الولايات المتحدة وإيران... طريق الحرب أقصر من طريق التفاوض

من "الضغط الأقصى" إلى المواجهة المباشرة مجددا

أ ف ب
أ ف ب
تصاعدت أعمدة الدخان عقب انفجارات وردت أنباء عنها في طهران في الأول من مارس 2026.

الولايات المتحدة وإيران... طريق الحرب أقصر من طريق التفاوض

لم تأت الغارات الأميركية-الإسرائيلية على إيران، ورد طهران السريع من فراغ، فالأشهر الماضية شهدت تحركات دبلوماسية مختلفة حملت بعض الأمل في إنهاء واحد من أكثر الملفات العالقة في المنطقة منذ نحو 47 عاما، أي التوتر الإيراني الدولي. هذه المعركة التي بدأت قبل ظهر السبت سبقتها جولات من التفاوض كان آخرها الخميس الماضي، حيث تقدم الإيرانيون بخطوات مرتبطة بالملف النووي وملفات اقتصادية أخرى، كانوا يرفضون في السابق التفاوض حولها، إلا أن الأميركيين كانوا يصرون على أن تنفذ طهران حزمة كاملة من المطالب، ليس الملف النووي إلا واحد منها.

وتطالب الولايات المتحدة ومعها إسرائيل بأن تلتزم إيران بإنهاء ملف الصواريخ الباليستية ومعه وقف الدعم للميليشيات الحليفة مثل "حزب الله" في لبنان والحوثيين في اليمن، والفصائل العراقية، إضافة إلى الملف النووي.

التفاوض انطلق فعليا في سلطنة عمان يوم 6 فبراير/شباط، وشهد مواقف إيجابية معلنة من الوفدين الأميركي والإيراني، لينتقل الوفدان بعدها إلى جنيف. وسبق هذه الجولات في مطلع عام 2025 تحول في مسار التفاعلات بين واشنطن وطهران، حيث انتقلت العلاقة من إدارة الأزمات التقليدية إلى مرحلة الصدام. تميزت هذه الفترة بقرار إدارة الرئيس دونالد ترمب إحياء وتطوير سياسة "الضغط الأقصى" في نسختها الثانية، لم تكن هذه السياسة مجرد استمرار للنهج السابق، بل كانت انعكاسا لتقديرات استخباراتية وسياسية تشير إلى أن طهران أصبحت على عتبة امتلاك القدرة النووية العسكرية، وهو ما استدعى تحركاً أميركياً يتجاوز العقوبات الاقتصادية ليصل إلى التهديد العسكري المباشر، من خلال تبني الإدارة الأميركية لاستراتيجية "السلام من خلال القوة"، حيث تم دمج التهديد العسكري الصريح بالضغط المالي غير المسبوق.

هذا التوجه أدى إلى تقليص مساحة المناورة الدبلوماسية لطهران، التي وجدت نفسها أمام خيارين: إما الانهيار الاقتصادي تحت وطأة العقوبات التي استهدفت "أسطول الظل" النفطي، وإما العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط تمليها واشنطن.

مفاوضات مسقط (أبريل-يونيو 2025)

قبل اندلاع المواجهة العسكرية الكبرى في يونيو/حزيران 2025، كانت هناك محاولات دبلوماسية متعثرة تهدف إلى تلمس آفاق تسوية ممكنة. جرت الجولة الأولى من اللقاءات رفيعة المستوى في مسقط، عمان، يوم 12 أبريل/نيسان 2025، بقيادة المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. كانت هذه اللقاءات غير مباشرة، حيث تم نقل الرسائل عبر الوسطاء العمانيين، ووُصفت في حينها بأنها "بناءة" بالرغم من الفجوة الشاسعة في المواقف.

تمثل مواجهة يونيو 2025 نقطة تحول خطرة في الصراع، حيث انتقلت المواجهة من حروب الظل والوكلاء إلى الصدام المباشر

قدمت إيران خلال هذه الجولة عرضاً يتضمن تجميد تخصيب اليورانيوم عند مستوى 60 في المئة مقابل رفع كامل للعقوبات الاقتصادية. كما تضمن المقترح الإيراني خطوات لخفض التصعيد الإقليمي، بما في ذلك التعهد بتجميد أنشطة الحلفاء في المنطقة مثل "حزب الله" والحوثيين. ومع ذلك، قوبل هذا العرض برفض قاطع من واشنطن، حيث أصرت إدارة ترمب على "اتفاق أفضل من اتفاق أوباما"، يشمل تفكيكا كاملا للبنية التحتية النووية وليس مجرد تجميد للتخصيب، وإنهاء عمل الميليشيات الحليفة.

تعزز هذا الفشل الدبلوماسي بزيادة وتيرة الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، حيث تم إرسال حاملة طائرات إضافية وتعزيز القواعد الجوية في الخليج. هذا التصعيد العسكري كان يهدف إلى ممارسة "الدبلوماسية القسرية"، وهو ما دفع القادة العسكريين الإيرانيين، مثل الجنرال حسين سلامي، إلى التحذير من أن "الحرس الثوري" سيفتح "أبواب الجحيم" على الغزاة في حال التعرض لهجوم.

يونيو 2025: "حرب الـ12 يوما"

تمثل مواجهة يونيو 2025 نقطة تحول خطرة في الصراع، حيث انتقلت المواجهة من حروب الظل والوكلاء إلى الصدام المباشر، اندلعت الشرارة في 13 يونيو 2025 عندما شنت إسرائيل هجوما واسعا استهدف منشآت نووية وقواعد صواريخ إيرانية، بناء على معلومات تفيد بوصول إيران إلى مستوى حرج من التخصيب يقربها من امتلاك سلاح نووي.

في 21 و22 يونيو 2025، دخلت الولايات المتحدة المواجهة بشكل مباشر من خلال "عملية مطرقة منتصف الليل"، إذ أعلن ترمب توجيه ضربات دقيقة استهدفت مواقع فوردو ونطنز وأصفهان. وبالرغم من قول المسؤولين الإيرانيين إن الأضرار لم تكن "لا رجعة فيها"، إلا أن التقارير التقنية أكدت خروج فوردو من الخدمة لمدة لا تقل عن عامين، بالإضافة إلى تدمير أعداد كبيرة من أجهزة الطرد المركزي المتطورة وتضرر منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان.

رويترز
من اليمين، المدير العالم لوكالة الطاقة النووية رافيل غروسي يصافح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في جنيف، سويسرا 16 فبراير 2026

جاء الرد الإيراني على ضربات يونيو 2025 بشكل مدروس يهدف إلى حفظ ماء الوجه وتجنب الحرب الشاملة في آن واحد. في 23 يونيو 2025، نفذت إيران "عملية بشارة الفتح"، حيث أطلقت نحو 14 صاروخاً باليستياً من طرازات قصيرة ومتوسطة المدى استهدفت قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي المقر الميداني للقيادة المركزية الأميركية "سنتكوم".

تؤكد المعطيات أن طهران قدمت تحذيراً مسبقاً للسلطات القطرية والأميركية قبل ساعات من الهجوم، مما أتاح وقتا كافيا لإخلاء الأفراد وتفعيل أنظمة الدفاع الجوي. وقد وصف ترمب الرد الإيراني بأنه "ضعيف للغاية"، مما فتح الباب لإعلان وقف إطلاق النار في 24 يونيو 2025.

مفاوضات جنيف.. فبراير 2026

بحلول فبراير/شباط 2026، عادت الأطراف إلى طاولة المفاوضات في سلطنة عمان لمرة واحدة وبعدها انتقلت إلى جنيف في ظل واقع ميداني جديد يتسم بتدمير جزء كبير من البنية التحتية النووية الإيرانية وتفاقم الأزمة الاقتصادية في طهران، وسبق هذه الجولات احتجاجات شعبية وصفت بالأقوى.

أهم النقاط التي تمنع رفع العقوبات وتحقيق اندماج إيران في النظام المالي العالمي: ضعف الشفافية في النظام المصرفي الإيراني، وسيطرة المؤسسات التابعة لـ"الحرس الثوري" على قطاعات واسعة من الاقتصاد

سعت إيران في هذه الجولة إلى تقديم عرض يغري عقلية "إبرام الصفقات" لدى ترمب، إذ تضمن المقترح الإيراني الاستعداد لخفض مستويات تخصيب اليورانيوم إلى 1.5 في المئة فقط، وهي نسبة مخصصة للأبحاث الطبية، وتعليق كافة الأنشطة النووية الأخرى لمدة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات، ودعوة الشركات الأميركية للاستثمار في قطاعات النفط والغاز والمعادن (بما في ذلك الليثيوم). مع مقترح ببناء مفاعلات نووية جديدة بالتعاون مع شركات أميركية لإثبات الطبيعة السلمية للبرنامج، مقابل ذلك طلبت إيران رفع العقوبات عن قطاع البنوك ومبيعات النفط.

ومن جهتها، رفعت واشنطن سقف مطالبها، مستغلة الضعف الإيراني الناتج عن ضربات 2025، مطالبة بتدمير مادي كامل لمنشآت فوردو ونطنز وأصفهان، لضمان عدم عودتها للعمل أبدا، ونقل كامل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، وتحديدا إلى الولايات المتحدة، والإصرار على اتفاق دائم بلا سقف زمني، يمنع إيران من استئناف أنشطتها حتى بعد رحيل الإدارة الحالية، بالإضافة إلى المطالب التي تسلمها الوفد الإيراني المتعلقة بالصواريخ الباليستية والميليشيات الحليفة.

أ ف ب
تصاعدت سحابة من الدخان نتيجة لهجوم إيراني مزعوم في المنطقة الصناعية بالدوحة في الأول من مارس 2026.

من أهم النقاط التي تمنع رفع العقوبات وتحقيق اندماج إيران في النظام المالي العالمي، تتمثل في عدم امتثال إيران لمعايير "مجموعة العمل المالي" (FATF)، وضعف الشفافية في النظام المصرفي الإيراني، وسيطرة المؤسسات التابعة لـ"الحرس الثوري" على قطاعات واسعة من الاقتصاد. وتواجه الشركات الأميركية مخاطر قانونية، خاصة مع استمرار إدراج إيران كدولة راعية للإرهاب وتورطها في مؤامرات تستهدف مواطنين أميركيين. بالإضافة إلى ذلك، فإن البنية التحتية المتقادمة في قطاع الطاقة الإيراني تتطلب استثمارات هائلة وتكنولوجيا متطورة قد تتردد الشركات العالمية في تقديمها دون ضمانات قانونية وقضائية قوية.

تصعيد 28 فبراير 2026

يوم الخميس الماضي، خرج وزير خارجية سلطنة عمان بدر البوسعيدي من الاجتماعات في جنيف معلنا أن واشنطن وطهران منفتحتان على أفكار وحلول جديدة ومبتكرة للتوصل إلى اتفاق عادل ودائم. أظهر هذا الكلام أن الوضع التفاوضي جيد وأن جولة قادمة ستكون خطوة كبيرة باتجاه توقيع اتفاق ينهي الأزمة. وكان الموقف الأميركي غير واضح، ولكنّ مبعوثي البيت الأبيض سربا لوسائل إعلام أنهما محبطان بعد المحادثات الصباحية مع الإيرانيين. وانتهت المفاوضات التي استمرت لساعات دون أي مؤشر على تحقيق انفراجة.

فشل مفاوضات جنيف والعودة إلى الصدام المباشر يشير إلى أن الطرفين استنفدا الحلول الوسط

مع تعثر مفاوضات جنيف وإصرار طهران على رفض نقل مخزونها النووي وتفكيك الصواريخ الباليستية وإنهاء الميليشيات الحليفة، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مشتركا، وصفت واشنطن العملية بـ"الغضب الملحمي"، بينما أطلقت عليها إسرائيل اسم "زئير الأسد". وصرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن العملية تهدف إلى "إزالة التهديد الوجودي" وتهيئة الظروف للشعب الإيراني لتقرير مصيره.

الضربات التي استهدفت مواقع قيادية بينها مقر "المرشد" علي خامنئي الذي أعلن السبت عن مقتله وعدد من القيادات الإيرانية خلال اجتماعهم به، وكلام نتنياهو أظهر أنه لا مجال للعودة للتفاوض، كذلك جاء الرد الإيراني مستهدفاً كافة الدول المستضيفة للقواعد الأميركية في المنطقة، في خطوة يبدو أنها تطبيق لمثل "عليّ وعلى أعدائي"، بشكل ينهي أي إمكانية للتفاوض على الصيغ القديمة.

نهاية تفاوض أم باب جديد؟

إن فشل مفاوضات جنيف والعودة إلى الصدام المباشر يشير إلى أن الطرفين استنفدا الحلول الوسط، ولكن البعض يعتبر أن هذه الضربات هدفها التفاوض عبر الميدان، من يحقق "الصبر الاستراتيجي" هو من يحقق أهدافه في المفاوضات، ولكن استخدام طهران عمليات القصف لمدن عربية عدة يشير إلى أنها تحولت لاستخدام آخر أسلحتها، كأنما تحرق من خلفها كل المراكب التي توصلها لبر الأمان.

تجد إيران نفسها بين فكي كماشة: انهيار اقتصادي داخلي وضغط عسكري خارجي. أما الولايات المتحدة، فتبدو مصممة على إنهاء "حالة النظام الإيراني" بشكل دائم. إنه تحول رغبة واشنطن في إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط بقوة السلاح والدبلوماسية. ومع ذلك، فإن رد الفعل الإيراني الواسع ضد دول المنطقة يثبت أن تكلفة "النصر الحاسم" قد تكون باهظة على استقرار الطاقة العالمي وأمن المنطقة بأسرها.

يبقى الليثيوم والنفط والغاز كأدوات في يد الدبلوماسية الإيرانية اليائسة، لكن في ظل أزيز الطائرات وصيحات الحرب، يبدو أن لغة الميدان هي التي ستحدد ملامح القادم، من اتفاق أو انهيار، خصوصا بعد اغتيال خامنئي.

font change

مقالات ذات صلة