بصرف النظر عن التصريحات المتضاربة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وبعض القادة الإيرانيين بشأن التوصل إلى اتفاق عامٍ وشاملٍ ينهي الحرب الدائرة بين إيران وكل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وسواء كانت تأكيداً على اتصالاتٍ جدية بين طرفي الصراع أم "تكتيكيةً" من جانب ترمب بهدف "خفض أسعار الطاقة وكسب الوقت لخططه" كما قالت وزارة الخارجية الإيرانية، فإن التأكيد والنفي يكشفان عما هو أعمق من مجرد خلافٍ واختلافٍ في التفكير والأداء بين ذهنية رجل الصفقات الأميركي المتعجل للخروج من هذا المأزق وعقلية حائك السجاد الإيراني المتمهل الذي يبدو كأنه لم يعد لديه شيءٌ ليخسره، ويذهب بنا هذان التناقضان إلى جوهر هذا الصراع الذي لا يمكن لأي اتفاق أن يجتثه من جذوره ويمنع هذه الحرب من أن تتكرر وتلد حروباً أخرى.
مشاهد الدم والدمار وسحب الدخان التي تعالت في سماء الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأربعة الماضية لم تكن جديدةً على المنطقة، لكنها أعادت بشكلٍ أكثر دراماتيكية رسم صورة المشهد القائم في هذه المنطقة منذ قيام إسرائيل في 14 مايو/أيار 1948. وتكرر طرح ذات الأسئلة الكبرى حول مستقبل العلاقة بين هذا الجزء الحيوي من العالم والولايات المتحدة الأميركية التي تتسيد النظام العالمي اليوم منذ نهاية الحرب الباردة عام 1990.
لطالما كان البحث دائماً يتركز دون نتائج على إمكانية أن يحل السلام بديلاً عن النزاع الذي كان أساسه الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ليتحوَّل اليوم إلى صراع أيديولوجي وجيوسياسي أوسع خصوصاً بعد أن انضمت إليه إيران منذ أول يوم على اندلاع الثورة في طهران وقيام "الجمهورية الإسلامية" قبل 47 عاماً. وزادت من تعقيدات هذا الصراع طموحات طهران النووية وبرنامجها الصاروخي وتدخلاتها في شؤون الكثير من البلدان العربية والتي تفاقمت اليوم أكثر بالاعتداءات غير المبررة لإيران على دول الخليج المجاورة.

