لا يمكن قراءة تجربة الكاتبة الفرنسية كارول فيف (1971) من دون التوقف عند المسار الذي قادها من الفلسفة والفنون التشكيلية إلى الرواية، إذ درست الفلسفة ثم الفنون البصرية ونالت دبلوم التعبير التشكيلي العالي من مدرسة الفنون الجميلة في باريس، قبل أن تبدأ الكتابة في الأصل لتفسير عملها بوصفها رسامة. منذ مجموعتها القصصية الأولى، "حين نصير سعداء"، راحت تبني عملا سرديا شديد التماسك يتحرك بين الرواية وأدب الناشئة، ويعنى بتشريح العائلة المعاصرة، والطبقة الاجتماعية والعنف الكامن في اليومي، عبر لغة مشدودة إلى الشفهي وإلى الإيقاع الحي للكلام. واصلت هذا المسار في كتب مثل "امرأة على الهاتف" و"الصمود حتى الفجر" و"التربنتين" و"لدي ما أقوله لك"، كما دخلت روايتها الأخيرة قبل "مكالمة فائتة"، أي “لدي ما أقوله لك”، القائمة الأولى لجائزة "غونكور" عام 2022. هنا حوار معها.
يرى البعض في روايتك "مكالمة فائتة" تكثيفا للوجه المعتم من الأمومة، أين تضعين الحد الفاصل بين تكثيف يكشف، وتكثيف يقلص مساحة التأويل؟
هذا نص عن الرابطة أكثر من كونه كتابا عن الأمومة، وعن الكيفية التي تستطيع بها هذه الرابطة الاستمرار داخل العائلات مهما يكن الثمن. حتى حين تكون هذه الرابطة مضطربة، وحتى حين لا تكاد تقوم إلا على خيط واه، فإنها تبقى، تلح وتفرض حضورها. من هنا يتيح اختيار صوت واحد ملامسة هذا الإصرار من الداخل، من غير أن ننظر إليه من عل أو نحكم عليه من الخارج.
هنا يتصل الأمر بعلاقة الوالدين بالأبناء، غير أن هذا يمكن أن ينسحب أيضا على العلاقة بين زوجين أو بين صديقين: ما الذي ينسج العلاقة؟ ما الذي ينخرها؟ وإلى أي حد نستطيع احتمالها؟ يظل الحبل الذي يربطنا بالأم هو الأكثر التباسا: كيف نلفظ من منحتنا الحياة؟ في هذا المعنى، وعلى نحو يذكر بما قالته مارغريت دوراس، تكون كل أم في عين طفلها مسكونة بشيء من الجنون، وذلك لأنها تحمل في ذاتها جنون تلك الرابطة الأولى.
سلطة العائلة
تصورين إلحاح الأم على ابنتها لتلبية الكثير من طلباتها، فهل هذا الإلحاح تحول من أداة للبقاء إلى أداة للسلطة؟
هذا صحيح، فالإلحاح هنا هو الآلية نفسها التي تقوم عليها الرابطة، حتى إنه يلامس أحيانا حدود المضايقة. الأمر وثيق الصلة أيضا بالسلطة التي يملكها الواحد على الآخر: سلطة الاستيلاء على وقته وانتباهه، فالأبوة والأمومة تنطويان على سلطة، وبطلة الرواية شارلين تستخدم هذه السلطة أداة للهيمنة وتستثمر كل وسائل التلاعب لابقاء ابنتها عند طرف الخيط: تبدل نبرتها باستمرار، فتنتقل من الابتزاز إلى الشكوى إلى الدعابة... ثم هناك "الطارئ" الذي يفرض الرد ويلزم به. لو كانت شارلين رجلا لقلنا إنها شريك سام. لكن ما يتكشف هنا هو أن هذه السمية آتية من بعيد، من الرابطة الأمومية نفسها، من كل ما تبيحه باسم الحب والشعور بالذنب.



