في ظل التصعيد المتزايد بين الولايات المتحدة وإيران، لا يمكن اعتبار تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شأن استخدام طهران للذكاء الاصطناعي في حملات التضليل أمرا عابرا أو مفاجئا. فإيران تمتلك بالفعل تاريخا ممتدا في توظيف العمليات المعلوماتية للتأثير في الإدراك العام وتوجيه الرأي العام، سواء داخليا أو خارجيا. إلا أن ما نشهده اليوم لا يقتصر على استمرار هذه الأنشطة، بل يتجلى في تحول نوعي في أدواتها، وسرعة تنفيذها، واتساع نطاق تأثيرها.
على مدار العقد الماضي، اعتمدت طهران على وسائل تقليدية نسبيا مثل الشبكات الوهمية، وأساليب الهندسة الاجتماعية، وحملات التأثير الرقمي المنخفضة التكلفة لتحقيق أهدافها السياسية والأمنية. غير أن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي - بما يشمل توليد النصوص والصور، وإنشاء شخصيات رقمية مقنعة - أحدث نقلة نوعية في هذه العمليات، حيث أصبح في الإمكان إنتاج محتوى واسع الانتشار بوتيرة غير مسبوقة، وبدرجة واقعية تجعل التمييز بين الحقيقي والمصطنع أكثر صعوبة.
في المقابل، لا يقتصر توظيف الذكاء الاصطناعي في النزاعات المعاصرة على إيران وحدها. فقد طورت الولايات المتحدة برنامج "Project Maven" لتحليل بيانات الاستطلاع وتحسين دقة تحديد الأهداف، كما استخدم الجيش الإسرائيلي أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل "The Gospel"، لتعزيز قدراته في عمليات الاستهداف. ومع ذلك، يكمن الاختلاف الجوهري في طبيعة الاستخدام، إذ يوظف الذكاء الاصطناعي في السياقين الأميركي والإسرائيلي لتعزيز الكفاءة العملياتية في ميدان القتال، بينما يبدو أن إيران—في ظل محدودية مواردها واعتمادها على استراتيجيات غير متكافئة—تستخدمه كأداة منخفضة التكلفة لتوسيع نطاق حرب السرديات والتأثير النفسي.
إرث التضليل
لم تبدأ إيران استخدام الفضاء الرقمي كساحة للصراع مع ظهور الذكاء الاصطناعي، بل عملت على مدى أكثر من عقد على بناء نموذج متماسك للحرب المعلوماتية، يقوم على الخداع الرقمي، وانتحال الهويات، واستغلال الثقة البشرية لتحقيق أهداف سياسية وأمنية.
وعند الحديث عن "مجموعات التهديد المتقدمة المستمرة" في السياق الإيراني، فإن الأمر لا يتعلق بأفراد معزولين، بل بفرق منظمة تعمل على المدى الطويل، تستهدف جهات بعينها، وتدمج بين الاختراق التقني وأساليب الهندسة الاجتماعية، ليصبح الفضاء الرقمي أداة مزدوجة، فهو وسيلة لاختراق الأنظمة من جهة، ويصبح مدخلا للوصول إلى دوائر النخبة السياسية والإعلامية والبحثية من جهة أخرى، بما يجعل الحرب المعلوماتية جزءا لا يتجزأ من بيئة استخبارية أوسع، وليس مجرد نشاط تقني منفصل.

