لماذا لم تستخدم الصين أسطولها البحري في هرمز؟https://www.majalla.com/node/330372/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%84%D9%85-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2%D8%9F
ليس من قبيل الصدفة تماماً أن يتزامن اتضاح معالم أزمة مضيق هرمز، على خلفية الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، مع نشر مجلة "تشيوشي" (طلب الحقيقة)، الناطقة باسم اللجنة المركزية لـ"الحزب الشيوعي الصيني"، في منتصف مارس/آذار، مقالاً للرئيس شي جينبينغ حول تطوير الاقتصاد البحري، شدد فيه على ضرورة تسريع بناء "دولة بحرية قوية"، في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة في التفكير الاستراتيجي الصيني تجاه البحر.
ومنذ عام 2020، سرعت الصين وتيرة تحديث أسطولها البحري، فأدخلت إلى الخدمة حاملة الطائرات "فوجيان"، ثالث حاملاتها، إلى جانب سفن إنزال برمائي وفرقاطات متطورة وعدد كبير من المدمرات الثقيلة ونحو ست غواصات نووية، في سياق يعكس واحدة من أسرع عمليات بناء القوة البحرية في العالم. ورغم هذا التوسع اللافت، تجنبت بكين استخدام قوتها البحرية ولجأت مجدداً إلى الدبلوماسية في التعامل مع أزمة مضيق هرمز، على غرار ما فعلته خلال أزمة البحر الأحمر عقب هجمات جماعة "أنصار الله" الحوثية على الملاحة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، رغم أن قاعدتها العسكرية الوحيدة في الخارج تقع في جيبوتي، على الضفة الغربية لمضيق باب المندب، أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم.
ينظر كثير من الصينيين إلى "قرن الإذلال" بوصفه نتيجة لاختلال ميزان القوة البحرية والصناعية مع الغرب، بدءاً من حروب الأفيون وفرض "المعاهدات غير المتكافئة"، وصولاً إلى السيطرة الأجنبية على الموانئ والممرات التجارية
هذا التباين بين التوسع السريع في بناء القوة البحرية الصينية والحذر في استخدامها لا يعكس تناقضاً بقدر ما يثير تساؤلات أعمق حول طبيعة العقيدة البحرية لبكين وكيفية إدارتها لنقاط الاختناق الاستراتيجية. وتزداد أهمية هذا السؤال مع تصاعد التوترات والضغوط الأميركية على الممرات البحرية، من بنما وصولاً إلى هرمز، بما يعيد تعريف مفهوم "الأمن البحري" في النظام الدولي.
لمحة تاريخية: رثاء النهر
لفهم الاستراتيجية البحرية الصينية، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية التي تشكل الوعي الاستراتيجي الصيني، إذ ينظر كثير من الصينيين إلى "قرن الإذلال" بوصفه نتيجة لاختلال ميزان القوة البحرية والصناعية مع الغرب، بدءاً من حروب الأفيون وفرض "المعاهدات غير المتكافئة"، وصولاً إلى السيطرة الأجنبية على الموانئ والممرات التجارية. ويُفسر ذلك الحساسية الصينية العميقة تجاه الأمن البحري.
جنود من الجيش الصيني على متن سفينة تبحر من ميناء عسكري في مدينة تشانجيانغ بمقاطعة كوانغدونغ، في 11 يوليو 2017
ويُجسّد الوثائقي الشهير "رثاء النهر" هذه الرؤية، إذ قدم أطروحة مؤثرة مفادها أن ضعف الصين التاريخي ارتبط بكونها حضارة قارية-نهرية منغلقة، على عكس الحضارة الغربية التي توسعت عبر البحر.
بث الوثائقي على التلفزيون الرسمي عام 1988 خلال مرحلة دنغ شياوبينغ وذروة سياسة "الإصلاح والانفتاح"، حين سمح المناخ الفكري النسبي بمراجعة التاريخ ونقد بعض جوانب الثقافة التقليدية. وقد أثار العمل جدلاً واسعاً قبل أن يتعرض لاحقاً لانتقادات رسمية وشعبية باعتباره يميل إلى نقد بنيوي للحضارة الصينية وتضخيم النموذج الغربي واليوم ينظر إليه بسلبية كبيرة.
الصين لا ترغب في استخدام القوة الصلبة في الشرق الأوسط، وحتى لو أرادت ذلك فهي لا تزال غير قادرة بالكامل على القيام به بفعالية، رغم امتلاكها قوة بحرية متنامية
مع ذلك، لم تختفِ الفكرة الأساسية المتعلقة بأهمية القوة البحرية، بل أعيدت صياغتها ضمن سردية أكثر قومية. ففي العقد الأول من الألفية، طرح هو جينتاو مفهوم "حماية المصالح البحرية" وتبنّى فكرة التحول نحو "بحرية المياه الزرقاء" القادرة على العمل في أعالي البحار. لكن الذروة جاءت مع شي جينبينغ الذي سرّع بشكل غير مسبوق تحديث البحرية وحوّلها إلى ركيزة في استراتيجية القوة الكبرى. وفي عهده، أعيد الاعتبار لرموز بحرية تاريخية مثل رحلات الملاح المسلم تشينغ خه، بوصفها نموذجاً للتواصل البحري يختلف عن التوسع الغربي المرتبط تاريخياً بالاستعمار والهيمنة.
الدفاع في البحار القريبة والحماية في البعيدة
يمكن تحليل السلوك البحري الصيني من خلال تمييز استراتيجي مستقر في الأدبيات الرسمية بين "الدفاع في البحار القريبة" و"حماية البحار البعيدة". فبينما تسعى بكين إلى تفوق بحري حاسم في محيطها الإقليمي، تعتمد في البحار البعيدة مقاربة أكثر حذراً، تركز على حماية المصالح دون الانخراط في أدوار أمنية صدامية.
وقد شكلت أزمة مضيق هرمز اختباراً لهذه العقيدة، ما دفع البعض إلى التساؤل عن سبب عدم إرسال الصين قوة بحرية لتأمين أحد أهم شرايين اقتصادها لا سيما أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب طلب بنفسه من بكين المساهمة في حماية الممر الملاحي الذي يمر عبره ما يقارب 20 في المئة من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، إضافة إلى نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، فضلاً عن كميات مهمة من منتجات بتروكيماوية وأسمدة وألومنيوم ومواد صناعية أساسية تتجه إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
الرئيس الصيني شي جينبينغ مع وفود من القوات البحرية الدولية قبل اجتماع عُقد في تشينغداو، الصين، في 23 أبريل 2019، بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس البحرية الصينية
في هذا السياق، ترى الدكتورة لين جينغ، الباحثة الزميلة في معهد الشرق الأوسط في الجامعة الوطنية في سنغافورة، أن التدخل العسكري الصيني المباشر في بؤر التوتر يتعارض مع الصورة التي تسعى بكين لترسيخها كقوة استقرار في إطار "الجنوب العالمي" مستندة إلى مبادئ عدم التدخل والتنمية السلمية واحترام السيادة.
وتضيف لـ"المجلة" أن الصين لا ترغب في استخدام القوة الصلبة في الشرق الأوسط، وحتى لو أرادت ذلك فهي لا تزال غير قادرة بالكامل على القيام به بفعالية، رغم امتلاكها قوة بحرية متنامية، لكنها تفتقر إلى شبكة التحالفات وقواعد الانتشار الأمامي التي تتمتع بها الولايات المتحدة.
لكن المسألة لا تتعلق بالقدرات فقط، بل بطبيعة الدور الذي تتجنبه بكين. فالتدخل في هرمز كان سيعني عملياً انتقال الصين من قوة تجارية تعتمد على استقرار النظام الدولي إلى قوة تتحمل كلفة حمايته، بما يعنيه ذلك من احتكاك مباشر مع الولايات المتحدة وانخراط في صراعات إقليمية معقدة. لذلك فضّلت بكين الدبلوماسية لضمان مرور سفنها، ورفض الانضمام إلى ترتيبات أمنية تقودها واشنطن، في انسجام مع نهجها القائم على تجنب التحول إلى "مزود أمني" عالمي.
لا تستبعد بكين سيناريوهات التصعيد. ففي حال فرض حصار على المضيق يستهدف السفن الصينية تحديداً، ترجح لين جينغ أن تلجأ الصين إلى استخدام قوتها البحرية لكسر الحصار
وقد أظهر هذا النهج قدرة الصين على التكيف. وتشير لين جينغ إلى أنه أمام الاضطراب في هرمز، تحركت شركات الشحن الصينية العملاقة المملوكة للدولة مثل "تشاينا ميرشنتس" و"كوسكو" بسرعة، وأعادت بكين توجيه ناقلات النفط العملاقة إلى ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر لتحميل النفط، وفي الوقت نفسه، أمرت بكين المصافي الكبرى بوقف صادرات الديزل والبنزين بهدف الحفاظ على الإمدادات، في خطوة تعكس استجابة دولية منسقة لضمان أمن الإمدادات المحلية. وتضيف أنه على المدى الطويل، قد تدفع أزمة هرمز نحو تسريع التحول في نظام الطاقة العالمي، وهو مجال تتمتع فيه الصين بميزة استراتيجية بفضل هيمنتها الصناعية في قطاع الطاقة المتجددة.
وقد أسهمت الإجراءات الاستباقية مثل التخزين وتطوير الطاقات البديلة، والتدابير التكيفية اللاحقة التي اتخذتها الصين لمواجهة تداعيات أزمة مضيق هرمز في جعلها أقل تأثرا بها مقارنة بكثير من دول العالم، ولا سيما بعض الدول الإقليمية مثل الفلبين وكوريا الجنوبية، وقد منحها ذلك هامشا أوسع لتقديم نفسها كطرف قادر على الإسهام في استقرار أمن الطاقة الإقليمي، وهو ما انعكس بطريقة رمزية في تصريح المتحدث باسم مكتب شؤون تايوان في مجلس الدولة الصيني تشن بين هوا في 18 مارس/آذار، حين قال إن "إعادة التوحيد السلمي" ستوفر ضمانات أفضل لأمن الطاقة والموارد لتايوان بدعم من "الوطن الأم القوي"، في وقت لجأت فيه كثير من الدول المجاورة من تايلاند إلى أستراليا إلى بكين لتعويض بعض الإمدادات المتأثرة لا سيما الأسمدة ووقود الطائرات.
معضلة ملقا والطوق الثاني
إذا كانت أزمة هرمز قد كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية أمام نقاط اختناق جغرافية محدودة، فإن مضيق ملقا يقدّم النموذج الأكثر حساسية في الحالة الصينية، باعتباره الشريان البحري الأهم في اتصال الصين بالأسواق العالمية.
سفن شحن في الخليج العربي، قرب مضيق هرمز، كما تُرى من شمال رأس الخيمة، قرب الحدود مع محافظة مسندم العمانية، في الإمارات العربية المتحدة، 11 مارس 2026
فهذا المضيق يشكل عنق زجاجة استراتيجيا في بنية الاقتصاد الصيني وتمر عبره غالبية التجارة البحرية الصينية وفق التقديرات، بما يشمل السلع الصناعية والمواد الخام والتجارة مع الأسواق الرئيسة. كما تمر عبره نسبة كبيرة من واردات الصين من النفط الخام المنقول بحراً، تُقدَّر بنحو نصف هذه الواردات، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق في معادلة أمن الطاقة الصيني.
وترى الدكتورة لين أن "معضلة ملقا" لا تزال مصدر قلق استراتيجي، لكن الدرس الذي تستخلصه بكين من هرمز هو أن أمن الطاقة لا يمكن أن يعتمد فقط على حماية نقاط الاختناق بالقوة البحرية. لذلك تستثمر الصين في تنويع مصادر الطاقة، بما في ذلك الطاقة المتجددة، وخطوط الأنابيب مثل ممر الصين–ميانمار، والمسارات البرية الروسية، إضافة إلى الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، بهدف تقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد.
كما تسعى بكين إلى إبقاء ملقا خارج منطق العسكرة عبر تعميق علاقاتها مع الدول المشاطئة للمضيق مثل إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، إلى جانب تعزيز الاستقرار في بحر الصين الجنوبي.
وفي الوقت نفسه، لا تستبعد بكين سيناريوهات التصعيد. ففي حال فرض حصار على المضيق يستهدف السفن الصينية تحديداً، ترجح لين جينغ أن تلجأ الصين إلى استخدام قوتها البحرية لكسر الحصار.
تمتلك الصين واحداً من أكبر أساطيل الشحن في العالم، وهي الأولى عالمياً في بناء السفن بأكثر من نصف الإنتاج العالمي
ويرى خبراء عسكريون أن الرد الصيني قد يتدرج من مرافقة السفن وتأمينها إلى انتشار بحري أوسع عند الضرورة، دون الوصول إلى السيطرة الكاملة على المضيق أو تحويله إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
ويظل هذا السيناريو أعلى من أزمة هرمز، وأدنى من سيناريو تايوان أو نطاق "سلسلة الجزر الأولى"، حيث يُتوقع استخدام قوة بحرية مكثفة لفرض السيطرة ومنع حرية الحركة.
دولة بحرية أم قوة بحرية؟
بالعودة إلى مقال شي جينبينغ في مجلة "تشيوشي" حول تطوير الاقتصاد البحري، تبرز دراسة لصامويل هيلفونت تميّز بين "القوة البحرية" (Naval Power) بوصفها القوة العسكرية، و"الدولة البحرية" (Sea Power) بوصفها منظومة شاملة تجمع التجارة والصناعة واللوجستيات. ويشير هيلفونت في الدراسة التي نشرها معهد هوفر في جامعة ستانفورد قبل أيام إلى أن فشل واشنطن في التعامل مع أزمة هرمز لا يكمن في الأسطول العسكري، بل في تآكل البنية البحرية الشاملة، بسبب تراجع الأسطول التجاري إلى أقل من 200 سفينة، والاعتماد على ناقلين أجانب، وانهيار صناعة بناء السفن، وتآكل الخبرات والقدرات اللوجستية.
في المقابل، تمتلك الصين واحداً من أكبر أساطيل الشحن في العالم، وهي الأولى عالمياً في بناء السفن بأكثر من نصف الإنتاج العالمي، كما طورت شبكة موانئ عالمية عبر "مبادرة الحزام والطريق"، وربطتها بممرات برية وسكك حديدية بديلة. من هذا المنظور، لا تكشف أزمة هرمز حدود القوة البحرية الصينية بقدر ما تعيد إبراز مقاربتها الشمولية لبناء القوة البحرية-الاقتصادية، وهي مقاربة تمنحها مكاسب تكتيكية في المدى القصير، وتعزز موقعها في المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.