أسواق النفط تأخذ "حرب إيران" على محمل الجد

السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية يمكنه منح الأسواق بعض الارتياح.. لكن إعادة فتح مضيق هرمز تبقى المفتاح الحقيقي لخفض الأسعار

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من انفجار في ميناء بندر عباس المطل على مضيق هرمز بعد الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران، 2 مارس 2026

أسواق النفط تأخذ "حرب إيران" على محمل الجد

بعد أكثر من أسبوع على ما يصفه الخبراء بأنه أكبر صدمة في إمدادات الطاقة في التاريخ الحديث، بدأت الأسواق أخيرا تستوعب خطورة التهديد الذي تشكله الحرب الإيرانية على الاقتصاد العالمي. فقد قفزت أسعار النفط إلى مستويات من ثلاث خانات قبل أن تتراجع لاحقا، فيما هوت أسواق الأسهم في أنحاء العالم.

ولا تبدو نهاية الصراع قريبة، إذ لا تزال الولايات المتحدة تصر على "استسلام إيران غير المشروط"، حتى بعدما اختارت طهران قائدا أعلى جديدا يعتقد أنه أشد تصلبا من والده. وفي الوقت نفسه، باتت الاقتصادات المتقدمة والنامية على السواء أمام معاناة حادة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة مع ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي والأسمدة والبتروكيماويات. أما المستفيد الاقتصادي الوحيد الواضح حتى الآن من حرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب فهو روسيا، التي حصدت بالفعل قدرا من تخفيف العقوبات، وتتمتع في الوقت نفسه بعائدات نفطية استثنائية نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على خامها الذي كان محظورا في السابق.

وارتفعت أسعار النفط بقوة في التداولات، إذ بلغ سعر البرميل القياسي 120 دولارا قبل أن يستقر لاحقا، بعد تقارير أفادت بأن دول مجموعة السبع ستجتمع يوم الاثنين لبحث أكبر عملية سحب طارئ من مخزونات النفط الاستراتيجية في التاريخ. وفي نهاية المطاف، قررت المجموعة عدم اللجوء إلى تلك المخزونات في الوقت الراهن، رغم أن هذا هو الغرض الأساسي من وجودها. لكن مجرد الحديث عن استجابة جماعية منسقة هدأ الأسواق. ومن المقرر أن تجتمع المجموعة مجددا لمواصلة النقاش بشأن السحب المحتمل، وهو خيار تدعمه الولايات المتحدة واليابان.

وفي التداولات، استقرت الأسعار القياسية للنفط عند نحو 95 دولارا للبرميل في لندن، ونحو 90 دولارا للبرميل في نيويورك. وللتذكير، فقد ارتفع السعر القياسي العالمي للنفط الخام بأكثر من 60 في المئة منذ بداية العام.

ومشكلة ارتفاع أسعار النفط متعددة الأبعاد، ولا تتيح كثيرا من المخارج السهلة.

أولا، حتى لو أفرجت مجموعة السبع بشكل منسق عن جزء كبير من احتياطياتها النفطية، بعدما ناقشت إطلاق ما بين 300 و400 مليون برميل من أصل مخزون يبلغ 1.2 مليار برميل، فإن ذلك سيبقى إجراء ترقيعيا لا يمس أصل المشكلة. فالمشكلة الأساسية تكمن في أن جزءا ضخما من إمدادات النفط العالمية مفقود، ومن غير المرجح أن يعود قريبا، لأن مضيق هرمز مغلق فعليا، ولأن عددا من كبار المنتجين، مثل العراق، بدأوا خفض إنتاجهم بعد نفاد طاقاتهم التخزينية.

لا يبدو أن هناك نهاية قريبة للصراع. واشنطن تصر على استسلام غير مشروط لإيران، وتختار طهران زعيما جديدا أكثر تشددا من والده

ولتقدير حجم التحول، أشارت شركة "كليرفيو إنيرجي بارتنرز"، وهي شركة استشارية متخصصة في شؤون الطاقة، في مذكرة بحثية، إلى أنه "في غضون ما يزيد قليلا على أسبوع، انتقل العالم من فائض مفرط في المعروض النفطي إلى عجز هائل". وتتوقع الشركة عجزا عالميا في الإمدادات يبلغ ثلاثة ملايين برميل يوميا في مارس/آذار، ويرتفع إلى ما يقارب سبعة ملايين برميل يوميا في أبريل/نيسان. وأضافت أن مجرد التعامل مع هذا العجز قد يستنزف نحو 300 مليون برميل من المخزونات العالمية للخام.

ولهذا العجز سببان مباشران: الأول أن ناقلات النفط لم تعد قادرة على عبور مضيق هرمز خشية الهجمات، بعدما شهدت المنطقة أكثر من اثنتي عشرة حادثة واعتداء على السفن منذ اندلاع الحرب. والثاني هو الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين. ويمكن لإيران أن تواصل تعطيل الملاحة بتكلفة منخفضة عليها، بصرف النظر عن الحلول المقترحة للتأمين البحري أو الخطط المطروحة لتوفير مرافقة بحرية.

وقال ماثيو ريد، نائب رئيس شركة "فورين ريبورتس" الاستشارية المتخصصة في شؤون الطاقة والشرق الأوسط: "السؤال الوحيد الذي يخيم على السوق الآن هو: متى سيعاد فتح مضيق هرمز؟ ولا أحد في إدارة ترمب يملك جوابا مقنعا عن ذلك. ولا بديل من إعادة فتح المضيق".

ومع امتلاء المخزونات ونفاد مساحات التخزين، بدأت كبرى الدول المنتجة تقليص إنتاجها النفطي. وكان العراق أول من فعل ذلك، ثم تبعته الكويت والإمارات، وتشير تقارير إلى أن البحرين والسعودية تسيران في الاتجاه نفسه. وملايين البراميل التي كانت تضخ يوميا توقفت الآن، واستمرار هذا التوقف لأكثر من بضعة أسابيع يهدد بإلحاق أضرار دائمة بالآبار وبالقدرة الإنتاجية في المستقبل.

وفي الوقت نفسه، يتسع نطاق التصعيد في المنطقة. فخلال عطلة نهاية الأسبوع، استهدفت إيران أعيانا مدنية ومحطات تحلية مياه في دول خليجية مجاورة، بينما أشعلت إسرائيل النار في مستودع وقود رئيس قرب طهران. واعترضت تركيا صاروخا إيرانيا ثانيا. كما تعرضت المصفاة الوحيدة في البحرين لهجوم جديد، واعترضت السعودية هجمات إيرانية استهدفت حقول نفط في شرق المملكة.

ناقلات النفط لم تعد قادرة على عبور مضيق هرمز خوفا من الهجمات، إذ وقعت أكثر من 10 حوادث واعتداءات على السفن منذ اندلاع الحرب

ويضيف ريد: "ما تسعره السوق أيضا هو مستوى المخاطر الحالي. الإيرانيون يحاولون بنشاط ضرب منشآت الإنتاج والاستخراج في الخليج. فإذا أصابت إحدى هذه الهجمات هدفها، فستنطلق الأسعار إلى مستويات فلكية".

لكن المعضلة الأساسية ما زالت في تعذر المرور عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي العالمية يوميا تقريبا. وتراجعت حركة العبور فيه منذ بداية الحرب من نحو مئة سفينة يوميا إلى سفينتين أو ثلاث فقط، وغالبا ما تكون هذه ناقلات إيرانية أو سفنا أخرى تقبل بالمجازفة.

ولن يبدد العرض الأميركي بتوفير غطاء تأميني جزئي، ولا الوعد بمرافقة بحرية في المستقبل، سوى جزء محدود من مخاوف شركات الشحن. وما لم تعد حركة الملاحة الطبيعية عبر المضيق، فستظل أسعار النفط مرتفعة، كما ستتواصل الاضطرابات في قطاعات أخرى، ولا سيما الزراعة.

ودعا ترمب شركات الشحن أن "تتحلى ببعض الجرأة" وتعبر مضيق هرمز، معتبرا أن الولايات المتحدة قضت تقريبا على القوة البحرية الإيرانية. لكن خبراء يرون أن البحرية الإيرانية ليست الخطر الرئيس على الملاحة في المنطقة، إذ إن التهديد الأكبر يأتي من الطائرات المسيرة والصواريخ والألغام والزوارق السريعة.

وقال ريد: "التأمين جزء من المشكلة، لكن يبقى على شركات الشحن أن توقع العقود، وأن تقول لطواقمها: أنتم ذاهبون إلى المخاطرة بحياتكم لإدخال ناقلة نفط إلى المضيق وإخراجها منه". وأضاف: "قد يعلن ترمب النصر غدا، ولن يغير ذلك شيئا. ما تحتاج شركات الشحن إلى سماعه هو أن إيران أعلنت وقف إطلاق النار".

أكبر المخاطر تأتي من الطائرات المسيرة والصواريخ والألغام البحرية والقوارب الصغيرة الإيرانية

وبدت تداعيات الأيام الماضية من الحرب قاسية بالفعل على المستهلكين في الولايات المتحدة، حيث قفزت أسعار البنزين والديزل. والوضع أشد سوءا في آسيا، لأنها الأكثر اعتمادا على النفط والغاز الطبيعي القادمين من الخليج. أما أوروبا، فتواجه ضررا مضاعفا مع الارتفاع الحاد في أسعار الغاز الطبيعي بالتزامن مع صعود أسعار النفط، إلى حد أن بعض صناع القرار بدأوا يطرحون فكرة استئناف تجارة الطاقة مع روسيا. وبعد أيام من تهديده بوقف تدفقات الغاز التي ما زالت موسكو ترسلها إلى أوروبا، عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الاثنين تزويد أوروبا، التي تعاني فجأة من نقص حاد في الطاقة، بالنفط والغاز عند الحاجة.

وتخرج روسيا حتى الآن أكبر المستفيدين من الحرب الإيرانية، إن لم تكن تكسبها اقتصاديا بالفعل، وإن لم ينطبق ذلك على حربها في أوكرانيا. فارتفاع أسعار النفط العالمية لا يرفع فقط سعر خام الأورال الروسي، بما يزيد إيرادات الدولة، بل إن توقف شحنات النفط من الخليج جعل النفط الروسي سلعة شديدة الطلب. والهند، التي واجهت متاعب كبيرة مع إدارة ترمب بسبب شرائها النفط الروسي الرخيص، إلى درجة فرض رسوم جمركية أميركية عليها بنسبة 50 في المئة، حصلت الآن من الإدارة نفسها على ضوء أخضر لاستيراد النفط الروسي الذي كان يعد غير مشروع وظل عالقا في البحر. وأكثر من ذلك، فإن خام الأورال، الذي كان يباع سابقا بخصم، أصبح الآن يتداول بعلاوة فوق الأسعار العالمية، لأنه من القليل من النفط القادر فعلا على الوصول إلى وجهته.

وطرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت فكرة توسيع تخفيف العقوبات على روسيا للمساعدة في احتواء النقص العالمي في النفط الناجم عن الحرب على إيران. وتشمل التدابير الإضافية التي تدرسها الإدارة لمعالجة قفزة أسعار الوقود، كما حدث في ولاية ترمب الأولى، منح إعفاءات من قانون جونز، وهو تشريع أميركي يفرض على الشحن الداخلي استخدام سفن أميركية الصنع والملكية والتسجيل والتشغيل، ما يرفع التكاليف على المستهلكين، ولا سيما على الساحل الشرقي.

وقبل أكثر من شهر بقليل، كانت روسيا تواجه لحظة حساب اقتصادي عسيرة، بعدما أخذت عائداتها من الوقود الأحفوري تتآكل تدريجيا تحت ضغط أربع سنوات من العقوبات المتزايدة الصرامة. ومع أن بعض المحللين يرون أن القفزة الحالية في أسعار النفط قد لا تكفي لإنقاذ الميزانية الروسية، التي تغرق في عجز عميق، فإنها تمنح الكرملين، على الأقل، شريان حياة مؤقتا.

font change

مقالات ذات صلة