حرب إيران... كيف تتحول إلى أزمة آسيوية أيضا؟

الأسعار والديون والندرة ستصيب "مصنع العالم" في مقتل

(رويترز)
(رويترز)
ازدحام دراجات أمام محطات الوقود في كراتشي، باكستان، مع ارتفاع الأسعار وسط الحرب، 2 أبريل 2026

حرب إيران... كيف تتحول إلى أزمة آسيوية أيضا؟

بينما تتطاير الصواريخ والطائرات المسيرة عبر الخليج، يمتد تأثيرها إلى مسافة محيط كامل. فقد وصف وزير خارجية سنغافورة، فيفيان بالاكريشنان، هذه الحرب لوكالة "رويترز" الأسبوع الماضي بأنها "أزمة آسيوية. إذ إن نحو 80 في المئة من النفط و90 في المئة من الغاز اللذين يمران عادة عبر مضيق هرمز يتجهان إلى الأسواق الآسيوية".

تقع أشد الضغوط على الدول الفقيرة. ففي الفلبين يأتي أكثر من 90 في المئة من واردات الطاقة من الشرق الأوسط. وتحصل بنغلاديش والهند وباكستان على ما يقرب من ثلثي إمداداتها الإجمالية من الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق. ومع هذا لا تنجو الدول الآسيوية الغنية من التداعيات. فاليابان تمتلك احتياطات نفطية استراتيجية تعادل 254 يوما من الطلب المحلي، وهو مخزون بنته بعد صدمات النفط في سبعينات القرن الماضي. غير أن خدمات الحافلات والعبّارات تقلصت في أنحاء البلاد بسبب نقص الإمدادات.

كما تكافح الحمامات العامة اليابانية لتغطية نفقاتها مع ارتفاع كلفة الوقود، وأعلنت منشآت عدة في مختلف أنحاء البلاد إغلاقات مؤقتة أو دائمة. كذلك اضطرت شركة "يامايوشي سيكا"، وهي منتجة وجبات خفيفة تحظى بشعبية، إلى إيقاف إنتاج رقائق البطاطا مؤقتا بعد نفاد زيت الوقود الثقيل الذي تستخدمه في المقالي.

(رويترز)
اندلاع حريق في منشأة صناعية وناقلة وقود في مصافي حيفا في إسرائيل نتيجة لشظايا صاروخ إيراني تم اعتراضه، 30 مارس 2026

يطرح إغلاق المضيق ثلاثة أخطار كبيرة على اقتصادات آسيا. ويتمثل أولها في ارتفاع أسعار الوقود، فذلك يزيد التكاليف في قطاعات أخرى ويقيد النمو، ويمكن أن يطلق دوامة من الركود التضخمي. ويقع العبء الفوري على سائقي المركبات في أنحاء المنطقة، ولا سيما في جنوب شرق آسيا. فعالميا ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 14 في المئة منذ اندلاع الحرب، أما في دول جنوب شرق آسيا فبلغت الزيادة 42 في المئة. وقفزت الأسعار في الفلبين وميانمار بأكثر من 70 في المئة، وهي من أكبر الزيادات في العالم.

إغلاق مضيق هرمز يطرح أخطار كبيرة على اقتصادات آسيا أبرزها ارتفاع سعر الوقود

أما في أجزاء أخرى من آسيا، مثل الهند وبنغلاديش، فلم يظهر الارتفاع بعد في محطات الوقود، لكن ذلك يعود فقط إلى سيطرة الحكومات على الأسعار. ففي 27 مارس/آذار أعلنت الحكومة الهندية أنها ستخفض الضرائب المركزية على البنزين والديزل للحيلولة دون ارتفاع الأسعار. كما تعهدت أستراليا وفيتنام باتخاذ إجراءات مماثلة لامتصاص ارتفاع أسعار النفط. وفي كوريا الجنوبية، التي تستورد 70 في المئة من نفطها من الشرق الأوسط، فرضت الحكومة سقفاً لأسعار الوقود للحد من الأضرار.

يبرز الخطر الثاني في ميزانيات الحكومات الآسيوية. فكثير منها ينفق بالفعل بسخاء لدعم الطاقة أو لتحديد أسعار الوقود، لكن الهامش المالي المتاح لمثل هذه التدخلات يختلف بدرجة كبيرة. ففي إندونيسيا يمكن أن يؤدي ارتفاع دعم الوقود إلى تجاوز سقف عجز الموازنة البالغ 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. كما أن ثقة المستثمرين، الهشة أصلاً، قد تتآكل أكثر.

أما باكستان، التي تعاني شح السيولة وتخضع لرقابة صندوق النقد الدولي، فقد اضطرت إلى رفع أسعار الوقود بنسبة 20 في المئة. ويمكن لهذه الضغوط استقطاب اهتمام غير مرغوب فيه من المضاربين الذين يبحثون عن عملات هشة. ويقال إن وزارة المالية اليابانية تدرس التدخل في سوق العقود الآجلة للنفط لدعم الين.

(أ.ف.ب)
موظف يغير لوحة أسعار الوقود في محطة بالفلبين مع استمرار ارتفاع الأسعار، 3 أبريل 2026

ومهما تكن إجراءات الحكومات، يبقى بعض التضخم محتما. ففي البلدان التي لا تمتص فيها الحكومات كلفة الخام الأعلى، يغذي ارتفاع أسعار الطاقة التضخم العام. وستتضرر أكثر الدول المستوردة للنفط ذات أسعار الصرف الضعيفة وفواتير النفط الكبيرة، مثل الفلبين وباكستان. وحتى في البلدان التي تفرض سقوفا لأسعار الوقود، ستضغط الحرب في إيران على التضخم عبر قنوات أخرى، إذ سترفع اضطرابات سلاسل الإمداد الكلف في صناعات مثل الكيماويات والخدمات اللوجستية.

تؤثر المخاطر على ميزانيات الحكومات فكثير منها ينفق بالفعل بشكل كبير لدعم الطاقة أو لتحديد أسعار الوقود

ويمكن أن يأتي أشد ضغط تضخمي عبر الغذاء. فالحرب عطلت نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية المنقولة بحرا، وهو ما سيرفع أسعار الغذاء، ولا سيما مع بدء موسم الزراعة في وقت لاحق من هذا العام. وكان بنك التنمية الآسيوي توقع أن ترتفع الأسعار في آسيا بنسبة 2.1 في المئة فقط في عام 2026، لكنه يحذر الآن من أن هذه النسبة قد تتجاوز 5 في المئة، تبعا لطول أمد الحرب.

وإذا كانت الأسعار المرتفعة تمثل مشكلة اقتصادية لصانعي السياسات في آسيا، فإن توافر الوقود مسألة سياسية وجغرافية، وهي المشكلة الكبرى الثالثة التي تواجه القارة. فإلى جانب احتياطيات اليابان من الوقود التي تكفي 254 يوما، تشير التقديرات إلى أن الصين تمتلك ما يكفي لتغطية 100 يوم. وبدأ البلدان السحب من تلك الاحتياطيات لتخفيف الضغوط. لكن تحليلا أجرته شركة "كبلر" لبيانات السلع يشير إلى أن الوضع هش في أجزاء أخرى من آسيا. إذ تقدر الشركة أن الفلبين وفيتنام وتايلاند لا تملك من إمدادات النفط البرية سوى ما يكفي لنحو ثلاثة أسابيع من الطلب الاعتيادي.

تؤدي حالات النقص الوشيكة بالفعل إلى إرباك قطاعات بأكملها. وقد يكون قطاعا الطيران والسياحة الأكثر تضررا. فقد فرضت الصين وكوريا الجنوبية قيودا على صادرات وقود الطائرات من مصافيهما، فيما قلصت شركات الطيران في أنحاء المنطقة رحلاتها. نحو نصف الرحلات الملغاة عالميا خلال الأسبوع الماضي كانت مقررة من مطارات آسيوية، وفقا لبيانات "فلايت أوير"، وهي جهة تتبع الرحلات. وألغت "إير نيوزيلندا" 1,100 رحلة. ويمكن أن تتدخل الحكومات بإجراءات أشد صرامة. إذ حذر رئيس الفلبين، فرديناند ماركوس الابن، من أن إيقاف الطائرات عن العمل يظل "احتمالا قائما".

(أ.ف.ب)
اصطفاف مركبات "توك توك" للتزود بالغاز في بنوم بنه بفيتنام بعد تضاعف أسعار الوقود منذ بداية الحرب، 1 أبريل 2026

إلى جانب الاضطرابات التي تطال مدخلات أخرى مثل الهيليوم والألومنيوم، قد تؤدي صدمة الطاقة إلى استنزاف النمو الاقتصادي في آسيا. ويتوقع البنك الآسيوي للتنمية أن تكون دول جنوب شرق آسيا الأكثر تضرراً، مع احتمال تراجع معدلات النمو بنحو 2.3 نقطة مئوية إذا استمرت الحرب. وفي جنوب آسيا يتوقع البنك أن يتراجع النمو 0.8 نقطة مئوية. وسيكون لهذا التباطؤ تأثيرات واسعة النطاق، لأن آسيا تمثل مركز التصنيع في الاقتصاد العالمي.

يمكن أن تؤدي صدمة الطاقة إلى استنزاف النمو الاقتصادي في آسيا

ومن المرجح أن يندفع كثيرون بقوة أكبر نحو الطاقة البديلة، ويجري بالفعل التوسع في الطاقة الشمسية، لكن هذا الزخم قد يتسارع. وقد تبدأ أعداد أكبر من السيارات الكهربائية في الانتشار داخل مدن جنوب شرق آسيا. كما ستحصل الطاقة النووية على دفعة جديدة، إذ أعلنت فيتنام هذا الأسبوع أنها ستبني محطة طاقة نووية بالتعاون مع روسيا. لكن آسيا ستلجأ أيضا إلى مصدر طاقة مألوف وملوث وهو الفحم. فقد وافقت الحكومة اليابانية على إعادة تشغيل محطات الفحم بكامل طاقتها، رافعة قيودا كانت تهدف إلى الحد من الانبعاثات. وفي الهند، وجه مسؤولون قلقون من الطلب على الكهرباء خلال الصيف محطة تعمل بالفحم في ولاية غوجارات إلى استئناف عملياتها.

ويقف وراء التوجه إلى الفحم القلق على الاستقرار السياسي. فالآسيويون حساسون لأسعار الطاقة ومستعدون للنزول إلى الشارع بسببها. وأطلق عمال النقل في الفلبين بالفعل احتجاجات. وخلال صدمة الطاقة في عام 2022، حين قفزت أسعار الغاز بعد غزو روسيا لأوكرانيا، شهدت جنوب آسيا اضطرابا سياسيا.

(رويترز)
طوابير دراجات نارية في عاصمة بنغلاديش دكا وسط مخاوف من نقص الوقود بسبب الحرب، 15 مارس 2026

وفي الاثني عشر شهرا المنتهية في أكتوبر/تشرين الأول 2022، ارتبط نحو ربع الاحتجاجات في المنطقة بالغذاء والطاقة، وفقا لتقدير صادر عن "فريدريش إيبرت شتيفتونغ"، وهو مركز أبحاث ألماني. وبعد تحليل الاضطرابات الاجتماعية في 101 بلد نام بين عامي 2000 و2020، وجد باحثون في صندوق النقد الدولي علاقة واضحة بين زيادات أسعار الوقود والاحتجاجات. ويمكن لهذه المظاهرات أن تأخذ طابعا ثوريا. فأعمال الشغب في سريلانكا، التي غذتها ارتفاعات أسعار الطاقة، أسهمت بدرجة كبيرة في إسقاط الحكومة عام 2022. وهكذا قد تتحول صدمة الطاقة، التي بدأت اقتصادية، إلى صدمة سياسية.

font change

مقالات ذات صلة