تفتح الشراكات مع دور نشر في باريس أو بروكسيل آفاقا أوسع للتوزيع والوصول إلى قراء جدد، لكنها تجذب في المقابل مركز الثقل التحريري والتجاري نحو خارج القارة، أي نحو المكان الذي يملك البنية ويملك في الوقت نفسه أدوات "ختم الشرعية".

 PATRICK KOVARIK / AFP
الكاتبة الرواندية شولاسيك موكاسونغا في باريس بعد فوزها بجائزة "رونودو الأدبية" عن رواية "سيدة النيل"، 7 نوفمبر 2012

لهذا يتقدم سؤال "لمن نكتب؟" كخيط ناظم في هذا السياق، فحين يشرع مؤلف أو مؤلفة من داكار أو كينشاسا أو ياوندي في الكتابة، تحضر في الذهن أكثر من وجهة محتملة: قراء البلد أنفسهم، الجمهور الأفريقي الناطق بالفرنسية، القارئ الأوروبي، هيئات الجوائز، ومجتمعات الشتات في أميركا الشمالية وأوروبا. يفتح النص الواحد أبوابا متعددة لقراءات متباينة تبعا للمكان الذي يصل إليه. هذه التعددية تخلق ثراء واضحا، وفي الوقت نفسه تنتج توترات ملموسة: جزء من القراء يتوق إلى نص يركز على الاستبداد والفساد والفقر والحرب، بينما يفضل آخرون حكايات الحميمية والحب أو الخيال العلمي، أو الرواية البوليسية أو تفاصيل الحياة اليومية. وداخل هذه المساحة الواسعة من التوقعات المتباينة، يتحرك الكتاب بحثا عن صوتهم الخاص وسط هذا التعدد.

كما تؤدي الملصقات النقدية دورا محوريا في هذا المشهد، وهو ما نراه في تعابير مثل "أدب ملتزم"، و"أدب ما بعد الاستعمار"، و"صوت أفريقيا"، و"أدب الذاكرة" التي تفتح أمام الكتاب مسارات متعددة: سلاسل متخصصة، ندوات، جلسات في المهرجانات... لكنها تقود أحيانا إلى قراءة الأعمال المعقدة بوصفها "شهادات" عن بلد معين أو حدث واحد. يقدم مسار سكولاستيك موكاسونغا مثالا واضحا: خبرتها ترتبط بالإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا، ويشكل هذا الحدث خلفية أساسية لجزء مهم من كتابتها، لكن مشروعها الأدبي يمتد إلى آفاق أوسع تتعلق بالذاكرة العائلية وكرامة الموتى وموقع النساء ورسم حياة القرى اليومية. وحين تتجلى صورتها حصريا في هيئة "شاهدة على الإبادة" يبتعد جزء واسع من منجزها الأدبي عن مركز الضوء.

في موازاة ذلك تتشكل ديناميات جديدة تحمل الكثير من الوعود وتعيد توزيع أدوات الاعتراف جزئيا خارج "القنوات القديمة": ثمة مهرجانات أدبية داخل القارة تفتح فضاءات لقاء حية تجمع كتابا وناشرين ومترجمين ونقادا وقراء. وإلى جانبها تنشط أندية القراءة، والمدونات والمجلات الإلكترونية، وحسابات الكتب على إنستغرام وقنوات يوتيوب المخصصة للأدب، فتقدم قوائم لكتاب فرنكوفونيين "يستحقون الاكتشاف"، وتسلط الضوء على نصوص النوع، والأعمال الأولى والكتابة التجريبية. ومن خلال هذه المبادرات يتبلور مسار إضافي للاعتراف الأدبي، مسار يعتمد على مجتمعات قراءة نشطة إلى جانب الجوائز الكبرى والمؤسسات التقليدية.

JACK GUEZ / AFP
الكاتبة فاتو ديوم خلال تسجيل برنامج "رحلة ليلية" في إذاعة فرنسا بباريس، 9 سبتمبر 2003، لتقديم كتابها "بطن الأطلسي"

هذا التطور يرسم أفقا جديدا للاعتراف الدولي يستند إلى الديناميات المحلية والرقمية ويتكامل مع المسارات المؤسسية التقليدية: تمتلك دور النشر في الشمال والجنوب، ومؤسسات دعم الترجمة ومنظمو المهرجانات، والمدرسون والصحافيون، وأمناء المكتبات ومنصات القراءة، خزانا واسعا من النصوص والكتاب القادرين على تكوين رصيد مشترك غني، وهو ما يعيد طرح السؤال بصيغة أكثر حدة: كيف نرسخ حضور الأصوات الأفريقية في قلب الخريطة بدل أن تبقى في هوامشها التصنيفية؟ وكيف نوسع معنى "الأدب العالمي" بحيث لا يعود الاعتراف مرتهنا بموقع واحد يوزع الأختام، بل بشبكة مسارات متعددة تملك القدرة على الإضاءة والإنصاف في آن؟

حين يتحرك مركز الخريطة

يمنح التأمل المتأني في الأدب الفرنكوفوني بأفريقيا جنوب الصحراء صورة جديدة تماما للفضاء الأدبي، مما يحول الرف الواحد الذي حمل يوما عنوان "الأدب الأفريقي" إلى قارة كاملة من النصوص، تعبرها تيارات فكرية وجمالية وتجارب شكلية متنوعة، وتظهر فيها ملاحم تاريخية واسعة وحكايات مدينية نابضة بإيقاع المدن، وروايات تربية وتشكل وسير ذاتية متخيلة، ونصوص تجريبية جريئة. داخل هذا الاتساع تأتي اللغة الفرنسية بوصفها مفترق طرق حيا تتجاور فيه لغات وتقاليد شفوية ولهجات حضرية، فتدخل الجملة في حوار يومي مع مخيلات أخرى وتخرج من نموذجها المدرسي إلى طاقة تعبيرية أكثر مرونة. وحين تتخذ المدن مكانها كأبطال سرديين، وتغدو الهجرة والعبور جزءا من الخبرة المعاصرة لا من حكاية هامشية، يتكشف للقارئ أن هذه الآداب تكتب من داخل العالم نفسه، وتعيد ترتيب منظورنا إلى حدوده وتفاوتاته وتحولاته.

هكذا يصبح الرهان، عربيا أيضا، على أن تعمل الترجمة بوصفها جسرا معرفيا أكثر من مجرد عبور تجاري، وأن تجد هذه النصوص طريقها إلى القارئ دون أن تحشر في خانة موضوعية ضيقة

من هنا تتبدى مسألة الاعتراف بوصفها سؤالا عن المسارات بقدر ما هي سؤال عن القيمة، فالضوء الذي تمنحه الجوائز والنشر الواسع والترجمات يوسع مجال التلقي، لكنه يذكر أيضا بأن الشرعية لا تزال تتحرك في قنوات غير متكافئة. ومع صعود مهرجانات داخل القارة، وشبكات قراءة نشيطة ومنصات رقمية، تتكون خريطة أخرى للاعتراف تعيد توزيع أثر القنوات القديمة وتفتح إمكانا لعدالة رمزية أقل ارتهانا بمركز واحد. هكذا يصبح الرهان، عربيا أيضا، على أن تعمل الترجمة بوصفها جسرا معرفيا أكثر من مجرد عبور تجاري، وأن تجد هذه النصوص طريقها إلى القارئ دون أن تحشر في خانة موضوعية ضيقة. عندها يتضح المعنى الأعمق لتحريك مركز الخريطة: الحاضر لا يفهم من زاوية واحدة، وجزء حاسم من صورته يتكون كذلك داخل المناطق التي اعتادت النظرة السائدة أن تضعها في الهامش.

font change