عندما تقع الحروب أو الاضطرابات السياسية تتأثر الأسواق المالية والمؤشرات الاقتصادية في الدول ذات الصلة بشكل أو بآخر، وبموجب درجة العنف والتخريب الناتج من الأحداث.
لا شك في أن الحرب التي بدأت يوم السبت 28 فبراير/ شباط ، بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عصفت بالسلام الهش في هذه المنطقة من العالم. فقد أدى إعتداء إيران على دول الخليج دون استثناء بالصواريخ والمسيرات إلى تقلبات في الأسواق المالية الخليجية من تراجع إلى ارتفاع.
لكن هذه الأسواق وعلى مدار أسبوع عمل حتى الآن تبدو متماسكة نسبيا وتمكنت من الصمود أمام الاختلالات الأمنية والتوقعات المتواترة في شأن النفط ومضيق هرمز وتراجع السياحة وتعطل حركة الطيران والنقل وتدفق السلع من الدول المصدرة.
بيد أن الأخطار تظل واقعية وتتطلب مواجهات من قبل صناع السياسات الاقتصادية ورجال الأعمال، بما يخفف الآثار السلبية على الأسواق المالية ويحصن أسعار الأدوات الاستثمارية. لا بد من الإقرار بأن مسألة الحفاظ على تدفق النفط من الخليج إلى الأسواق المستهلكة تبقى ذات أهمية قصوى، بما يعني التمكن من تحقيق إيرادات سيادية كافية لدول المنطقة وتعزيز القدرات على مواجهة استحقاقات الإنفاق العام. ويمثل استقرار أسواق النفط وتماسك الأسعار أهمية لكل أسواق المال في دول المنطقة.
لا تزال الأسواق المالية في الخليج متماسكة نسبيا وتمكنت من الصمود أمام الاختلالات الأمنية والتوقعات المتواترة في شأن النفط ومضيق هرمز
في بداية الحرب، شهدت أسواق الأسهم انخفاضا، خصوصا في اليوم الأول للتداول بعد بداية الحرب الأحد الأول من مارس/آذار. وأسهم قصف إيران دول الخليج عشوائيا دون مبررات في تعزيز الشعور بأن هناك خللا في العقلية السياسية التي تحكم إيران وتريد إحداث الضرر بدول المنطقة. لذلك، سادت موجة من البيع في بعض الأسواق. لكن ما حدث بعد ذلك هو ارتفاع في أسعار النفط نظرا للمخاوف من تعطل الإمدادات بما أحدث مشاعر مختلطة لدى رجال الأعمال والمستثمرين بأن الارتفاع في أسعار النفط سوف يعزز الإمكانات المالية لحكومات بلدان الخليج.
أداء الأسهم السعودية
ويوم الأحد الأول من مارس/آذار الجاري، أغلق المؤشر العام للأسهم السعودية على تراجع قدره 233.49 نقطة ليصل إلى مستوى 10,475.55 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها نحو 5.3 مليارات ريال (1.41 مليار دولار). وبحسب النشرة الاقتصادية اليومية لوكالة الأنباء السعودية، بلغت كمية الأسهم المتداولة 257 مليون سهم، ارتفعت خلالها أسهم 15 شركة، فيما سجلت أسهم 252 شركة تراجعا في قيمتها. وتصدرت أسهم "المراعي"، و"أرامكو" السعودية، و"تكافل الراجحي"، و"نفوذ"، و"نايس ون" قائمة الأسهم الأكثر ارتفاعا، في حين كانت أسهم الأبحاث والإعلام، وعلم، والصناعات الكهربائية، ومحطة البناء، وولاء الأكثر انخفاضا خلال جلسة التداول. وتراوحت نسب التغير بين ارتفاع بلغ 4.11 في المئة وانخفاض وصل إلى 9.59 في المئة.
متداول يراقب لوحة التداول في سوق الأسهم السعودية (تداول) في الرياض، 12 ديسمبر 2019
وعلى صعيد النشاط، جاءت أسهم "أمريكانا"، و"أرامكو" السعودية، و"الإنماء"، و"باتك"، و"كيان" السعودية في مقدمة الأسهم الأكثر تداولا من حيث الكمية، بينما تصدرت أسهم "أرامكو" السعودية، و"الراجحي"، و"الأهلي"، و"علم"، و"الإنماء" قائمة الأسهم الأكثر نشاطا من حيث القيمة.
ظلت السوق السعودية متماسكة في نهاية الأسبوع، الخميس 5 مارس/آذار، إذ أغلق المؤشر العام للأسهم السعودية على ارتفاع قدره 83.63 نقطة ليصل إلى مستوى 10,776.32 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها نحو 5.2 مليارات ريال (1.38 مليار دولار). وبلغت كمية الأسهم المتداولة 252 مليون سهم، سجلت خلالها أسهم 194 شركة ارتفاعا في قيمتها، فيما تراجعت أسهم 62 شركة.
تملك الإمارات قدرات اقتصادية متنوعة وامكانات مالية تعزز صمودها الذي لا بد أن ينعكس في القريب العاجل على تداولات سوقي الأسهم في دبي وأبو ظبي
وتصدرت أسهم "إم آي إس"، و"الأبحاث" و"الإعلام"، و"شاكر"، و"بترو رابغ"، و"العزيزية ريت" قائمة الأسهم الأكثر ارتفاعا، في حين جاءت أسهم "كاتريون"، و"الكيميائية"، و"عزم"، و"المتقدمة"، و"إكسترا" ضمن الأسهم الأكثر انخفاضا خلال جلسة التداول. وتراوحت نسب التغير بين ارتفاع بلغ 9.95 في المئة وانخفاض وصل إلى 3.74 في المئة.
رجل ينظر إلى لوحة التداول في سوق الأسهم السعودية (تداول) في الرياض، التي تعرض أسهم "أرامكو" السعودية في ثاني أيام تداولها بتاريخ 12 ديسمبر 2019
كما أغلق مؤشر السوق الموازية على ارتفاع قدره 114.45 نقطة ليصل إلى مستوى 22,496.98 نقطة، بتداولات بلغت قيمتها نحو 17 مليون ريال (4.5 مليون دولار)، فيما تجاوزت كمية الأسهم المتداولة 2.3 مليون سهم.
يؤكد هذا الأداء الثقة التي يوليها المستثمرون للإدارة السعودية وقدرتها على مواجهة الأخطار الأمنية وحسن تعاملها مع الأحداث. كما يشير إلى أنه وعلى الرغم من الأحداث، المستثمر على يقين بأن الاقتصاد السعودي سيكون قادرا على امتصاص الأخطار والانطلاق بشكل سليم في اتجاه إنجاز برامج التنمية المستدامة. والأهم من ذلك هو أن القيمة الرأسمالية للسوق السعودية بلغت ما يقارب 9.4 تريليونات ريال (2.5 تريليون دولار)، مما يؤكد أهمية الشركات المدرجة وقيمتها للمستثمرين والمتعاملين في السوق.
السوق الكويتية تستجمع قواها
بدأت سوق الكويت للأوراق المالية التعاملات يوم الاثنين 2 مارس/آذار بتراجع واسع، كما واستمر التراجع بعد نهاية التعامل يوم الاثنين وهبط مؤشر السوق الأول بنسبة 1.90 في المئة ومؤشر السوق العام بنسبة 1.91 في المئة. انخفضت في ذلك اليوم أسهم بمختلف القطاعات، وظل الانخفاض سارياً يوم الثلاثاء 3 مارس/آذار وانخفض المؤشر العام بنسبة 0.81 في المئة والمؤشر الرئيسي بنسبة 0.57.
إنما، في نهاية أسبوع العمل يوم الخميس 5 مارس/آذار، عادت المؤشرات للارتفاع وأصبح التعافي سمة السوق. وتحسنت القيمة السوقية بعد الانخفاض واستردت 99.7 في المئة من خسائرها التي تحققت نتيجة للتعاملات في بداية الأسبوع، لتبلغ القيمة السوقية 51.06 مليار دينار كويتي (166 مليار دولار) بعد أن كانت تساوي 51.19 مليار دينار. وقفز مؤشر السوق العام بنسبة 1.33 في المئة يوم الخميس الماضي ليغلق عند 8549.77 نقطة في حين كان التداول يعادل 70.4 مليون دينار (229 مليون دولار).
بورصتا أبوظبي ودبي
وفي الإمارات، عُلِّق التداول في سوقي دبي وأبوظبي يومي 2 و3 مارس/آذار كإجراء احترازي بعد الهجمات والصواريخ الإيرانية. وعند إعادة فتح الأسواق في 4 مارس/آذار، هبط مؤشر سوق دبي المالي بنحو 4.7 في المئة، وهو أكبر تراجع له منذ مايو/أيار 2022. أما مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية فقد انخفض نحو 1.9 في المئة في الجلسة نفسها.
شاشة تعرض مؤشرات الأسهم في سوق دبي المالية (DFM) في دبي بتاريخ 4 مارس/آذار 2026
وفي 5 مارس/آذار، أقفل المؤشر الرئيس في سوق دبي المالي منخفضا بنسبة 1.3في المئة بعدما كان قد تراجع خلال الجلسة بنسبة 4.2 في المئة، متأثرا بانخفاض أسهم عدد من الشركات القيادية، من بينها بنك الإمارات دبي الوطني وإعمار العقارية اللذان هبطا بنحو 4.9 في المئة لكل منهما. كما تراجع سهم شركة الطيران منخفض التكلفة العربية للطيران بنسبة 4.9 في المئة، في حين خالف سهم هيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا) الاتجاه العام للسوق مرتفعا بنحو 5.3في المئة.
لا شك أن الإمارات التي واجهت وابلا من الصواريخ والمسيرات وتمثل مركزا تجاريا مهما وقبلة للسياحة في منطقة الخليج يتحسس المستثمرون فيها آثار الحرب وانعكاساتها على النشاط الاقتصادي. كما أن قطاع الخدمات لا بد أن يتأثر في الأجل القصير وتتعطل حركة السياحة والطيران.
لكن الإمارات تملك قدرات اقتصادية متنوعة وامكانات مالية تعزز صمودها الذي لا بد أن ينعكس في القريب العاجل على تداولات سوقي الأسهم في دبي وأبو ظبي. وقال ميلاد عازر، المحلل لدى "إكس تي بي" الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في حديث الى "رويترز"، إنه على الرغم من استمرار تأثر السوق بالتطورات الإقليمية، فإن الأساسيات الاقتصادية في دبي لا تزال قوية بما يكفي لدعم تعافي السوق.
لا يزال تأثير الحرب في الشرق الأوسط محدودا حتى الآن في دول الخليج، بفضل قوة مستويات السيولة واحتياطيات رأس المال لدى المصارف
تراجعت سوق قطر المالية بشكل كبير وانخفض المؤشر بنسبة 4.3 في المئة يوم الاثنين 2 مارس/آذار. وأنهى المؤشر تعاملات الأسبوع بتراجع بنسبة 3.22 في المئة. وبرزت أهم الخسائر في قطاع النقل الذي مني بخسائر بنسبة 6.39 في المئة. وتراجع المؤشر العام بنحو 350 نقطة ليستقر في نهاية تعاملات الخميس عند 10,699 نقطة، مع قيمة تداول إجمالية 5.2 مليارات ريال (1.37 مليار دولار). وعلى الرغم من كل ما حدث فإن القيمة السوقية للسوق المالية في قطر بلغت يوم الخميس 636.6 مليار ريال قطري (175 مليار دولار).
متداول قطري يتابع سوق الأسهم في بورصة قطر في الدوحة في 31 يوليو 2017.
وفي 9 مارس/آذار الجاري (اليوم)، تراجع مؤشر بورصة قطر في مستهل التعاملات بنسبة 1.66 في المئة فاقدا 177.93 نقطة ليصل إلى مستوى 10,509 نقاط مقارنة بإغلاق الجلسة السابقة، وسط ضغوط شملت جميع القطاعات، بقيادة قطاع المصارف والخدمات المالية (-1.60في المئة)، يليه النقل (-1.06في المئة) والصناعة (-0.77 في المئة) والعقار (-0.57 في المئة).
أداء متباين في البحرين وعمان
سجلت سوق البحرين تراجعاً يوم الخميس الماضي بنسبة 1.09 في المئة إلا أن قطاع الصناعات يبدو متماسكاً وسجل ارتفاعاً. وبلغت قيمة التداول 80.6 مليون دينار بحريني (214 مليون دولار)، في حين بلغت القيمة السوقية في ذلك اليوم 7.7 مليار دينار بحريني (20.5 مليار دولار). وارتفع المؤشر البارحة في بورصة البحرين 0.2 في المئة.
يؤكد أداء الأسواق المالية في دول الخليج بأن هناك إمكانيات لتجاوز الأخطار الناتجة عن هذه الحرب وأن هناك قناعات بأن الأضرار المتوقعة محدودة الأثر على الحياة الاقتصادية
أما سوق مسقط المالية، فتحسن أداؤها يوم الخميس وسجلت ارتفاعاً بنسبة 1.3 في المئة وبلغت قيمة التداول 70.5 مليون ريال عماني (183.2 مليون دولار). وتحسن أداء أسهم شركات التأمين وشركة مسندم للطاقة التي ارتفع سعر سهمها بنسبة 5.97 في المئة في حين تحسن سعر سهم مسقط للتأمين بنسبة 5.88 في المئة. وارتفع المؤشر البارحة 2 في المئة.
إيران تعلق التداول
بالمقارنة مع أداء الأسواق الخليجية، قررت الحكومة الإيرانية في الأول من مارس/آذار، وهو اليوم الثاني من اندلاع الحرب، تعليق التداول في البورصة لمدة أسبوع كإجراء احترازي في ظل التطورات الأمنية.
لحظة اندلاع حريق في مستودع نفطي في العاصمة الإيرانية طهران
وفي السابع من الشهر الجاري، أعلن وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زادة استمرار إغلاق بورصة طهران حتى إشعار آخر، وذلك بعد انتهاء فترة الإغلاق الأولى التي استمرت أسبوعًا. ونقلت وكالة تسنيم شبه الرسمية عن الوزير قوله إن قرار تمديد الإغلاق يأتي في إطار حماية أصول المواطنين والمستثمرين في السوق المالية. كل ذلك وسط تدهور في سوق صرف العملة المحلية وتضخم مفرط وانعدام الثقة بأدوات الاستثمار في البلاد.
توجهات المستثمرين
يؤكد أداء الأسواق المالية في دول الخليج بأن هناك إمكانات لتجاوز الأخطار الناتجة عن هذه الحرب وأن هناك قناعات بأن الأضرار المتوقعة محدودة الأثر على الحياة الاقتصادية.
ويتوقع مستثمرون ومتعاملون كثر في الأسواق المالية نهاية سريعة للحرب وإمكانيات لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة بعد نهايتها. يبدو عدد من الأسهم في هذه الأسواق أكثر جاذبية من غيرها وإن كان ذلك يعتمد على كل دولة خليجية، بيد أن أسهم البنوك والشركات العاملة في قطاع التشييد والبنية التحتية والشركات العاملة في قطاع الطاقة سوف تحظى باهتمام واسع من قبل المتعاملين.
وقد توقعت وكالة موديز أن تأثير الصراع الجاري في الشرق الأوسط لا يزال محدودا حتى الآن في دول الخليج، بفضل قوة مستويات السيولة واحتياطيات رأس المال لدى المصارف، ما يمنحها قدرة جيدة على امتصاص الصدمات. لكنها حذّرت من أن استمرار الصراع أو تعطّل تجارة الطاقة لفترة أطول قد يؤدي إلى ارتفاع المخاطر التي تواجه البنوك الخليجية. ووفق السيناريو الأساسي للوكالة، يُتوقع أن يكون الصراع قصير الأمد نسبيًا، حتى مع احتمال إغلاق مضيق هرمز لعدة أسابيع، من دون أضرار كبيرة في البنية التحتية الحيوية أو منشآت الإنتاج، مع إمكانية استئناف حركة الطيران في المنطقة.