عند تأمل الحرب الجارية اليوم في إيران، يبرز تشابه بنيوي لافت بين النظام القائم على "الحرس الثوري الإسلامي" في إيران، والنظام العسكري الإمبراطوري الذي فرض هيمنته على اليابان في السنوات الأخيرة التي سبقت عام 1945. ففي كلتا الحالتين، قامت فوق الدولة، شكلا، سلطةٌ عليا، لكن النفوذ الحقيقي تركز في قبضة مؤسسة عسكرية تمدد حضورها في السياسة والدبلوماسية والاستخبارات والاقتصاد. ففي اليابان قبيل الحرب، قادت عقيدة "القيادة العسكرية المستقلة" إلى تجريد الحكم المدني من مضمونه. وفي إيران المعاصرة، أتاح خطاب "الدفاع عن الثورة" لـ"الحرس الثوري الإسلامي" أن يحوز قدرا مشابها من الاستقلال. كذلك، تقاطع النظامان في العزلة الدبلوماسية، والجمود الأيديولوجي، والسيطرة القسرية على الداخل، مع تقديم قيم الروح العسكرية على ضرورات الواقعية الاستراتيجية.
غير أن هذا التشابه البنيوي لا يعني تطابقا تاريخيا كاملا. فاليابان قبلت استسلاما غير مشروط في أغسطس/آب 1945، بينما يبدو احتمال أن يقدم النظام الإيراني الحالي، المتمحور حول "الحرس الثوري"، على خطوة مماثلة في تعامله مع الولايات المتحدة أضعف بكثير. فثمة تشابه في البنية، لكن شروط المآل ليست واحدة.
كانت اليابان تملك سلطة عليا حاسمة، أما إيران فلا
يكمن الفارق الأول والأكثر حسما، في مسألة السلطة العليا. فاليابان الإمبراطورية، على الرغم من الفوضى التي طبعت نظامها العسكري واختلال الانضباط في صفوفه، ظلت تحتفظ، من الناحية الرسمية، بشخصية تعلو القوات المسلحة، هي الإمبراطور. وفي أغسطس/آب 1945، بينما كان المجلس الأعلى للحرب غارقا في الانقسام وعاجزا عن حسم موقفه من إعلان بوتسدام، تدخل الإمبراطور هيروهيتو بقراره ليكسر هذا الشلل. لذلك، لم يكن استسلام اليابان نتيجة مباشرة للدمار الذي أنزلته الحرب، بل اقتضى أولا قرارا سياسيا يصدر عن سلطة معترف بها، واقتضى ثانيا خضوع مؤسسة عسكرية أمضت سنوات وهي تقاوم أي رقابة مدنية فاعلة.
وتنبع أهمية هذا الفارق من أن الدول لا تستسلم لمجرد أنها تكبدت قدرا هائلا من المعاناة، بل حين توجد سلطة شرعية تملك أن تقرر أن الحرب بلغت نهايتها، وحين يكون بالإمكان إخضاع مؤسسات القوة في الدولة لهذا القرار. وفي اليابان، جاء تدخل هيروهيتو ليسد هذه الثغرة الحاسمة بالذات، إذ وضع القرار الصادر من القمة حدا لحالة الشلل داخل القيادة.


