سيمون كرم... السفير المستقل

يرفض الوصاية على لبنان، كما يرفض أي احتلال لوطنه من أي نوع كان

إيوان وايت
إيوان وايت

سيمون كرم... السفير المستقل

مع تكليف السفير سيمون كرم بقيادة الوفد اللبناني المفاوض مع إسرائيل، يقف لبنان على عتبة مرحلة استثنائية في مساره التاريخي. إنه اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على انتزاع تسوية، تُترجم حقوقها السيادية إلى وقائع قابلة للتنفيذ.

وصل السفير كرم إلى هذا الموقع بدفع مباشر من رئيس الجمهورية جوزيف عون، متجاوزاً أصواتاً رافضة للتفاوض المباشر مع إسرائيل. غير أن المشهد الداخلي بات مختلفاً عما كان عليه؛ فبعد حروب متتالية خاضها "حزب الله" منذ عام 1996 حتى 2026، بدأت التوازنات السياسية تنقلب تدريجيا لصالح خيار التفاوض. اللبنانيون في معظمهم باتوا يميلون إلى الحلول المباشرة، ويدعمون مبادرة رئيسهم، الذي يُعلن صراحةً استعداده للذهاب إلى أي طاولة، توفر مخرجاً حقيقيا من الأزمة.

ولد السفير كرم في جزين جنوب لبنان، وذلك في الثاني من فبراير/شباط عام 1950. ودرس الحقوق في جامعة "القديس يوسف"، وهذا كان واضحًا في تعامله السياسي والقانوني. يعيش حياة هادئة نسبيا، لكنه حاضر دائماً في النقاش الوطني من خلال إطلالاته الإعلامية ومحاضراته ولقاءاته.

قبل دخوله السلك الدبلوماسي شغل كرم منصبين إداريين رفيعين: الأول، محافظ البقاع في عام 1990. والثاني محافظ بيروت في 1991.

وبعد ذلك عاد إلى ممارسة مهنته الأساسية المحاماة. ونشط في مجالات سياسية وفكرية، ومنتديات النقاشات الوطنية. وهو معروف بأسلوبه الصريح، وفي حالات عدة بمواقفه الحادة والمتصلبة، لا سيما في الدفاع عن سيادة لبنان، واستقلال قراره السياسي. وهو من الشخصيات السيادية المستقلة في لبنان. وشارك في لقاء قرنة شهوان 2001، الداعي لانسحاب القوات السورية. كما أنه كان حاضرًا في الحوارات الوطنية التي سبقت عام 2005. وله خلفية متقدمة في الشؤون الدستورية والدولية.

ونشأ كرم في بيئة مارونية حضرية مهتمة بالثقافة والعلم. وفي عام 1992 عين سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة الأميركية، وقدم أوراق اعتماده إلى الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في الثامن من سبتمبر/أيلول من العام نفسه، إلا أن مسيرته الدبلوماسية كانت قصيرة. إذ استقال بشكل مفاجئ، وسط تفسيرات متعددة، منها، اعتراضه على الأداء السياسي للسلطات آنذاك. عاد بعد ذلك إلى لبنان، واستأنف عمله في المحاماة.

وفي مطلع الألفية، برز اسم كرم ضمن أطر سياسية سيادية، وشارك في الحوارات الوطنية التي سبقت انتفاضة الاستقلال عام 2005. وأعلن أن اغتيال جبران تويني، كان في سياق مواجهة المشروع السيادي اللبناني. وكان يعرف بمواقفه الحادة، تجاه النفوذ السوري في لبنان، وتجاه السلاح خارج الدولة، وبخطابه المباشر الذي لا يجامل.

كان يعرف بمواقفه الحادة تجاه النفوذ السوري في لبنان، وتجاه السلاح خارج الدولة، وبخطابه المباشر الذي لا يجامل

سبق للسفير كرم أن تم تعيينه رئيساً للوفد اللبناني المدني في اللجنة الدولية لمراقبة اتفاق وقف النار الذي جرى في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وهي ما سُمي "لجنة الميكانزم". حيث كانت هناك مناقشات مباشرة في إطار هذه اللجنة مع إسرائيل، بغطاء أميركي-فرنسي-أممي. واللجنة تعنى بوقف الخروقات لاتفاق وقف النار 2024، وإزالة كل العقبات أمامه، وفي ملامح شخصيته خلفية قانونية دبلوماسية مهمة للتفاوض، بأسلوب غير مجامل، لكنه مرن، وينظر إليه كشخصية مدنية سلسة، لكنها تحافظ على ثوابت لبنان الدولة والسيادة على كافة أراضيه. وهو يرفض الوصاية على لبنان، كما يرفض الاحتلال لوطنه من أي نوع كان.

وفي يوليو/تموز 2025، وخلال ندوة في جامعة "القديس يوسف"، عقدت لإحياء ذكرى المفكر والكاتب الوطني حبيب صادق، شارك السفير كرم بمداخلة أثارت جدلاً واسعاً داخل القاعة. كما أثارت غضب مناصري "حزب الله" الحاضرين، وبعض اليساريين. فارتفعت أصواتهم رفضًا لمضمون خطابه، وأحدثوا فوضى في القاعة قبل انسحابهم منها احتجاجاً.

رويترز
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض في مقر وزارة الخارجية بواشنطن العاصمة، خلال المفاوضات المباشرة بين اسرائيل ولبنان في 14 أبريل 2026

 وتناول آنذاك كرم في كلمته تداعيات "حرب الإسناد" على لبنان قائلاً: "إن شروط إنهاء الحرب جاءت أفدح من الحرب. وما يزيد الأمور بشاعة، أن الذين أذعنوا لوقف النار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل. يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي. وهو الوحيد المتاح بعد النكبة. ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم كفى"... فعكست هذه الحادثة شخصية كرم الجدلية، وقدرته على خوض النقاشات أينما حضر.

شروط إنهاء الحرب جاءت أفدح من الحرب. وما يزيد الأمور بشاعة، أن الذين أذعنوا لوقف النار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل

تم تعيين السفير كرم رئيساً للوفد اللبناني في "لجنة الميكانزم" أي لجنة مراقبة وقف إطلاق النار في بداية ديسمبر/كانون الأول 2025. وقد شارك في أول اجتماع له في هذا المنصب يوم الأربعاء، في الثالث من الشهر نفسه، كأول عضو مدني في هذه اللجنة التقنية العسكرية. ورأس الوفد اللبناني في اللجنة التي تضم ممثلين عن الولايات المتحدة، وفرنسا، و"اليونيفيل" وإسرائيل. وجاء التعيين بناء على التزامات ما، بعد اتفاق وقف النار الذي تم التوصل إليه في 27 نوفمبر 2024. وجاء التعيين أيضاً استجابة لطلب أميركي.

والمعنى السياسي لهذا التعيين هو في الانتقال من مرحلة إلى أخرى، وقال رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، إنه "يعكس طابعا مختلفا للمرحلة الجديدة. وأن الخطوة تظهر جدية لبنان واستعداده للانخراط الكامل في المسار التفاوضي، وفق الآلية المعتمدة. لافتاً إلى إمكان توسيع الفريق لاحقاً ليضم اختصاصيين إضافيين، كخبراء في الجغرافيا والطوبوغرافيا لتعزيز قدرة اللجنة".

أ.ف.ب
السفير سيمون كرم

 وقد أظهرت هذه الخطوة الاستعداد اللبناني للانخراط في المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي. فجلس كرم في الاجتماعات وجهاً لوجه مع ممثل إسرائيل، وكانت النقاشات مباشرة، فكان الأمر بالنسبة إلى كرم تحضيريا، لما عاد وكلفه به الرئيس عون برئاسة الوفد اللبناني المفاوض. وكانت التجربة الأولى له في الحديث مع الإسرائيليين. وفي ضوء التوجه نحو التفاوض مع إسرائيل، عين رئيس الجمهورية السفير كرم، رئيساً لوفد لبنان في المفاوضات مع إسرائيل في مارس/آذار 2026، وثبت القرار في 20 أبريل/نيسان 2026. والمفاوضات ستبدأ قريباً، بعد استكمال التحضيرات لها من خلال الاجتماعات بين سفيرة لبنان لدى واشنطن ندى معوض، والسفير الإسرائيلي هناك ياخيل ريتر. وتهدف المفاوضات إلى: إنهاء احتلال إسرائيل، والتي أقامت الخط الأصفر داخل لبنان، ونشر الجيش اللبناني، ضمن إنهاء الوضع الشاذ، وإعادة السيادة على الجنوب، وإطلاق الأسرى اللبنانيين، وفقاً لما قاله الرئيس عون في تصريحات، أوردتها الوكالة الوطنية للأنباء. وستكون المفاوضات "مفصلية" لأن لبنان "أمام خيارين: إما استمرار الحرب مع ما تحمله من تداعيات إنسانية، واجتماعية واقتصادية وسيادية. وإما التفاوض لوضع حد لهذه الحرب، وتحقيق الاستقرار المستدام". واختار الرئيس التفاوض لإنقاذ لبنان، واختار رئيساً للوفد التفاوضي والذي يكن له كل الثقة والاحترام.

اختيار السفير كرم لرئاسة الوفد اللبناني المفاوض، كان خطوة مدروسة بدقة. إذ تربطه برئيس الجمهورية جوزيف عون علاقة ثقة تامة

اختيار السفير كرم لرئاسة الوفد اللبناني المفاوض، كان خطوة مدروسة بدقة. إذ تربطه برئيس الجمهورية جوزيف عون علاقة ثقة تامة. كما تربطه بمعظم القيادات اللبنانية علاقة ثقة أيضاً. واختاره الرئيس على أساس هذه الثقة، وعلى أساس خلفيته القانونية والدبلوماسية، وعلى أساس وطنيته الصادقة. فالتفاوض يحتاج إلى القانون والدبلوماسية في آنٍ. وتستخدم الدبلوماسية كوسيلة لتحقيق الحقوق القانونية، بعيداً عن المدافع والصواريخ.

السفير كرم ليس محسوباً على حزب معين في لبنان. ما يعطيه مرونة في الحوار، وقدرة على التأثير، وقبول داخلي وخارجي أوسع. ومن المؤكد أن تعيينه في هذا المنصب، يعكس قرار لبنان القبول بتوسيع محتوى التفاوض، الذي قد يشمل مع حل المشاكل العالقة مع إسرائيل، ترتيبات أمنية، وتفاهمات غير مباشرة، وآليات تهدئة طويلة الأمد. وكلها ستكون مرتبطة بآلية تنفيذ القرارات، التي سيتفق حولها في نتيجة التفاوض. وهذا التفاوض يحظى بغطاء أميركي-أوروبي-عربي، ومن الأمم المتحدة. ما يعطي دور السفير كرم بعداً ليس فقط على المستوى الثنائي بين لبنان وإسرائيل، إنما أيضاً على مستوى الصياغة الدولية للتوجهات حول لبنان.

أ.ف.ب
الرئيس اللبناني جوزيف عون يُلقي خطابا متلفزا موجها للشعب اللبناني من قصر بعبدا الرئاسي، شرق العاصمة بيروت، في 17 ابريل 2026

والذين يعرفون السفير كرم، يدركون تماماً، أنه لن يفرط بشبر واحد من أرض لبنان. وأنه سيادي بامتياز مع كل الخارج، وليس فقط حيال دولة محددة أو حالة معينة. السفير كرم قليل الكلام، ويدرك جيداً أن مهمته لا تحتاج إلى كلام في الإعلام. وهو يمتلك رصيداً مهماً في الاستشراف السياسي. يعزز صورته كمفاوض يقرأ ما بين السطور. ففي عام 1999، أثار عاصفة من الجدل، حين أعلن أن إسرائيل ستنسحب من لبنان قريباً. وفيما اعتبر كثيرون في حينه، أن في كلامه مبالغة، حصلت صدمتهم، عندما تحقق الانسحاب الإسرائيلي في مايو/أيار من عام 2000. ما عزز من هيبته كخبير في الشأن الإسرائيلي والدولي.

أمام السفير كرم محطات شائكة في التفاوض. وهو يدرك أن التفاوض مع إسرائيل ليس نزهة. وقد يواجه مطبات متنوعة. لكن ما يعزز موقفه، وموقف لبنان من خلفه، هو أن التفاوض يحظى بغطاء عربي وأوروبي وأميركي في آنٍ.

وهذا الغطاء، كانت وفرته الاتصالات الخارجية المكثفة التي قام بها كل من رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء أخيراً. كما أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بما يمثل ومن يمثل، ليس بعيداً عن سلوك خيار التفاوض، وهو الخيار شبه الوحيد أمام لبنان.

السفير كرم ليس خصماً لأحد، وليست له عداوات مع أحد. ما يجعله يخفف الضغوط عنه، على المستوى الداخلي، وهذا ما يمنحه صلابة وقوة في التفاوض، على قاعدة أن الأقوى هو الذي لا يريد شيئا من أية جهة، ولا من أي أحد.

font change

مقالات ذات صلة