صدمة النفط تدفع باكستان إلى التقشف الحاد لحماية الاقتصاد

خطة طارئة من 14 بندا لخفض استهلاك الطاقة واحتواء ارتفاع الأسعار

"المجلة"
"المجلة"

صدمة النفط تدفع باكستان إلى التقشف الحاد لحماية الاقتصاد

أطلق رئيس وزراء باكستان شهباز شريف حملة تقشف طارئة من أربعة عشر بندا، تهدف إلى خفض الطلب على الطاقة سريعا في القطاع العام والاقتصاد على نطاق أوسع، في ما يصفه المسؤولون بأنه "فترة حرجة" من الضبابية في أسواق النفط العالمية.

في التاسع من مارس/آذار 2026، أقر سلسلة واسعة من التدابير لترشيد استهلاك المحروقات، بعدما أدى تصاعد حدة الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وإيران إلى اضطراب أسواق النفط العالمية وتهديد مسارات إمداد الطاقة الحيوية إلى جنوب آسيا. ويهدف برنامج التقشف أيضا إلى تقليص الإنفاق الحكومي، وتخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي في ظل اضطراب الأسواق العالمية.

وحذّر شريف من أن التداعيات المتسارعة للحرب في الشرق الأوسط بدأت تعطل تدفقات الطاقة فعليا، وتدفع أسعار النفط العالمية إلى ارتفاع حاد. فقد أثارت المواجهات العسكرية المتصاعدة مخاوف من احتمال تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ويمر عبره نحو 20 في المئة من النفط المتداول عالميا. وكان مجرد احتمال حدوث اضطراب كافيا لدفع الأسعار إلى ارتفاع حاد. فقد صعدت الأسعار العالمية من نحو 78 دولارا للبرميل في مطلع مارس/آذار الجاري لتلامس 120 دولارا في التاسع منه، قبل أن تعود وتنخفض بعد حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الحرب على إيران شارفت نهايتها.

يهدف برنامج التقشّف إلى تقليص الإنفاق الحكومي، وتخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي في ظل اضطراب الأسواق العالمية

أجبرت هذه التطورات باكستان على رفع أسعار الوقود محليا. فزادت أسعار البنزين والديزل بمقدار 55 روبية لليتر الواحد، أي نحو 0.2 دولار أميركي، بزيادة بلغت 20 في المئة، في واحدة من أكبر زيادات أسعار الوقود في السنوات الأخيرة في الدولة. ويبلغ سعر الديزل الآن نحو 321 روبية لليتر، أي ما يعادل 1.15 دولار، والبنزين 335.86 روبية أي 1.2 دولار. ويدفع السائقون الباكستانيون نحو 4.37 دولارا للغالون، بينما يتراوح سعره بين 3.4 و3.6 دولارا في معظم أنحاء الولايات المتحدة.

وشهدت أسعار الغاز الطبيعي أيضا ارتفاعا ملحوظا. فقد أقرت هيئة تنظيم النفط والغاز أخيرا زيادات تراوحت بين 19 و22 في المئة في أسعار الغاز الطبيعي المسال لشهر مارس/آذار.

وبالنسبة إلى شركة خطوط أنابيب الغاز الشمالية المحدودة، ارتفعت أسعار النقل من 10.47 دولارات في فبراير/شباط إلى 12.49 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فيما صعدت أسعار التوزيع من 11.33 دولارا إلى 13.55 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

أ.ف.ب
مواطن باكستاني يستمع عبر هاتفه المحمول إلى خطاب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في شأن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إسلام آباد، 9 مارس 2026

أما شركة "سوي" الجنوبية للغاز المحدودة، فرفعت أسعار النقل إلى 11.12 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وبلغت أسعار التوزيع 12.54 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

وعزت الجهات التنظيمية هذه الزيادات إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد ورسوم المحطات والاضطرابات التي أثرت في شحنات الغاز الطبيعي المسال. فلم تصل خلال مارس/آذار سوى شحنتين من الغاز الطبيعي المسال، مقارنة بثماني شحنات في فبراير/شباط وفي الفترة نفسها من العام الماضي، مما قيد الإمدادات.

دعم نفطي سعودي لباكستان

وفي معرض رده على المخاوف المتعلقة بالإمدادات، قال وزير النفط علي برويز مالك في حديث هاتفي مع "المجلة"، إن ارتفاع الأسعار نجم عن ارتفاع تكاليف النفط العالمية، غير أن باكستان نجحت في تأمين احتياطيات طارئة بدعم من المملكة العربية السعودية. وأضاف: "وفرت لنا المملكة العربية السعودية النفط خلال هذه الأوقات الصعبة، بل وفرت أيضا ناقلات لنقله إلى باكستان"، مؤكدا أن ثلاث شحنات نفطية وصلت إلى باكستان في التاسع من مارس/آذار، واضعة حدا للمخاوف من نقص محتمل في خضم أزمة الخليج.

وقال مسؤولون في قطاع الطاقة إن هذه الشحنات توفر متنفسا بالغ الأهمية لسلسلة إمدادات الطاقة في البلاد، في وقت تنفذ فيه الحكومة إجراءات تقشفية للحد من الطلب المحلي.

يشكل اعتماد باكستان على الطاقة المستوردة نقطة ضعف بنيوية مزمنة. ويُقدَّر احتياطي باكستان من النفط بنحو 9 مليارات برميل، واحتياطي الغاز بنحو 105 تريليونات قدم مكعبة. وبسبب هذا الضعف في الاستفادة من الموارد المحلية، تعتمد البلاد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من الطاقة، إذ تستورد نحو 29 في المئة من الغاز، و85 في المئة من النفط، و50 في المئة من غاز البترول المسال. ويأتي ذلك رغم اكتشاف احتياطيات جديدة تُقدَّر بنحو 193 مليون برميل من النفط و18.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز. مما يعني أن أي ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس سريعا على فواتير الواردات واحتياطيات النقد الأجنبي.

الانكشاف الاقتصادي لإسلام آباد

ولا تقتصر تكلفة الوقود على قطاع واحد، إذ تمتد إلى مجمل النشاط الاقتصادي. فالديزل يشغل الزراعة وشبكات الخدمات اللوجستية، فيما يستخدم البنزين في وسائل النقل. ويقود ارتفاع الأسعار إلى زيادة تكلفة الشحن والتوزيع، ثم إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية في نهاية المطاف.

أ.ف.ب
شاحنات صهاريج نفط متوقفة قرب محطة لتخزين النفط في كراتشي، 12 مارس 2026، في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة العالمية اضطرابات بسبب الصراع الدائر في الشرق الأوسط

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار الاضطرابات في أسواق الطاقة في الشرق الأوسط قد يوسع العجز التجاري لباكستان، ويفرض ضغوطا متجددة على الروبية.

ويقول خبراء الطاقة إن الأزمة تكشف الحاجة إلى استثمارات طويلة الأجل في الطاقة المتجددة، والتنقيب عن الغاز المحلي، وتحسين كفاءة التوزيع، وتوسيع وسائل النقل العام، لتقليص الاعتماد الكلي على الوقود.

وفرت لنا المملكة العربية السعودية النفط خلال هذه الأوقات الصعبة، بل وفرت أيضا ناقلات لنقله إلى باكستان

وزير النفط علي برويز مالك

من أبرز الإجراءات التي تضمنتها خطة التقشف إلزام 50 في المئة من موظفي المؤسسات العامة والخاصة العمل عن بعد، بما يقلص التنقل اليومي ويخفض استهلاك الوقود. كما ستعتمد المكاتب الحكومية نظام أربعة أيام عمل في الأسبوع، على أن تواصل القطاعات الحيوية، مثل البنوك والصناعة والزراعة، عملها بكامل طاقتها.

وامتدت تدابير الترشيد إلى المؤسسات التعليمية أيضا. فستغلق المدارس لمدة أسبوعين، فيما تتحول الجامعات والكليات مؤقتا إلى التعليم عبر الإنترنت، وهي خطوة يقول المسؤولون إنها ستحد بدرجة كبيرة من الحاجة إلى النقل واستهلاك الكهرباء.

رويترز
مشهد لمبنى البرلمان في إسلام آباد، باكستان، 21 أكتوبر 2024

وفرضت الحكومة كذلك خفضا بنسبة 50 في المئة على مخصصات الوقود لمؤسسات القطاع العام خلال الشهرين المقبلين، فيما سيعلق كليا تشغيل نحو 60 في المئة من المركبات المخصصة للدوائر الحكومية طوال فترة الطوارئ. وتستثنى سيارات الإسعاف ووسائل النقل العام من هذه القيود، ضمانا لاستمرار الخدمات الأساس بصورة طبيعية.

وأشاد البروفسور الدكتور رشيد أفتاب، مدير معهد رفاه للسياسات العامة في إسلام آباد، بالحكومة لفرضها هذه الإجراءات التي اعتبرها إيجابية، وقد جاءت استجابة لحالة عدم الاستقرار الإقليمي التي دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع بنسبة 20 بالمئة. وفي مقابلة هاتفية مع "المجلة"، قال أفتاب: "تسعى الحكومة إلى توفير ما بين 1.5 مليار دولار و2.7 مليار دولار سنويا من خلال هذه الإجراءات، وهو ما قد يفضي إلى انضباط مالي واستقرار واضح. وأعتقد أنها ستنجح في إنجاز هذه المهمة".

البرلمان ينضم إلى خفض الإنفاق

قدم البرلمان الباكستاني بدوره حزمة تقشفية خاصة به، استكمالا لحملة الحكومة الرامية إلى الحفاظ على الطاقة. فأصدر رئيس الجمعية الوطنية سردار أياز صادق قرارا بسحب نحو 70 في المئة من المركبات الرسمية التي يستخدمها موظفو البرلمان من الخدمة، وإبقائها في المواقف الحكومية، بما يخفض استهلاك الوقود داخل المؤسسة التشريعية على نحو ملحوظ. كما علقت مخصصات الوقود للمركبات المتبقية.

سحب نحو 70 في المئة من المركبات الرسمية التي يستخدمها موظفو البرلمان من الخدمة، وإبقائها في المواقف الحكومية، بما يخفض استهلاك المحروقات داخل المؤسسة التشريعية على نحو ملحوظ

وسيعمل نحو 80 في المئة من موظفي البرلمان عن بعد، فيما ستعقد اجتماعات اللجان عبر الإنترنت للحد من استهلاك الكهرباء وتكاليف النقل. وستعقد جلسات الجمعية قبل غروب الشمس للاستفادة من ضوء النهار وتقليص الحاجة إلى الإضاءة، كما ستعمل الأمانة العامة للبرلمان بنظام أربعة أيام عمل في الأسبوع.

وشملت الخطة أيضا تعليق الإنفاق على المشتريات إلى حد كبير، باستثناء الاحتياجات التشغيلية الأساس. ويهدف المسؤولون إلى خفض استهلاك الكهرباء بنسبة 70 في المئة داخل المجمع البرلماني عبر إطفاء الإضاءة والمعدات غير الضرورية. كما ستخفض نفقات المرافق في كافيتريات البرلمان بموجب الخطة.

تنازل عن رواتب الوزراء

امتدت حملة التقشف إلى القيادة السياسية وكبار موظفي الخدمة المدنية. فسيتنازل وزراء الحكومة عن رواتبهم لمدة شهرين، فيما ستخضع رواتب أعضاء البرلمان وتعويضاتهم لخفض مؤقت بنسبة 25 في المئة خلال الفترة نفسها.

وسيسهم المسؤولين الحكوميين الكبار في مناصب الدرجة 20 وما فوق، وكذلك الذين يتقاضون أكثر من 300 ألف روبية شهريا، أي نحو 1000 دولار، بما يعادل راتب يومين دعما للخزانة الوطنية.

كما ألغي السفر الخارجي غير الضروري لوزراء الحكومة ورؤساء وزراء الأقاليم والمحافظين، ما لم تعد الرحلات بالغة الأهمية للمصلحة الوطنية. ووجب أيضا عقد المؤتمرات والندوات الرسمية داخل المباني الحكومية بدلا من الفنادق، مع منع حفلات العشاء الرسمية والتجمعات الكبيرة في المرحلة الحالية.

التضخم يلقي بظلاله

يكمن التحدي أمام صناع السياسات في الحيلولة دون أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى اضطراب اقتصادي أوسع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على إمدادات طاقة موثوق بها.

أ.ف.ب
متداول يراقب أسعار الأسهم على لوحة رقمية في بورصة باكستان (PSX) في كراتشي، 10 مارس 2026

ويلقي التضخم بظلاله على الأسر التي تواجه ارتفاع تكلفة المعيشة، وقد تزداد هذه الصعوبات حدة إذا امتدت أزمة الوقود إلى الزراعة والنقل والصناعة.

ويؤكد المسؤولون أن إجراءات التقشف هذه مؤقتة، وستعاد مراجعتها حالما تستقر أسواق الطاقة العالمية.

ومع استمرار تداعيات الصراع المرتبط بإيران، قد تتوقف مرونة باكستان الاقتصادية إلى حد كبير على مدة هذا الاضطراب، وعلى قدرة البلاد على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية بفاعلية، بالتوازي مع التدابير الفورية الرامية إلى ترشيد استهلاك الطاقة.

font change

مقالات ذات صلة