أسئلة الوجود في "يحمل سلة مزدحمة بالماضي" لجرجس شكري

سيرة شعرية للإنسان المعاصر

غلاف مجموعة "يحمل سلة مزدحمة بالماضي"

أسئلة الوجود في "يحمل سلة مزدحمة بالماضي" لجرجس شكري

يكتب الشاعر المصري جرجس شكري (1967) من داخل الحياة اليومية، ويحول تفاصيلها الهادئة إلى مادة للتأمل، إذ تميل تجربته إلى الاقتصاد في العبارة والاعتماد على الصورة المكثفة التي تفتح المعنى على مساحات شعرية واسعة. تتشكل عبر دواوينه المتعاقبة ملامح شاعر ينظر إلى العالم بعين الإنسان العادي، ويمنح العابر والهامشي قيمة جمالية داخل القصيدة، فيما أسهمت خبرته، في مجال النقد المسرحي، في صوغ حس مشهدي واضح في قصيدته، حيث تتحرك الشخصيات والأصوات داخل فضاء يشبه خشبة صغيرة للحياة.

في مجموعته الشعرية الجديدة، "يحمل سلة مزدحمة بالماضي"، الصادرة عن دار "آفاق" في القاهرة (2026)، تتجاور الطفولة مع الشيخوخة، والحياة مع الموت، والحلم مع الوقائع اليومية. وتغدو القصائد أشبه بمسرح داخلي تتحرك فوقه شخصيات عديدة: طفل، جندي، عامل، ملاك، عاشق، شاعر، ومواطن يراقب العالم من نافذة البيت.

يميل الشاعر إلى بناء صور تقوم على المفارقة والدهشة، مستخدما لغة تبدو مباشرة في ظاهرها، غير أنها تنطوي على رمزية متراكبة. وتقترب هذه اللغة أحيانا أخرى من الكلام اليومي، يدفعها الشاعر نحو أفق تأملي يربط الإنسان بأسئلة الوجود والقدر والزمن.

الهشاشة البشرية

تشكل الذاكرة في هذه المجموعة مركز البناء الشعري، إذ تبدو معظم القصائد كأنها محاولة لاستعادة عالم مضى، غير أن هذه الاستعادة تتجاوز حدود الحنين التقليدي. تعمل الذاكرة هنا مثل عدسة تكشف هشاشة الحياة البشرية، كما تكشف أيضا جمالها الخفي.

في قصيدة بعنوان "من حديقة الذاكرة"، يرسم الشاعر مشهدا طفوليا بسيطا يتحول تدريجيا إلى تأمل وجودي في مصير الإنسان، يقول: "في طفولتي/ كان يسكن بيننا ملاك/ لم أعد أذكر اسمه/ وجهه الشاحب/ ما زال يملأ ذاكرتي/ كسماء صافية".

تتحول كل ذكرى إلى حكاية صغيرة عن الزمن الإنساني، وتقود كل حكاية إلى سؤال أعمق عن معنى الوجود

تكشف الصورة في المقطع السابق طبيعة العلاقة بين الذاكرة والخيال في شعر جرجس شكري، فالملاك هنا قد يكون شخصا حقيقيا عاش في الطفولة، وقد يكون صورة رمزية للبراءة الأولى، لتتحول الذكرى إلى سماء صافية، أي إلى فضاء مفتوح يتجاوز حدود الشخص ذاته.

تتابع القصيدة بعد ذلك رسم مصير هذا الكائن الغامض الذي اختفى بعيدا، فيتحول إلى رمز لكل ما يغادر حياة الإنسان دون أثر واضح: "الملاك الذي كان يقيم بيننا/ أبدا لم يتذوق طعم الحياة/ ولم يعرف السعادة/ ودائما/ ما كان يجادل النجوم/ وينام بعيدا/ عن صراع الطبقات". بهذه الطريقة يخلق الشاعر نوعا من الحزن الهادئ الذي يسكن القصيدة دون صراخ.

لعل الذاكرة في هذه المجموعة تتجاوز كونها أرشيفا للصور القديمة، لتغدو أرضا يعيش فيها الشاعر من جديد. تتحول كل ذكرى إلى حكاية صغيرة عن الزمن الإنساني، وتقود كل حكاية إلى سؤال أعمق عن معنى الوجود.

الإنسان العادي بطلا

يلتفت الشاعر في هذه المجموعة إلى الإنسان البسيط بوصفه بطلا مركزيا في القصائد، وتحديدا إلى الشخصيات الهامشية: الجندي الذي فقد ساقيه، الأرملة التي زرعت الألم في حديقة البيت، العمال الذين يحملون التراب فوق رؤوسهم، الباعة الذين يجرون عرباتهم في الشوارع.

REUTERS/Anindito Mukherjee
حمال بسلة مليئة بالخضروات في الصباح الباكر في الأحياء القديمة من دلهي، 3 ديسمبر 2013

تتحول هذه الشخصيات في القصائد إلى مرآة تعكس مأساة الإنسان المعاصر، حيث يبدو العالم مثقلا بالحروب والفقر والضياع، بينما يقدم الشاعر هذه المآسي بلغة هادئة بعيدة عن الخطابة، فتكتسب التجربة عمقها الإنساني وتأملها الهادئ.

في قصيدة بعنوان "الرحلة"، يحشد الشاعر مجموعة من الشخصيات المتضررة من الحرب والحياة، ثم يجعلها تقرر الذهاب إلى بيت القدر، فيقول: "الجندي الذي فقد ساقيه في الحرب/ الفتاة التي ألقت بحياتها من النافذة/ المولود أعمى/ والأرملة التي زرعت الألم في حديقة البيت/ المدينة التي التهمت الحرب بيوتها/ وأطفالها/ وكل المساكين بالروح./ اجتمعوا وقرروا الذهاب إلى بيت القدر/ طرقوا الباب بقوة/ وحين لم يفتح أحد/ حطموه/ فاختفت أيديهم".

يحمل المقطع/ المشهد السابق طابعا مسرحيا واضحا، حيث تتصرف الشخصيات مثل ممثلين على خشبة رمزية للعالم، وتكشف النهاية عبثية التجربة الإنسانية حين يعود الجميع يجرون جهلهم من جديد.

تتجلى هنا قدرة الشاعر على تحويل الواقع الاجتماعي إلى رؤية شعرية، حيث يحمل الإنسان العادي في القصائد أسئلة كونية تتجاوز حدود حياته اليومية.

مسرحة القصيدة

ينتمي جرجس شكري إلى عالم المسرح النقدي، وهذه الخلفية الثقافية تظهر بوضوح داخل هذه المجموعة، فالعديد من القصائد تعتمد على بناء مشهدي قريب من المشهد المسرحي، حيث تتحرك الشخصيات داخل فضاء محدد وتدور بينها حوارات ضمنية. ويظهر ذلك بوضوح في قصيدة "مسرحية مأساوية" التي تمثل مثلا واضحا على هذا التداخل بين الشعر والمسرح. تبدأ القصيدة بجثة على الخشبة، ثم يتحول الحدث تدريجيا إلى فوضى بين الممثلين والجمهور، حتى تختفي الحدود بين الحياة والعرض المسرحي.

يمنح هذا النوع من البناء طاقة درامية قوية للقصيدة، فيشعر القارئ بأنه يعاين مشهدا حيا أكثر من قراءته نصا شعريا. يتحول المسرح هنا إلى استعارة للعالم، إذ يؤدي الجميع أدوارا غير واضحة النهاية.

يمنح هذا النوع من البناء طاقة درامية قوية للقصيدة، فيشعر القارئ بأنه يشاهد مشهدا حيا أكثر من قراءته نصا شعريا

يستخدم الشاعر هذه التقنية لطرح أسئلة حول العلاقة بين الواقع والتمثيل. فالبشر في القصائد يظهرون كأنهم ممثلون داخل مسرح كبير اسمه الحياة، وكل منهم يرتدي قناعا مختلفا. كما يستخدم السخرية بطريقة هادئة تكشف تناقضات الواقع. وتأتي هذه السخرية بهدف كشف المفارقة بين ما يعلنه العالم وما يعيشه الإنسان فعليا.

في قصيدة بعنوان "الناس في بلادي سعداء"، يظهر هذا البعد بوضوح، إذ تعرض القصيدة صورة مجتمع يعلن سعادته بشكل متكرر، غير أن التفاصيل تكشف عكس ذلك. فالمدينة توضع فوق الطاولة مثل شيء ميت، و"الديمقراطية في غسالة الملابس"، والتاريخ يمشي بوجه مستعار، و"الجوع يغني دون أن يسمعه أحد".

REUTERS/Ueslei Marcelino
عامل يحمل كيسا من الحصى على سلم إلى سطح منزل قيد الإنشاء في إسلام آباد، باكستان، 26 مايو 2017

تتحول السخرية هنا إلى أداة نقد اجتماعي وسياسي، فيقدم الشاعر صورة مجتمع يعيش داخل خطاب رسمي عن السعادة بينما الحقيقة تسير في اتجاه آخر تماما، مما يمنح القصيدة قوة رمزية كبيرة.

من السمات اللافتة أيضا حضور الجسد بوصفه مساحة للتأمل الوجودي، ففي العديد من القصائد يتناول الشاعر أعضاء الجسد كأنها كائنات مستقلة تمتلك إرادتها الخاصة. فاليد تبكي، والرأس يهرب في المساء، بينما الحذاء يتجول في الشوارع.

يضفي هذا الأسلوب طابعا سورياليا خفيفا على أجواء القصائد، فتتحول الأشياء اليومية إلى شخصيات داخل العالم الشعري، ويصبح الجسد وسيلة لفهم العلاقة بين الإنسان والعالم.

في قصيدة "يدي" تتحول اليد إلى كائن يعاتب صاحبها ويطالبه بالعودة إلى يد الحبيبة الغائبة. يجمع هذا المشهد بين الطرافة والحزن في وقت واحد، وتتحرك اللغة بين الواقعي والخيالي بطريقة مرنة تمنح القصيدة طاقة تخييلية واسعة.

رؤية واسعة للعالم

يمثل العنوان "يحمل سلة مزدحمة بالماضي" مفتاحا أساسيا لفهم روح المجموعة. فالسلة ترمز إلى الذاكرة الإنسانية التي تجمع ما مر في حياة الإنسان، ويشير الازدحام داخلها إلى كثافة التجارب التي يحملها الفرد في داخله. والرجل الذي يمشي بهذه السلة يشبه الشاعر نفسه، كما يشبه أي إنسان يسير في الحياة مثقلا بذكرياته.

تتحرك القصائد داخل هذا الفضاء الرمزي، فيصبح الماضي جزءا من الحاضر في كل لحظة. يمنح هذا التصور المجموعة طابعا تأمليا عميقا، إذ يغدو الماضي قوة مستمرة تشكل وعي الإنسان وتحدد علاقته بالعالم.

تجمع "يحمل سلة مزدحمة بالماضي" بين التأمل الفلسفي والحس الإنساني العميق، فتبدو قصائدها بسيطة في ظاهرها، غير أن هذه البساطة تخفي رؤية واسعة للعالم. وتتحرك اللغة بين السرد والمشهد والحلم، وتعتمد الصور الشعرية على المفارقة والدهشة، وتنتمي الشخصيات إلى الحياة اليومية بقدر انتمائها إلى الخيال.

يحول الشاعر الماضي إلى مادة شعرية حية، ويجعل من القصيدة مكانا يلتقي فيه الإنسان طفولته وأحلامه وخساراته

تمثل الذاكرة القلب النابض لهذه التجربة، فالشاعر يحول الماضي إلى مادة شعرية حية، ويجعل القصيدة مكانا يلتقي فيه الإنسان طفولته وأحلامه وخساراته.

by Amir MAKAR / AFP
مشهد جوي لجامع عمرو بن العاص في منطقة الفسطاط ومصر القديمة، مع جزيرة المنيل ونهر النيل في القاهرة، 28 أبريل 2023

تظهر، عبر هذه الرحلة، صورة شاعر يسير في العالم حاملا سلة كبيرة من الحكايات، وكل قصيدة تمثل محاولة لترتيب ما في تلك السلة من أيام. هكذا تتحول المجموعة إلى سيرة شعرية غير مباشرة للإنسان المعاصر، ذلك الكائن الذي يسير بين المدن والذكريات والحروب وهو يحاول أن يفهم موقعه في هذا الكون الواسع.

font change