أزمة سياسية في بريطانيا... هل تطيح "فضيحة ماندلسون" بستارمر؟

استقالة رئيس الوزراء لم تعد مسألة ما إذا كانت ستحدث وإنما متى ستحدث

رويترز- المجلة
رويترز- المجلة

أزمة سياسية في بريطانيا... هل تطيح "فضيحة ماندلسون" بستارمر؟

حين قاد رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر "حزب العمال" إلى فوز كاسح في انتخابات عام 2024، فعل ذلك مستندا إلى تعهد واضح بإعادة الانضباط وإحياء الإحساس بالنظام في إدارة شؤون البلاد.

فبعد الفوضى التي أحاطت بحكومات المحافظين السابقة بقيادة بوريس جونسون وليز تراس، بدا ستارمر، المحامي السابق الذي انتقل إلى العمل السياسي، في نظر كثير من البريطانيين المرشح الأنسب لإرساء الحياة السياسية على أرض أكثر ثباتا واستقرارا.

ومن ثم، فإن الفضيحة السياسية القاصمة التي وجد ستارمر نفسه في قلبها، على خلفية تعامله مع تعيين اللورد بيتر ماندلسون، أحد أركان "حزب العمال"، سفيرا للمملكة المتحدة في واشنطن، لم تكتف بتوجيه ضربة قاسية إلى سمعته الشخصية المرتبطة بالنزاهة والالتزام بقواعد الحكم، وإنما أثارت أيضا تساؤلات جدية عن المدة التي يستطيع خلالها البقاء في منصبه في "داونينغ ستريت". وهي فضيحة لا تبدو حتى الآن في طريقها إلى الانحسار.

وكان ماندلسون، الذي برز اسمه أول مرة في تسعينات القرن الماضي، أحد مهندسي "حزب العمال الجديد" الذي حقق نجاحا لافتا بقيادة توني بلير. ومنذ اللحظة التي أعلن فيها ستارمر، في ديسمبر/كانون الأول 2024، اختياره لهذا المنصب الرفيع سفيرا لبريطانيا لدى الولايات المتحدة، ظل تعيينه موضع جدل واسع.

وانصبت أبرز المخاوف حول صلته الوثيقة السابقة بجيفري إبستين، الممول الأميركي المدان بارتكاب جرائم جنسية بحق أطفال. وإلى جانب ذلك، كانت بعض أوساط وستمنستر تنظر إليه بتحفظ بسبب علاقاته التجارية مع روسيا والصين.

غير أن خبرته مفوضا تجاريا لدى المفوضية الأوروبية هي التي أقنعت ستارمر بأن ماندلسون مرشح قوي لشغل منصب المبعوث البريطاني إلى واشنطن، فور عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض لبدء ولايته الثانية. ومع تصاعد التوقعات بأن ترمب سيستثمر ولايته الثانية للتفاوض على اتفاق تجاري جديد مع المملكة المتحدة، اعتبر ماندلسون الشخصية الأنسب لضمان خروج بريطانيا بصفقة مواتية.

تبددت أي آمال ربما راودت ستارمر في أن إقالة ماندلسون ستطوي صفحة الجدل، مع نشر معلومات أشد ضررا تتصل بتعيينه

غير أن ستارمر، وإن اعتقد أن إسناد هذا المنصب الحساس إلى ماندلسون مبرر تماما، عاد لاحقا ليندم على ذلك الاختيار، بعدما تكشفت تباعا سلسلة من الفضائح أثارت تساؤلات عميقة عن سلامة تقديره منذ اللحظة الأولى التي قرر فيها تعيينه.

وهكذا يجد ستارمر نفسه اليوم في معركة يائسة من أجل البقاء في رئاسة الوزراء، قبل أقل من عامين على الفوز الكاسح الذي حققه "حزب العمال" في الانتخابات.

وظهرت أولى الإشارات إلى أن ستارمر ارتكب خطأ فادحا حين عيّن ماندلسون العام الماضي، مع نشر ملفات إبستين في الولايات المتحدة، وهي وثائق أظهرت أن المبعوث البريطاني واصل صلاته بالممول الأميركي حتى بعد إدانته في قضايا جرائم جنسية.

رويترز
كير ستارمر، زعيم حزب العمال البريطاني، أثناء إلقائه كلمة في حفل استقبال احتفالاً بفوزه في الانتخابات، في متحف تيت مودرن بلندن، بريطانيا، في 5 يوليو 2024

وتجاوز ستارمر تلك العاصفة بإقالة ماندلسون في سبتمبر/أيلول من العام الماضي على نحو فج، متهماً السفير السابق بأنه ضلله بشأن مدى علاقته بإبستين. وفي محاولة لوضع حد لهذه القضية البائسة بما حملته من إحراج، قدم ستارمر اعتذارا علنيا عن أصل قرار التعيين.

وفي أوجه كثيرة، لا يملك ستارمر إلا أن يحمّل نفسه مسؤولية المأزق الذي وجد نفسه فيه، إذ كانت سمعة ماندلسون كشخصية مثيرة للجدل معروفة منذ السنوات التي أمضاها في حكومة "حزب العمال الجديد" بقيادة توني بلير.

وخلال مسيرة وزارية مضطربة، اضطر ماندلسون إلى الاستقالة من منصبه مرتين على خلفية اتهامات بسوء السلوك. ففي عام 1998، قدم أولى استقالتيه من الحكومة بعدما تكشف أنه تلقى قرضا سريا بقيمة 373 ألف جنيه إسترليني من زميله الوزاري جيفري روبنسون.

وبعد أقل من عام، عاد إلى الحكومة ليتولى منصب وزير شؤون أيرلندا الشمالية. ولم يطل بقاؤه في هذا المنصب، إذ استقال في يناير/كانون الثاني 2001 على خلفية اتهامات تتعلق بسوء التصرف في تعامله مع طلبات جوازات السفر الخاصة برجال أعمال هنود.

وتبددت أي آمال ربما راودت ستارمر في أن إقالة ماندلسون ستطوي صفحة الجدل، مع نشر معلومات أشد ضررا تتصل بتعيينه، وهي معلومات اضطرت الحكومة البريطانية إلى كشفها تحت ضغط من سياسيين معارضين طالبوا "داونينغ ستريت" بنشر كل ما يتوافر من تفاصيل عن هذا التعيين.

لم تتفاقم أزمة ستارمر السياسية إلا بعد أن أصبح فشل ماندلسون في اجتياز التدقيق أمرا معروفا على الملأ، مع نشر تفاصيل إضافية عن طريقة تعامله مع هذا التعيين

ومن بين أكثر ما ظهر هذا الشهر ضررا وإثارة للدهشة، تأكيد أن ماندلسون أخفق في اجتياز إجراءات التدقيق الصارمة التي يخضع لها أي مسؤول بريطاني قبل توليه منصبا رفيع المستوى.

وتكمن المشكلة بالنسبة إلى ستارمر، السياسي الحريص دائما على الظهور في صورة الملتزم الصارم بالقواعد، في أن ماندلسون فشل في اجتياز التدقيق بعد أن باشر بالفعل مهامه في منصبه الجديد سفيرا.

وجاء ذلك على الرغم من أن ستارمر نفسه كان قد تلقى في وقت سابق نصيحة من سايمون كايس، أمين مجلس الوزراء آنذاك في "داونينغ ستريت"، مفادها أنه إذا أراد إجراء تعيين سياسي في منصب واشنطن، فعليه أن يضمن استكمال عملية التدقيق قبل إقرار التعيين.

رويترز
متظاهرون خلال احتجاج ضد التطرف اليميني في وايتهول، نظمه "تحالف معا"، وهو ائتلاف من النقابات ومنظمات المجتمع المدني، في لندن، بريطانيا، 28 مارس 2026

ونصح كايس رئيس الوزراء قائلا: "سنضع خطة تتيح له الحصول على التصاريح الأمنية اللازمة واستيفاء الفحص الواجب لأي تضارب محتمل في المصالح أو أي مسائل أخرى ينبغي أن تكون على بينة منها قبل تثبيت اختيارك".

لكن ستارمر آثر تجاهل هذه النصيحة، إذ أراد وجود ماندلسون في واشنطن قبل تنصيب ترمب في يناير/كانون الثاني 2025. ونتيجة لذلك، حين تبين أن ماندلسون أخفق في اجتياز عملية التدقيق، قررت وزارة الخارجية، وهي الجهة التي تقع عليها في نهاية المطاف مسؤولية الإشراف على التعيين، أن لا تبلغ رئيس الوزراء بهذه المشكلة.

ولم تتفاقم أزمة ستارمر السياسية إلا بعد أن أصبح فشل ماندلسون في اجتياز التدقيق أمرا معروفا على الملأ، مع نشر تفاصيل إضافية عن طريقة تعامله مع هذا التعيين، لتنهال عليه اتهامات من سياسيين معارضين بأنه تعمد تضليل البرلمان في هذه القضية، مع تصاعد الدعوات المطالبة باستقالته.

وجاء رد ستارمر الأول بإقالة رئيس الجهاز الإداري في وزارة الخارجية السير أولي روبنز، بحجة أنه لم يبلغه بأن ماندلسون لم يجتز عملية التدقيق في خلفيته. وقال ستارمر إنه لو كان أحيط علما بالمشكلات المحيطة بتعيين ماندلسون، لما مضى في هذا القرار.

تساؤلات جدية تطرح الآن حول ما إذا كان ستارمر قادرا على البقاء في منصب رئيس الوزراء، ولا سيما أن التوقعات تشير إلى أن "حزب العمال" سيتكبد خسائر فادحة في الانتخابات المحلية الشهر المقبل

غير أن ستارمر، حين حاول أن يقدم أمام مجلس العموم رواية مفصلة عن دوره في هذه القضية، قوبل بسيل من صيحات الاستهجان، في إشارة واضحة إلى أن كثيرا من النواب لا يصدقون روايته، ويرون أنه يحاول اتخاذ روبنز كبش فداء لستر سوء إدارته هو نفسه لهذه القضية.

وزاد موقف ستارمر تعثرا أن روبنز، في اليوم التالي مباشرة لمثول رئيس الوزراء أمام مجلس العموم، أدلى بروايته الخاصة أمام لجنة الشؤون الخارجية في المجلس، وقال إنه تعرض لضغوط هائلة من "داونينغ ستريت" للمضي قدما في تعيين ماندلسون في واشنطن، بغض النظر عن اجتيازه التدقيق الأمني من عدمه.

ومحصلة ذلك أن تساؤلات جدية تطرح الآن حول ما إذا كان ستارمر قادرا على البقاء في منصب رئيس الوزراء، ولا سيما أن التوقعات تشير إلى أن "حزب العمال" سيتكبد خسائر فادحة في الانتخابات المحلية الشهر المقبل، وسط حديث عن أن تراجع شعبية ستارمر في استطلاعات الرأي يمثل عاملا رئيسا في تدهور آفاق الحزب.

ومع شروع أحد كبار أعضاء حكومة "العمال" بالفعل في إبداء شكوكه في قدرة ستارمر على الاستمرار في منصبه، يتسع في وستمنستر شعور متنام بأن فضيحة ماندلسون ستنتهي، في نهاية المطاف، بإخراج ستارمر من "داونينغ ستريت" خلال الأشهر المقبلة.

وكما قال أحد نواب "حزب العمال" عقب أحدث محاولة من ستارمر للدفاع عن أفعاله، فإن احتمال استقالة رئيس الوزراء لم يعد مسألة ما إذا كان ذلك سيحدث، وإنما متى سيحدث.

font change

مقالات ذات صلة