يعد الكاتب الإنكليزي جورج أورويل (1903–1950) أحد الكتاب الذين فكروا بأقصى درجات العمق في تحولات المجتمعات الحديثة. روايتاه الأشهر، "مزرعة الحيوانات" (1945) و"1984" (1949)، تكشفان بقوة نبوئية أنماطا جديدة من الشمولية تقوم على التكنولوجيا والتضليل الإعلامي.
لكن النجاح العالمي لهاتين الروايتين كثيرا ما ينسي أن أورويل كتب قبلهما عددا كبيرا من الأبحاث والمقالات والرسائل، عرض فيها تجاربه الميدانية ككاتب ملتزم، وبلور من خلالها تأملا عميقا في الإنسان والمجتمع، قاده إلى اقتناع لا تزال راهنيته مقلقة، ويمكن تخليصه بقوله: "اللغة السياسية مصممة لجعل الأكاذيب تبدو حقائق، ولإضفاء صبغة احترام على جرائم القتل، ومنح مظهر من الصلابة لما ليس سوى هواء".
ترياق في مواجهة "الحقيقة البديلة"
من هنا ضرورة قراءة هذا الكاتب الذي جعل من "قول الحقيقة في زمن الكذب الشامل فعلا ثوريا"، إذ تشكل كتاباته ترياقا لا غنى عنه في مواجهة "الحقيقة البديلة" (وهو التعبير الذي صاغته كيليان كونواي، مستشارة دونالد ترمب)، التي لا تعدو كونها تسميما فكريا يهيمن اليوم على مجمل مجتمعاتنا.
في كتابه الجديد، "هكذا تكلم أورويل"، الصادر حديثا في باريس عن دار "أرفوين"، يقوم المترجم الفرنسي تييري جيليبوف بهذه القراءة الضرورية، مقدما، عبر مختارات واسعة من أعمال أورويل، مقاربة شاملة لكاتب تشتد الحاجة إليه اليوم، بفضل نفاذ بصيرته، واستقلالية فكره، ورفضه للدوغمائيات، من أجل تعلم التفكير بحرية، والدفاع عن شروط هذه الحرية.
في مقدمته الطويلة واللامعة للكتاب، يلاحظ جيليبوف أن أورويل بات معروفا اليوم بالصفة المشتقة من اسمه (أورويلي) أكثر مما هو معروف بأعماله نفسها، شأنه في ذلك شأن كافكا. كما يشير إلى أن صفتي "كافكوي" و"أورويلي" ظهرتا في الوقت نفسه تقريبا، خارج الإطار الأدبي، عند منعطف الخمسينات، في دلالة على أنهما سدتا نقصا، واستجابتا لإدراك أكثر حدة وقلقا لواقع جديد كان يتشكل في المجالين السياسي والاجتماعي.




