حرب إيران تخنق اقتصاد العراق... من الكهرباء والغاز الى رواتب الموظفين

بغداد تحتاج أكثر من 6 مليارات دولار شهريا لكوادر القطاع العام وتمويل الغذاء والدين الخارجي

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
جندي عراقي يقف أمام مركز صحي مدمر تعرض للقصف، في منطقة الرحبانية 26 مارس 2026

حرب إيران تخنق اقتصاد العراق... من الكهرباء والغاز الى رواتب الموظفين

يُعدّ العراق من أكثر الدول تضررا من الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، إذ تكبد خسائر فادحة في صادراته النفطية التي تراجعت بنسبة 93 في المئة، نتيجة إغلاق إيران لمضيق هرمز، لتنخفض الصادرات اليومية الى نحو 250 ألف برميل فقط منذ بدء الحرب، في مؤشر واضح الى حجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد العراقي.

وفي 25 مارس/آذار المنصرم، قال مسؤولون في قطاع الطاقة في العراق بأن إنتاج النفط شهد تراجعا حادا مع استمرار الحرب، نتيجة بلوغ الخزانات طاقتها القصوى وتعطل التصدير عبر مضيق هرمز. ولفتوا إلى انخفض إنتاج الحقول الجنوبية بنحو 80 في المئة إلى نحو 800 ألف برميل يوميا، مقارنة بـ 4.3 ملايين برميل قبل الحرب، بعدما كان قد تراجع سابقا إلى 1.3 مليون برميل. كما قررت الحكومة خفضا إضافيا للإنتاج، مطالبة شركات مثل "بريتيش بتروليوم" (BP) البريطانية و"إني" (Eni) الإيطالية بتقليص الإنتاج في حقلي الرميلة والزبير، وسط توقعات بمزيد من الخفوضات إذا استمر تعطل الصادرات.

ودفع الصراع الإقليمي الشركات الأجنبية العاملة في قطاعات الطاقة إلى الهجرة ومغادرة البلاد خوفا من تدهور الأوضاع الأمنية، في ظل فقدان الأجهزة الحكومية القدرة على حماية المصالح الأجنبية من الاستهداف. وتتجلى خطورة هذا الوضع في أن موازنة الحكومة العراقية تعتمد بشكل شبه كلي على إيرادات بيع النفط الخام بنسبة تتجاوز 90 في المئة.

شركات النفط في مرمى النيران

وقد تجسدت هذه المخاوف على أرض الواقع حين استُهدف عدد من مقار الشركات النفطية بشكل مباشر في محافظة البصرة وإقليم كردستان، مما أدى إلى توقف عمل بعض المصافي. وأمام العجز والشلل، اضطرت الجهات المعنية في العراق إلى إعلان حالة "القوة القاهرة" على عدد من عقودها والتزاماتها مع الشركات والجهات المستوردة لإعفائها من المسؤولية القانونية.

أدى التراجع في إنتاج النفط إلى انخفاض إيرادات العراق بنسبة مهولة بلغت 75 في المئة، مما سيشكل ضربة لقدرة الحكومة على تسديد نفقاتها

مصطفى أكرم حنتوش، خبير اقتصادي

وفي حين أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، السماح للنفط العراقي بعبور مضيق هرمز، إنما الواقع كان مغايرا، إذ لم تعبر أي ناقلة حاملة للنفط العراقي المضيق منذ اندلاع الحرب.

وفي 24 مارس/آذار، نفى مدير ناقلة النفط العملاقة  "أوميغا ترايدر"، التي تديرها شركة "ميتسوي أو إس كيه لاينز" اليابانية عبور سفينته المتجهة من العراق مضيق هرمز، على الرغم من أن بيانات التتبع أظهرت وصولها إلى مومباي. وأوضح أن الإشارات مضللة نتيجة التشويش، مؤكدا أن الشركة تراقب الوضع باستمرار.

رويترز

يصف الخبير الاقتصادي، مصطفى أكرم حنتوش، الأزمة الحالية بأنها "ليست بالسهلة مطلقا" بسبب التراجع الحاد في الصادرات، وافتقار وزارة النفط لأي خطط استراتيجية حقيقية، على الرغم من تسلمها مليارات الدولارات لتطوير القطاع. وقال لـ"المجلة" إن التراجع أدى إلى انخفاض إيرادات العراق بنسبة مهولة بلغت 75 في المئة، مما سيشكل ضربة لقدرة الحكومة على تسديد نفقاتها. ولفت إلى أن العراق مطالب الآن باستغلال علاقاته مع إيران للضغط من أجل التوصل إلى اتفاق يسمح بمرور نفطه عبر مضيق هرمز. ولفت إلى أن الحكومة ستلجأ إلى البرلمان لتشريع قانون يتيح لها الاقتراض من البنك المركزي والمصارف والصناديق لتمويل الموازنة ودفع الرواتب.

انخفاض الإنتاج بدأ قبل الحرب

قال وزير النفط العراقي، حيان عبد الغني، إن معدلات إنتاج النفط العراقي كانت قد وصلت إلى مستويات تبلغ 4.2 ملايين برميل يوميا قبل اندلاع الحرب. إنما، ومع تسارع الأحداث، انخفض هذا الإنتاج بشكل حاد ليقتصر على تغطية الاحتياجات المحلية فقط، بمعدل 1.4 مليون برميل يوميا، أي أقل من ثلث مستواه قبل الحرب. وأكد أن الصادرات النفطية عبر المنافذ التقليدية توقفت بشكل شبه كامل، متداركا أن بغداد تمكنت من التوصل إلى اتفاق جزئي مع إقليم كردستان لضمان تصدير كمية محدودة تبلغ نحو 200 ألف برميل يوميا عبر خط الأنابيب الواصل إلى ميناء جيهان التركي.

وأشار الوزير إلى معضلة أخرى تتمثل في حاجة العراق الماسة إلى تمويل يقدر بنحو 4 مليارات دولار لإنشاء مشروع أنبوب التصدير الاستراتيجي عبر ميناء العقبة الأردني، وهو مبلغ مالي غير متوفر حاليا في الخزينة.

تاريخيا، اكتفت حكومة بغداد بالاعتماد على تصدير النفط عبر موانئ محافظة البصرة الجنوبية فقط، ولم تطور شبكات الأنابيب الممتدة نحو تركيا وسوريا والسعودية، كما لم يُنشأ الأنبوب المقترح نحو الأردن

وبات إنتاج النفط المخصص للاستهلاك المحلي مهددا بالتوقف، إثر تقادم المصافي وتزايد إفرازها لزيت الوقود الثقيل، "النفط الأسود". وقد أسفر العجز في السعات التخزينية عن خروج بعض المصافي من الخدمة فعليا بعد امتلاء خزاناتها بالكامل.

تقصير بغداد أضعف صادرات النفط العراقي

في المقابل، طرح مدير شركة تسويق النفط "سومو"، علي نزار، رؤية بديلة لتجاوز الاختناق الحالي، متحدثا عن إمكان تصدير نحو 300 ألف برميل يوميا باستخدام أسطول النقل البري، "الشاحنات"، عبر الأراضي السورية والأردنية، ليتم تفريغها لاحقا في ناقلات النفط الراسية في موانئ بانياس وطرطوس في سوريا والعقبة في الأردن.

رويترز

ولفت إلى وجود تنسيق متقدم لتسهيل عملية التصدير عبر الأراضي السورية. وتجدر الإشارة إلى أن العراق لم يقم بتصدير أي شحنات نفطية عبر سوريا منذ عام 1982 نتيجة الخلافات العراقية – السورية، إبان الحرب الإيرانية ـ العراقية، وهذه المرة، لن يكون التصدير عبر الأنابيب الناقلة كما كان في الماضي، بل سيتم الاعتماد كليا على الشاحنات.

تجدر الإشارة إلى أن حكومة بغداد اكتفت تاريخيا بالاعتماد على تصدير النفط عبر موانئ محافظة البصرة الجنوبية فقط، ولم تطور شبكات الأنابيب الممتدة نحو تركيا وسوريا والسعودية، كما لم يُنشأ الأنبوب المقترح نحو الأردن. وهذا كله تسبب في إضعاف قدرات العراق التصديرية بمعدل يبلغ شهريا 3.4 مليون برميل قبل الأزمة. وأضاف نزار أن خطتهم تتضمن العمل على تخزين مليون برميل من النفط الخام في مستودعات ميناء طرطوس، ومن ثم سيعيدون بيعها وتسويقها مباشرة لأغراض التصدير إلى دول أوروبا.

تدهور قطاع الكهرباء العراقي

لم تقتصر الأزمة على النفط الخام فحسب، بل امتدت لتضرب عصب الحياة اليومية، وهو قطاع الكهرباء. فالعراق يعاني حاليا من نقص حاد وفقدان كبير لكميات الغاز لتشغيل محطات التوليد. ويعود السبب في ذلك إلى أن الغاز العراقي هو غاز مصاحب لعمليات استخراج النفط، وبالتالي فإن إيقاف الإنتاج أدى مباشرة إلى انخفاض حاد جدا في كميات الغاز، وفقا لتأكيدات وزير النفط العراقي.

تعتمد بغداد بشكل أساس على واردات الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء، وتخسر منظومة الكهرباء في العراق ما بين 6 و6.5 ألف ميغاواط بسبب نقص الوقود، مما يزيد الضغط على الشبكة مع اقتراب ذروة الطلب الصيفي

وبعد تعرض قطاع الطاقة الإيراني لاستهداف مباشر خلال مجريات الحرب، باتت الإمدادات مهددة، إذ تعتمد بغداد بشكل أساس على واردات الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء. وأوضح المتحدث باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى أن إمدادات الغاز الإيراني تراجعت إلى نحو 6 ملايين متر مكعب يوميا فقط، مما يؤثر على تشغيل محطات رئيسة مثل بسماية والمنصورية. وبحسب تقديرات الوزارة، تخسر منظومة الكهرباء في العراق ما بين 6 و6.5 ألف ميغاواط بسبب نقص الوقود، مما يزيد الضغط على الشبكة مع اقتراب ذروة الطلب الصيفي.

رويترز
ناقلة نفط متفحمة بعد استهدافها، في المياه الإقليمية العراقية قبالة سواحل البصرة 12 مارس 2026

وكان رئيس الوزراء محمد شياع السوداني قد أعلن في يناير/كانون الثاني 2026 تسجيل إنتاج قياسي بنحو 29 ألف ميغاواط، مقابل طلب يتراوح بين 48 و55 ألف ميغاواط في أوقات الذروة. وتكشف هذه الأرقام عن فجوة هيكلية كبيرة، إذ لا يغطي الإنتاج سوى نحو 60 في المئة من الطلب، مما يجعل الشبكة عرضة لأي اضطرابات في الإمدادات أو الأعطال. هذا فضلا عن استيراد العراق طاقة كهربائية تقدر بنحو 1200 ميغاواط من إيران.

أزمة الرواتب في القطاع العام

وقد شهد العام الماضي ارتفاعا هائلا في حجم الإنفاق العام الذي بلغ 117 مليار دولار أميركي، شكلت تخصيصات الرواتب والأجور ما يفوق 60 في المئة من هذا الإنفاق الإجمالي. ويبلغ عدد المواطنين الذين يتقاضون رواتب أو إعانات مالية من الحكومة أكثر من 10.5 ملايين شخص، من أصل عدد سكان العراق البالغ 45 مليون نسمة.

وبدأت المالية العامة تعاني من أزمة خانقة وغير مسبوقة، تتمثل في عدم قدرة الحكومة على توفير رواتب موظفيها، مما دفعها إلى سحب احتياطيات تريليونية من المصارف المحلية لإتمام هذه العملية. 

ويتخوف السياسيون العراقيون من عدم القدرة على دفع رواتب الموظفين، لأنه يهدد بقاء النظام السياسي الحالي، الذي يعتمد على ولاء الموظفين، نتيجة غضب غالبية العراقيين الكبير بسبب القصور في توفير الخدمات وانتشار الفساد المالي والإداري.

الفاتورة الإجمالية للرواتب والرعاية الاجتماعية والتقاعد تصل إلى مبلغ ضخم يقدر بـ 8 تريليونات دينار شهريا (6.15 مليارات دولار) باستثناء النفقات الحاكمة الأخرى مثل تمويل السلة الغذائية وتسديد الدين الخارجي

مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الحكومة

وفي تصريح لـ"المجلة"، أوضح المستشار المالي لرئيس الحكومة، مظهر محمد صالح، أن الفاتورة الإجمالية للرواتب والرعاية الاجتماعية والتقاعد تصل إلى مبلغ ضخم يقدر بـ 8 تريليونات دينار شهريا (6.15 مليارات دولار)  باستثناء النفقات الحاكمة الأخرى مثل تمويل السلة الغذائية وتسديد الدين الخارجي.

وأشار صالح إلى أنه في حال اقتصر امتداد الحرب على 4 أشهر، فإن وضع العراق المالي يعتبر جيدا، منوها بحاجة الدولة الملحة للاقتراض لتسديد النفقات الشهرية، لافتا إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار النفط العالمية لم ينعكس إيجابا على العراق بسبب الانخفاض الحاد في حجم صادراته.

.أ.ب
سوق خضار في ساحة بوسط بغداد، 25 مارس 2026

ولفت إلى أن الخطة الحكومية تسعى لرفع الطاقات التصديرية إلى 1.4 مليون برميل عبر تركيا، و300 ألف برميل عبر سوريا، وإذا ما تحقق ذلك مع بقاء أسعار النفط مرتفعة، فقد تصل الإيرادات لمستويات قريبة من تغطية الرواتب.

الاقتراض الداخلي ومخاوف المكود

وتوقع الاقتصادي عمار الربيعي لـ"المجلة"، أن تترك تداعيات الحرب مشاكل ستبقى قائمة لسنوات طويلة، أبرزها الاقتراض الداخلي الذي بلغ مستويات خطيرة جدا جراء سحب السيولة من المصارف الحكومية، مما أسفر عن مواجهة بعضها لعجز حقيقي في توفير السيولة. وقد بلغ العجز المخطط في قانون الموازنة العامة الثلاثية التي أقرها مجلس النواب للسنوات (2023، 2024، و2025) 191.5 تريليون دينار (حوالى 147 مليار دولار)، في حين بلغ العجز الفعلي للسنوات الثلاث المذكورة مبلغ 35 تريليون دينار (حوالى 27 مليار دولار)، تمت تغطيتها داخليا بسندات وحوالات ووفقا للأبواب الواردة في قانون الموازنة. أي أن الاقتراض الفعلي بلغ نسبة 18.2 في المئة من العجز المخطط الوارد في قانون الموازنة.

وأشار الربيعي إلى أن ركودا اقتصاديا قد ضرب البلاد، وأن عدم وجود أفق زمني لانتهاء الحرب يعني تفاقما مستمرا للأزمة، خصوصا مع استمرار هجرة العاملين الأجانب.

اتساع الفجوة بشكل كبير بين سعر الصرف الرسمي المعتمد والموازي بنسبة 17.4 في المئة، ففي حين يبلغ السعر الرسمي 1320 دينارا، قفز السعر في السوق الموازية ليصل إلى 1550 دينارا لكل دولار

واختتم الربيعي حديثه بأن الاقتصاد العراقي سيبقى هشا بسبب افتقار مسؤولي الدولة إلى خطط استراتيجية لمعالجة الأزمة، مبينا أن الفترة المقبلة ستشهد قيودا تقشفية كبيرة على العراق وشركاته، لكونه جزءا من الحرب الحالية.

وحذّر من أن هذا الأمر سيفاقم معاناة المواطنين في قطاع الخدمات، إذ لا توجد أموال لتوفيرها. وستتحول قطاعات حيوية مثل الخدمات الصحية والتعليمية إلى ثانوية، في حين ستتركز كل جهود الدولة على توفير الأموال اللازمة لدفع رواتب الموظفين فقط. وبيّن صالح أن العراق قد يضطر للجوء إلى سياسة "التيسير الكمي" بالاتفاق مع السلطة النقدية المتمثلة بالبنك المركزي، مطمئنا بأن الدولة تمتلك احتياطيات أجنبية تغطي نفقات عام كامل من الاستيرادات، وتدعم سيولة الاقتصاد والموازنة.

.أ.ف.ب
مبنى حكومي مدمر بالقصف على مدينة بغداد 26 مارس 2026

اعتمد العراق سياسات نقدية توسعية خلال جائحة "كوفيد-19"، مما أدى إلى زيادة الكتلة النقدية وارتفاع التضخم إلى نحو 6–7 في المئة، بالتوازي مع صعود ملحوظ في أسعار العقارات، وإن بدرجات متفاوتة حسب المناطق.

ضغوط أميركية تضبط التحويلات و"الدولار النقدي"

تتزامن الازمة الحالية، مع ضغوط خارجية تمثلت في تشديد الولايات المتحدة للرقابة الصارمة على حركة الأموال داخل المؤسسات المالية العراقية، إذ حرمت عشرات المصارف العراقية وشركات دفع إلكتروني من استخدام الدولار.

ولم تقف الإجراءات عند هذا الحد، بل شملت خفض حصة العراق المخصصة من تعزيزات "الدولار النقدي" بشكل كبير. فتراجعت من 14 مليار دولار لتستقر عند 6 مليارات دولار سنويا. وسُمح لـ 6 مصارف فقط باستخدام الدولار في الحوالات المصرفية. أدت هذه القيود إلى اتساع الفجوة بشكل كبير بين سعر الصرف الرسمي المعتمد والموازي بنسبة 17.4 في المئة؛ ففي حين يبلغ السعر الرسمي 1320 دينارا، قفز السعر في السوق الموازية ليصل إلى 1550 دينارا لكل دولار.

font change

مقالات ذات صلة