إيران ولبنان... المؤشرات المبكرة لمخاطر "الانكفاء إلى الداخل"

السؤال الرئيس ليس عن قدرة طهران على الصمود بل عن رغبة دونالد ترمب في مواصلة القتال

أ ف ب
أ ف ب
صورة لموقع غارات جوية إسرائيلية ليلية في الضواحي الجنوبية لبيروت بتاريخ 16 مارس 2026

إيران ولبنان... المؤشرات المبكرة لمخاطر "الانكفاء إلى الداخل"

لم يعد يجدي القول إن العالم يحبس الأنفاس لمعرفة ما إذا كانت إسرائيل قد نجحت في اغتيال أمين "المجلس الأعلى للأمن القومي" الإيراني علي لاريجاني، وربما لاحقا أي شخصية قيادية إيرانية بما في ذلك "المرشد" الإيراني الجديد مجتبى خامنئي. فعمليات الاغتيال الإسرائيلية لم تعد تحمل عنصر مفاجأة كبيرا بعد أن بات يسود اعتقاد بأن تل أبيب باتت تستطيع أن تصل إلى أي كان من خصومها لمجرد أن تضعه على قائمة أهدافها ولمجرد أن تختار التوقيت المناسب ولمجرد أن تتوفر فرصة لتنفيذ العملية. فمنذ اغتيال الأمين العام السابق حسن نصرالله في سبتمبر/أيلول 2024 أعلنت إسرائيل أنها "قوة اغتيال" لا تضاهى ولا ينافسها أحد في هذا المضمار حتى الولايات المتحدة نفسها، وهي كرّست هذا الانطباع وهذه الصورة مع إعلان اغتيال "المرشد" الإيراني الراحل علي خامنئي والعشرات من أركان القيادة الإيرانية صباح السبت 28 فبراير/شباط 2026.

غير أن هذه الاغتيالات التي تعلن بوضوح التفوق الاستخباري والتكنولوجي الإسرائيلي لا تحسم الحرب وإن كانت تضعف "هيبة" الخصم وتمسّ كبرياءه وتربكه في إدارة المعركة. فحسم الحرب مسألة أكثر تعقيدا ولاسيما عندما يكون الخصم مثل إيران أو مثل "حزب الله" اللذين يمتلكان تعريفا خاصا للانتصار والهزيمة، بحيث إن مجرد صمودهما ومنع أعدائهما من القضاء عليهما يمثل بحد ذاته انتصارا لهما، أيا تكن الأكلاف البشرية والمادية والسياسية للمواجهة، وأيا يكن حجم الاختلال في موازين القوى العسكرية الناشئ عن المواجهة وانعكاسه على "توازن الردع". والأهم أنهما يحددان بأنفسهما أهداف أعدائهما بحيث يظلان قادرين على إعلان إفشالها. ولكنها أهداف لا تعكس بالضرورة الأهداف الحقيقية للحرب بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل وهي أهداف متحركة حكما بحسب طبيعة المعركة ونتائجها.

فالنظام في إيران يروّج أن هدف واشنطن وتل أبيب الآن إسقاطه، لكن في الواقع فإن كلتا الدولتين لم تعلنا أن هذا هو هدفهما النهائي من الحرب أو أنهما لن تنسحبا منها إلا بعد تحقيقه. فقد تكتفي الدولتان في المرحلة الراهنة بـ"احتواء" البرنامج النووي الإيراني، وتحجيم قدرات طهران العسكرية، وبالتالي منعها من تشكيل تهديد خطير ومستمر لإسرائيل وربما لدول المنطقة أقله في الأكد القريب والمتوسط. وهذا ما يجعل النظام الإيراني يركّز، بالضرورة، على البقاء داخليا عوض التفكير في التوسع خارجيا كما كانت عليه الحال منذ أكثر من عشرين عاما، وتحديدا منذ إسقاط نظام صدام حسين في العراق.

جزء رئيس من مآلات هذه الحرب يتوقف على مدى الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة، وهو ما ينطبق تحديدا على المواجهة الدائرة حاليا في مضيق هرمز

وهذا ليس تفصيلا بالنسبة لنظام مثل النظام الإيراني بنى سرديته التأسيسية على "تصدير الثورة"، فإذا به ينكفئ إلى الداخل مع تراجع قدراته العسكرية الجوية والبحرية والصاروخية ومع أزمة اقتصادية متفاقمة وتراجع لافت في شعبيته، ولاسيما بعد الاحتجاجات الأخيرة التي اندلعت في وجهه ابتداء من 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي والتي واجهها بقمع غير مسبوق أسس لوعي إيراني جديد تجاهه يصعب عليه تجاوزه. ومن مؤشرات هذا التحوّل عدم ظهور وعي قومي إيراني في صفوف شرائح ونخب من المعارضة الإيرانية خلال الحرب الحالية كما كانت عليه الحال خلال حرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران الماضي.

لكن هذه الأسئلة عن مستقبل النظام تبقى مفتوحة بطبيعة الحال وتحتمل سيناريوهات عدة قد يكون أحدها أن تستطيع "الجمهورية الإسلامية" إعادة إنتاج نفسها بصيغة مخففة ومرنة تسمح بإبرام تفاهم أو اتفاق جديد مع الولايات المتحدة. وربما سيؤدي إضعاف النظام من الخارج مع إضعافه عسكريا وتوسع لائحة خصومه والضغوط الاقتصادية، ومن الداخل في ظل النقمة الشعبية الكامنة، إلى سقوطه في مرحلة لاحقة، وستكون إحدى المفارقات وقتذاك أن إسرائيل دمرت القدرات العسكرية لنظام بشار الأسد عقب سقوطه، أما في إيران فهي تدمّر بالاشتراك مع الولايات المتحدة القدرات العسكرية للنظام قبل سقوطه.

أ ف ب
مدفع هاوتزر ذاتي الحركة إسرائيلي يطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود في 15 مارس 2026

وما يُغفل عنه خلال المواجهة الحالية أنّ سؤالها الرئيس ليس عن قدرة النظام الإيراني على الصمود، بل عن رغبة دونالد ترمب في مواصلة القتال. فمع دخول الحرب أسبوعها الثالث يتبين بوضوح أن الإعلان الأميركي والإسرائيلي عن تدمير 90 في المئة من مقدرات إيران العسكرية ليس للدعاية الحربية وحسب ما دامت الوقائع العسكرية لا تدحضه في ظل تراجع قدرة إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية ولاسيما باتجاه إسرائيل، بينما تستخدم الطائرات المسيرة بصورة مكثفة لاستهداف جوارها الإقليمي. بالتالي فإنه بمجرد أن يأخذ دونالد ترمب قرارا باستكمال المواجهة "حتى استكمال المهمة" فإن ذلك سيكون كفيلا بهزيمة إيران عسكريا. وإن كان ذلك لا يعني أن الحرب ضد إيران بمثابة نزهة، وأن طهران لا تمتلك أدنى مقومات الصمود، لكن ما يجدر التوقف عنده بعد ثلاث سنوات من الحرب الإقليمية أن إسرائيل أيضا، والتي كانت توصف في أدبيات "محور المقاومة" بأنها أوهن من بيت العنكبوت تمتلك أيضا مقومات للصمود، وأنها مستعدة أيضا لدفع أكلاف المواجهة.

وإذا أردنا فتح المزدوجين قليلا قبل العودة إلى الداخلين الإيراني واللبناني، فإنه من الحري القول إن جزءا رئيسا من مآلات هذه الحرب يتوقف على مدى الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة، وهو ما ينطبق تحديدا على المواجهة الدائرة حاليا في مضيق هرمز. فتصميم ترمب على تحييد الخطر الإيراني في هذا المضيق الحيوي يعني عمليا أن الإدارة الأميركية منخرطة بقوة في المستقبل السياسي والاقتصادي للمنطقة، أما خلاف ذلك فيعني أنّ واشنطن غير مستعدة أن تدفع أكلافا في هذه المنطقة أعلى من أهميتها الاستراتيجية بالنسبة لها. وهو ما يحيلنا إلى دعوة ترمب لـ"الدول التي يعتمد اقتصادها على هذا المضيق للمشاركة في إعادة فتحه"، قائلا: "هناك دول تعتمد على المضيق بشكل كبير، يحتاجون لمصادر الطاقة والنفط بنسبة 99 في المئة ويجب أن يساعدونا". وأضاف: "في وقت قريب سننتج ثلاث مرات أكثر من أي دولة أخرى، وهذا بعيدا عن فنزويلا. استخرجنا ملايين البراميل من أماكن مختلفة". ما يفهم من كلام ترمب أنه لا يعتمد على واردات الطاقة الإقليمية مثل دول أخرى، وهو ما يطرح سؤالا عن مدى استعداده لتحمل كلفة هذه المواجهة لوحده من دون الدول المعنية بإمدادات هذا المضيق الحيوي.

انخراط "حزب الله" في الحرب وفق التوقيت الإيراني أحبط أي إمكانية لتقديم عنوان لبناني لها

بيد أن تركيز المواجهة في مضيق هرمز، وبدفع إيراني بهدف رفع كلفة الحرب على العالم ودفعه للضغط على ترمب لوقف الحرب خشية اندلاع أزمة طاقة عالمية، لا يختصر مشهد الحرب كله، ولاسيما مع اتساعها لتشمل لبنان وبدرجة أقل العراق، مع الأخذ في الحسبان أن هذا الاتساع لم يصل إلى حد اندلاع حرب إقليمية شاملة كما هدد "المرشد" الراحل علي خامنئي قبل نحو أسبوعين من اغتياله، ولاسيما أن الدول الإقليمية التي استهدفت إيران أراضيها، لا تزال تتخذ موقفا دفاعيا ولم تدخل في المواجهة.

الانكشاف السياسي والعسكري للبنان

إلى ذلك، ثمة أوجه شبه للبعد الداخلي لهذه الحرب سواء في الداخل الإيراني أو في لبنان مع اختلاف حجم المواجهة في كلا البلدين، واللذين أصبحا جبهتين متصلتين لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى، وهو ما يدفع باتجاهه كلا الطرفين، وما أكّده أساسا دخول "حزب الله" في الحرب، بعد امتناعه عن الرد على إسرائيل طيلة الخمسة عشر شهرا الماضية على الرغم من قصفها مواقعه واغتيالها كوادره وعناصره. هذا لا يعني أنه ليس لـ"حزب الله" أسبابه الخاصة للدخول في هذه المواجهة وفي مقدمتها محاولة الخروج من الوضع الاستنزافي الذي كان خاضعا له طيلة الفترة الماضية من خلال الرهان على نتائج الحرب ضد إيران، على قاعدة أن صمود النظام في إيران، يجعله شريكا في هذا "الانتصار" بما قد يعوضه سياسيا ومعنويا مفاعيل هزيمة عام 2024.

ولكن رهان "الحزب" هذه المرة هو بمثابة قفزة في الهواء لسببين:

- أولا لأنّ إسرائيل ستسعى وبضوء أخضر أميركي لإضعاف ما تبقى من قدراته، وستكبد الدولة والمجتمع اللبناني، تحديدا سكان المناطق الممتدة من الجنوب اللبناني إلى العاصمة بيروت، أكلافا إنسانية ومادية كبيرة، لا مبالغة في القول إنها تقارب "النكبة". ولاسيما أن الرهان على تعويض الردع المتهافت في لبنان بالردع المتفاوت في إيران هو مخاطرة موصوفة بالنظر إلى موازين القوى الحالية في الحرب، بحيث إن منسوب الردع الإيراني في تراجع مستمر منذ بدء المواجهة، وما انتقال طهران إلى تركيز المواجهة في مضيق هرمز إلا دليل على ذلك.  

- ثانيا، لأن "حزب الله" انخرط في الحرب في توقيت إيراني ومن خارج أي مقدمات سياسية ووطنية لبنانية، بما يجعل لبنان مكشوفا ليس عسكريا وحسب بفعل انهيار "توازن الردع" بين "الحزب" وإسرائيل خلال حرب 2024، بل سياسيا أيضا، من حيث أن انخراط "الحزب" في الحرب وفق التوقيت الإيراني أحبط أي إمكانية لتقديم عنوان لبناني لها.

وهذا ما يفسّر إحجام رئيس البرلمان نبيه بري عن دعم خطوة "حزب الله" في فتح الجبهة مع إسرائيل، على اعتبار أن أسبابها الإيرانية تطغى وبما لا يقاس على أسبابها اللبنانية، وهذا بحد ذاته انكشاف سياسي ليس لـ"حزب الله" والطائفة الشيعية وحسب، بل للبنان كله، وهو ما يفسّر ارتباك موقف الدولة اللبنانية من المفاوضات مع إسرائيل، فإذا كان رئيسا الجمهورية والحكومة جوزيف عون ونواف سلام يدعوان إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لوقف الحرب، فإن رئيس البرلمان وإن كان لم يرفض قطعيا مبادرة الرئيسين عون وسلام، إلا أن موقفه العلني هو الاحتكام مجددا إلى اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بينما لا مبرر لبنانيا لـ"حزب الله" لخوض هذه الحرب إلا إذا كان هدفه تعديل الاتفاق المذكور لصالح لبنان، وهو ما يبدو مستحيلا في ظل مجريات المواجهة الحالية، إذ قد يواجه لبنان شروطا إسرائيلية أقسى في أي مفاوضات مستقبلية في ظل استباحتها الأجواء اللبنانية وسعيها لاحتلال الجنوب اللبناني وحتى ربما مناطق في البقاع.

غياب أيّ طرح مقنع وذكي يتعلّق بلبنان في الحرب الحالية يدفع "إيرانيّة" "حزب الله" إلى أقصاها، وإلى درجة تصعب معها عودته إلى أيّ عنوان لبناني، إلا من باب التهديد بـ"الانقلاب على الداخل"

وهنا يمكن استحضار الأثر البالغ للاغتيالات السياسية في جسم الأنظمة والأحزاب وإن كان لا يقضي عليها. فطيلة حرب "إسناد غزة" التي بدأت في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله، يحاول أن يترك هامشا لبنانيا واضحا لهذه المعركة من خلال ضبط سقوفها وفق قدرات لبنان على تحملها، ولكي لا تجر أي خطوة غير محسوبة من قبل "الحزب" عدوانا إسرائيليا موسعا، وهذا ما سمح بوجود خط دبلوماسي أميركي بموازاة هذه المواجهة قاده المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين.

صحيح أن كل محاذير نصرالله لم تستبعد العدوان الإسرائيلي الذي ذهب ضحيته هو نفسه، لكنه لم يبدد الهامش اللبناني للمعركة على الرغم من طابعها الإقليمي، أو أقله هذا ما بدا من موقفه. أمّا الآن فلا قدرة للقيادة الجديدة لـ"حزب الله" على تثبيت هامش لبناني مقنع وبهذا التوقيت بالذات لهذه المواجهة، وهو ما يزيد من مخاطرها باعتبار أن موقف "الحزب" الراهن يستجلب غطاء أميركيا وغربيا مفتوحا لإسرائيل في هذه الحرب، لـ"القضاء" عليه. ولكن هذا لا يعني أن هدف إسرائيل القضاء على "حزب الله" بالمعنى الحرفي، خصوصا بعد تجربتها مع "حماس" في غزة، ولكنها تريد إضعافه وفرض شروط تفاوضية أقسى على لبنان.     

أ ف ب
يتصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت منطقة في الضاحية الجنوبية لبيروت في 17 مارس 2026

وهذا لا يحيلنا إلى المشكلة في العلاقة بين الدولة و"حزب الله"، أو بين شرائح واسعة في المجتمع اللبناني و"حزب الله"، بل إلى المشكلة داخل "حزب الله" نفسه، وهي تقلص هامشه اللبناني بعد اغتيال نصرالله، وليس قليل الدلالة في هذا السياق أنه في الحرب السابقة لم يبرز حضور لـ"الحرس الثوري" الإيراني في لبنان كما هي الحال الآن.

وهاتان مشكلتان مترابطتان أصلا، خصوصاً أنّ غياب أيّ طرح مقنع وذكي يتعلّق بلبنان في الحرب الحالية يدفع "إيرانيّة" الحزب إلى أقصاها،  وإلى درجة تصعب معها عودته إلى أيّ عنوان لبناني، إلا من باب التهديد بـ"قلب الطاولة على البلد والحكومة"، كما قال قيادي كبير في "حزب الله"، وكخيار أخير لتعويض "تهافت الردع"، وهذا في آخر المطاف صدى بعيد لانكفاء النظام الإيراني إلى الداخل، وقد بدأت مؤشراته بتهديد المعارضين في شوارع طهران بمكبرات الصوت وعبر الرسائل الهاتفية!

font change

مقالات ذات صلة