عن هاني شاكر الذي رفض أن يعيش في جلباب عبد الحليم حافظ

حرس ساحته الغنائية لنصف قرن

Hany Shaker
Hany Shaker
هاني شاكر

عن هاني شاكر الذي رفض أن يعيش في جلباب عبد الحليم حافظ

ستون عاما تفصل بين الظهور الأول لهاني شاكر في فيلم "سيد درويش" عام 1966 وبين رحيله في 2026 عن 73 عاما. تشكلت خلال هذه الفترة شخصية فنية استطاعت الحفاظ على موقعها على الخريطة الفنية وتجاوز كل المطبات والتحولات في الذائقة والمزاج.

اختفى نجوم كبار ولم ينجحوا في عبور حاجز الزمن والتفاهم مع ما استجد على الساحة الفنية من مشاريع جديدة اصطدمت مع مشاريعهم التي كانت لا تزال مرتبطة بموجات كلاسيكية سابقة، وقد فشلت محاولات بعضهم لتلوين طابعهم الذي يستقي روحه وكلماته وأشكال تقديمه وأدائه من نجوم المرحلة الممتدة من ثلاثينات القرن العشرين إلى سبعيناته، فلم يستطيعوا تجاوز أنفسهم كما لم ينجحوا في مسايرة الجديد.

السؤال الأساس حول هاني شاكر يرتبط قبل كل شيء باستمراريته على الرغم من أنه ينتمي إلى المرحلة نفسها و التجربة نفسها التي ذوى كل نجومها بينما بقي حاضرا ومحتفظا بهالة ونجومية واسعتين. فمع أن أغنيته الأولى "حلوة يا دنيا" من ألحان محمد الموجي اعتبرت في بدايته أغنية جديدة لعبد الحليم حافظ، فإن شاكر نجا من أن يكون مجرد ظل باهت له.

عبر بأمان مرحلة الثمانينات التي شهدت انقلابا حادا في المزاج مع حميد الشاعري وما أشاعه في الغناء من نمط يقوم على الإيقاع ويتبنى الخفة ويقدم نفسه عبر أصوات هشة وضعيفة، وعبر كذلك مرحلة تكريس النجومية المطلقة لعمرو دياب في التسعينات والألفية وما بعدها، وبقي صامدا حتى مرحلة المهرجانات التي خاض ضدها معركة شرسة.

ضد عبد الحليم

قصة ظهور هاني شاكر كمنافس مصطنع لعبد الحليم دُفع إلى الواجهة إثر خلافات بين الحليم والموجي قرر بعدها الاخير أن يضرب عبد الحليم بمغن شاب وصاعد وأن يمنحه ألحانه، ليست دقيقة ومثبتة على الرغم من شيوعها، وكذلك تلك القصة عن طلب أم كلثوم من الملحن خالد الأمير التلحين للصوت الجديد كنوع من الحرب غير المعلنة مع عبد الحليم.

ضبط المقاربة التي لا تني تتكرر حول هاني شاكر وعبد الحليم، يستوجب تأكيد أن شاكر حرص منذ البداية على التناقض مع عبد الحليم على عكس الفكرة الشائعة

بقي السؤال عن مرجعية عبد الحليم في مشروع شاكر يلاحقه حتى نهاية حياته، لكن المقاربة بين الاثنين تظلمهما كليهما. فإذا كان ملحنو عبد الحليم مثل الموجي وبليغ حمدي ومنير مراد قدموا له أغنيات في بداياته، فإن كل مراحله اللاحقة تشكلت عبر ملحنين وشعراء مختلفين. الأغنيات التي قدمها له هؤلاء الملحنون اقتصرت على بداياته وحسب ولم تستمر بجدية إلى مراحل لاحقة، ما خلا لحن بليغ حمدي "أيام" الذي غناه شاكر عام 1992 قبل عام من رحيل حمدي في ألبوم "كله يهون". بدت تلك الأغنية ذات الطابع القدري الشاكي من الزمن، كلاسيكية بامتياز. وكذلك لم يستكمل تجربته مع منير مراد التي اقتصرت على أغنيتي "قسمة ونصيب" و"تسلملي عيونه الحلوين"، لأنه ربما لم يحتمل مناخها الميال إلى التجديد والخفة والمغاير للمشروع الذي وجد نفسه فيه والمنسجم مع ألحان محمد سلطان وخالد الأمير.

كما أن محمد عبد الوهاب الذي كان كل الملحنين يعتبرونه أستاذهم ومرجعهم، لم يعطه أي لحن، وسمح له قبل وفاته في العام 1991 بغناء أغنية "من غير ليه" التي كانت مخصصة للعندليب ولم يسعفه القدر في تقديمها، ولكنه لم يعطه إياها على الرغم من أنه أثنى على أدائه لها ومدحه، بينما كان قد أعطى مجايله محمد ثروت لحن "يا حياتي".

ولكن ضبط المقاربة التي لا تني تتكرر حول هاني شاكر وعبد الحليم، يستوجب تأكيد أن شاكر حرص منذ البداية على التناقض مع عبد الحليم على عكس الفكرة الشائعة، وقد برز ذلك الاختلاف العميق في منطق أداء شاكر الذي يجر الأغنية إلى منطقة الانفعال المنضبط والمنظم والأداء المتزن والسليم والمدروس والخالي من المغامرات من أي نوع كانت، بينما كان عبد الحليم يسكن في أغنيته ويقدمها كأنها روحه، ويطلق أداء انفعاليا مفتوحا قد يخرج عن الانضباط والصرامة، مقدما بذلك حلاوة ومزاجا لا يخلوان من المغامرة.

وكذلك كان عبد الحليم راصدا للأمزجة السائدة وحريصا على التفوق على أصحابها في ساحتهم، فقد خاف من نجومية مشروع الغناء الشعبي الذي كان يقدمه الثلاثي الأبنودي وبليغ ومحمد رشدي، ولم يخش الدخول إلى ساحة غير ساحته ومقارعة نجومها في أرضهم، فقدم مجموعة أغنيات شكلت مفاجأة لجمهوره ونجح عبرها في التفوق على أصحابها في مجالهم.

هاني شاكر لم يدخل في مغامرات من هذا النوع البتة، فقد بقي دائما في ساحته الخاصة ولم يخرج منها على الإطلاق، ولم يحاول التفاهم مع الأمزجة المستجدة وأنماط الغناء الجديدة التي تزامنت مع مشروعه وتجربته. كان يحافظ على استمرار حضوره بنوع من التلوين الخفيف لأسلوبه وكلمات أغانيه التي صنع لها وظيفة تبادلية إذا صح التعبير، مثل أغنيات "مشتريكي ما تبيعيش"، "نسيانك صعب أكيد"، "لسة بتسألي"، "غلطة" و"بحبك أنا" وغيرها.

لم يكن شاكر متلائما مع متطلبات الصورة، لا قديما ولا حديثا، لذا اجتهد بقوة وإصرار على ربط تجربته بالحضور الصوتي المتواطأ عليه بينه وبين جمهوره

حيوية تلك الأغنيات تكمن في صلاحيتها للتبادل بين العشاق، إذ تغلب عليها صيغ التخاطب المباشرة خلافا لأغاني عبد الحليم التي كانت تتجه إلى الحب نفسه وتصف أحواله. لذا يمكن القول إن أغنيات عبد الحليم تستعاد كعنوان لزمن كامل وليس كمرحلة، بينما سعى هاني شاكر إلى ربط أغنياته بحدث وعلاقة، وفي هذا العنوان كانت البنية السائدة لأغانيه مختلفة تماما عن السائد والمرجعي في أغنيات عبد الحليم.

وقد عرف شاكر مبكرا أن علاقته بالسينما غير مناسبة له فاقتصرت تجربته السينمائية على أربعة أفلام، كان أولها مشاركته طفلا في "سيد درويش"، وتبع ذلك فيلم "لما يغني الحب" 1973 و"عايشين للحب" 1974 وبعدها ختم تجربته السينمائية بفيلم "هذا أحبه وهذا أريده" عام 1975 من إخراج حسن الإمام الذي سبق أن قدم لعبد الحليم فيلم "الخطايا" 1962.

الاختلاف شاسع بين تجربة هاني شاكر وتجربة عبد الحليم، إذ إن أفلام عبد الحليم تشكل جزءا مهما من تجربته وتاريخه وقد نجح فيها في أن يكون ممثلا معقولا، وعرفت أفلامه نجاحا جماهيريا واسعا وبشكل خاص فيلم "أبي فوق الشجرة" مع المخرج حسين كمال الذي استمر عرضه لسنتين ولا يزال يستعاد بشكل دائم.

وبمقارنة تجربة حسن الإمام مع شاكر، بدا الفيلم هشا وهزيلا ولم ينفعه الاحتماء بألحان إلياس الرحباني الذي كان في تلك الفترة علامة بارزة في تقديم موسيقى الأفلام مثل "دمي ودمعي وابتسامتي" و"أجمل أيام حياتي" والأغنيات الخفيفة الراقصة التي تجمع المزاج الشرقي بتلوين غربي.

لم يكن شاكر متلائما مع متطلبات الصورة، لا قديما ولا حديثا، لذا اجتهد بقوة وإصرار على ربط تجربته بالحضور الصوتي المتواطأ عليه بينه وبين جمهوره والذي نجح في حمايته بصلابة، في حين كان مشروع عب الحليم الغنائي ممسرحا بكليته سواء في حفلاته أو في تجربته السينمائية.

SAMEH SHERIF / AFP
هاني شاكر خلال مؤتمر صحافي بعد توقيع عقد مع شركة "عالم الفن" في القاهرة، 2008

الدراما المفصولة عن صاحبها

وُسم شاكر بألقاب كثيرة منها "أمير الغناء العربي"، وكانت كاسيتاته وسيدياته التي تحمل مختارات من أغانيه تحمل لقب "أمير الأحزان"، ولكن اللقب الأكثر شيوعا شعبيا كان مطرب العلاقات الفاشلة. وقد استقر في الأذهان بناء على ذلك وصف يربط تلقيه بالدراما والحزن.

AMRO MARAGHI / AFP
هاني شاكر يستقبل المعزين بوفاة ابنته دينا في القاهرة، 2011

ولكن المفارقة البارزة أنه ربما يصعب أن تجد مطربا سواه أقام منذ بدايته فصلا صارما بينه وبين أغنياته. لم يرتبط شاكر بأغانيه أو تصبح شخصيته امتدادا لها. بدا بوضوح أنه كان يقدمها كعمل ووظيفة، ويمنحها ما تحتاج إليه بالضبط وفق منطق حسابي دقيق. كان واعيا لهذا الأمر تماما، فلم يمنح أغانيه أو الغناء نفسه صيغة متعالية وشبه روحية كما يفعل الكثيرون، ولم يتورع حتى عن السخرية من أغانيه بنفسه، فقد ظهر في برنامج كان فيه طبخ فقال للمقدمة مازحا "هو انتي لسة بتطبخي" في محاكاة ساخرة لأغنيته "هو انتي لسة بتسألي"، كما ظهر مرة أخرى عاجزا عن تقديم أغنيته "يا ريتني" ومقدمتها الكلامية من دون أن يغرق مرات عدة في القهقهة. وفي عدد كبير من مقابلاته كان لا يكاد يتكلم بقدر ما ينفجر ضاحكا.

بدت أغنية شاكر محتفظة بعناصر صلبة ومستقرة من صيغة كلاسيكية محدثة متخلصة من سطوة الانفعال المفتوح الذي وسم أغنيات الجيل السابق

كل هذا يعني أن تلك الدراما التي صبغت غناءه كانت مشروعا وخيارا، وربما يكون الإصرار على الحفاظ على هذا النوع أحد أسرار بقائه واستمراره. إذ إنه مع غياب ممثليه وتراجعهم وبروز الأنواع الغنائية الجديدة، بدت أغنية شاكر محتفظة بعناصر صلبة ومستقرة من صيغة كلاسيكية محدثة متخلصة من سطوة الانفعال المفتوح الذي وسم أغنيات الجيل السابق، ومطعمة بعناصر حديثة بحذر وحساب.

عاش شاكر طوال حياته في المنطقة الوسطى كما هو حال صوته ووصفه، فكانت أغنياته تذكر بالأغنيات الكلاسيكية من دون أن تنتمي إليها تماما، وتجاور الحديث من دون أن تغرق فيه، ولكنها تحاول فقط تقديم ما يوازي روحه من دون أسلوبه وصخبه وضجيجه.

يمكن وضع تجربة "علي الضحكاية" من كلمات محمد القصاص وألحان سامي الحفناوي في أواخر الثمانينات في هذه الخانة تحديدا، ففي حين كان الجميع يقفزون ويرقصون على إيقاع موجة أغاني مشروع الشاعري وحشد الأصوات التي واكبتها، قدم شاكر أغنية فرحة تعد الأبرز في مسيرته، وواحدة من أغانيه القليلة التي تتبنى الفرح بشكل واضح ومباشر، ولكنه كعادته لم يجعلها أغنية قفز ومرح صاخبة بل أغنية فرح متزن ووقور ومهذب و"شيك"، عبر من خلالها إلى مرحلة الثمانينات الصاخبة وما يليها حيث استمر على النهج نفسه ولم يغادره محافظا على ثبات الأداء والمشروع.

أمنت الإدارة الصارمة التي فرضها شاكر على مشروعه، استمرارية ثابتة ليس فيها صعود مفاجئ ولا هبوط درامي، فبقي نجما. لم يكن نجم النجوم ولكنه لم يكف عن أن يكون نجما، وقد نجح حضوره في استيعاب أزمنة متفاوتة والصمود أمام سطوة نجومية عمرو دياب وغيره، والحفاظ على قاعدة جماهيرية عريضة على الرغم من أن من يستمع إليه ويحبه بات موصوما بالدرامية.

REUTERS/Khalil Hassan
لطيفة وهاني شاكر خلال تسجيل برنامج "تاراتاتا" في بيروت، 2007

لحظة وفاته كشفت عن اعترافات كثيرة تقول إن البعض ربما يكون قد استجاب لضغط ذلك الوصم، ولكن في الوقت نفسه لا يمكنه إنكار أن أغنيات هاني شاكر شكلت جزءا أساسا من ذاكرته وذاكرة أجيال عديدة.

كان شاكر نجما عائليا، ليس في سيرته وطريقة لبسه وسلوكه أي حالة تستدعي نوعا من التقليد الخطير وغير المقبول اجتماعيا، وليس في أغانيه دعوة للتمرد، وكان يبدو دائما مؤمنا بالنظام والانتظام والضبط في الحياة العامة والخاصة. لم يكن فيه ما يقلق أو يستدعي العداء، فكان دائما مجالا آمنا، لذا لم يحارب ولم تصدر في حقه شائعات ولم يتعرض للتكفير، وبقي دائما محتفظا بهالة الرجل "الجنتلمان"، فلم يظهر يغني بالفانيلا كما فعل دياب ولم يغادر الرصانة على المسرح، وكان دائما يغني مرتديا بدلة رسمية أنيقة، راسما بذلك صورته كفنان لطيف ومؤدب وبعيد كل البعد عن التمرد والضجيج.

 AMRO MARAGHI / AFP
هاني شاكر يتسلم جائزة تقديرية عن مجمل مسيرته خلال الدورة الـ61 للمركز الكاثوليكي المصري للسينما في القاهرة، 2013

معارك النقابة والدفاع عن الإرث

المشهد الصراعي الوحيد الذي ارتبط بشاكر كان مع توليه رئاسة نقابة المهن الموسيقية، فقد كان شرسا في لجم ما عده خروجا على الذوق العام والتقاليد الفنية والحشمة والأخلاق. لم يتورع عن إصدار قرارات بمنع عدد كبير من مغني المهرجانات من الغناء وتبرير ذلك ببيانات شبه عسكرية، متمسكا بسلطته ومصرا على تنفيذ قراراته التي تبدو متطرفة قياسا إلى ما عرف عنه من صبر ودماثة وابتعاد عن الصدامية.

نجح في استيعاب أزمنة متفاوتة والصمود أمام سطوة نجومية عمرو دياب وغيره، والحفاظ على قاعدة جماهيرية عريضة

ولكن خلف المشهد الرسمي لرئاسة النقابة يكمن عنوان أعرض بكثير وأكثر التصاقا بالشأن الشخصي، فشاكر الذي نجح في الاحتفاظ بدرجة ثابتة من النجومية والنجاح والبقاء في الواجهة، وجد نفسه في مواجهة موجة عارمة وفاعلة ومؤثرة وسريعة الانتشار والذيوع. الأهم من ذلك أنها على الرغم من فوضويتها وشوارعيتها، تنتسب إلى مزاج مصري عميق وفاعل، بدأ مع أحمد عدوية الذي، وللمصادفة، خرجت أغنيته الضاربة الأولى التي شكلت حدثا "السح الدح امبو" من الشركة نفسها التي طبعت لشاكر أولى أسطواناته وهي شركة "صوت الحب".

وعلى غرار المواجهة الحادة والعنيفة التي جوبه بها عدوية في زمنه، بدا شاكر ممثلا لسلطة القمع والرفض للجديد تحت الحجج نفسها التي سبق أن واجهها عدوية، فمن المرات القليلة التي خرج فيها شاكر عن دماثته وانضباطه كانت حين ظهر مرددا إحدى أغاني المهرجانات بسخرية وتنمر.

 AMR MAHMOUD / AFP
هاني شاكر يحيي حفلا في القاهرة لمناسبة عيد شم النسيم، 2000

ولكنه ربما يكون قد انتبه إلى أن تلك المعركة خاسرة ومستحيلة، فأعلن استقالته على الهواء مباشرة في العام 2022 كاحتجاج على عجزه عن ضبط الأمور وتصحيحها، ولكنه لم يستسلم للمرحلة بل حاول محاكاتها خلافا لكل ما عرف عنه في تاريخه من البقاء في حدود الكلاسيكية وتطعيمها ببعض العناصر التحديثية، فأطلق في 2023 أغنية "الكبير" التي بدت أشبه بأغنية مهرجانات وكأنه يعلن أنه يستطيع التفوق على من حاربهم وحرص على إقصائهم في مجالهم.

بدت الأغنية في كلامها الانتقادي الموجه، أشبه بما يقوم به نجوم الراب من معارك تعرف بالديس. وقد أثار إطلاقه لتلك الأغنية موجة انتقادات واسعة حيث ارتعب جمهور شاكر من خروجه من منطقة الأمان التي طالما شكلت عقدا غير مكتوب بينه وبينهم، وكان الرفض حادا الى درجة أن ناقدا مثل طارق الشناوي اتهمه بأنه يحاول محاكاة أغنيات شعبية رائجة مثل أغنية "سطلانة"، متسائلا: "مين اللي باع هاني شاكر الترومواي".

وفي 2024 أصدر ألبومه الأخير "اليوم جميل" الذي حاول فيه الدخول المباشر إلى المرحلة ومزاجها ومقارعة نجومها من قلب أسلوبهم وطريقتهم.

في هذا الألبوم الذي يضم تسع أغان، استعان شاكر بنخبة من ملحنين وشعراء وموزعين ينتمون إلى تجربة أحدث من التي اعتاد عليها مثل الملحنين شريف إسماعيل ومصطفى شكري وجوزيف حجي، وبشعراء جدد مثل كريم حكيم وإسلام القباري ومحمد جمعة ومحمد القاسمي،  وموزعين يمثلون تجربة متصلة بالحديث مثل جيزو وشكري بودحيح وأحمد أمين وأسامة سامي.

من المرات القليلة التي خرج فيها شاكر عن دماثته وانضباطه كانت حين ظهر مرددا إحدى أغاني المهرجانات بسخرية

اقترب شاكر من دون حذر من "البوب" الحديث، ووظف الموسيقى الإلكترونية واعتمد البرمجة الرقمية والذكاء الاصطناعي الذي منحه صورة يبدو فيها أقرب إلى الشباب.

اعتمد الألبوم على المركبات الصوتية والبرمجة الرقمية والإيقاعات الإلكترونية الحديثة، في خروج واضح عن التوزيع الأوركسترالي الكلاسيكي الذي شكل لسنوات طويلة الهوية الموسيقية الأساس لأعمال هاني شاكر. حاول في هذا العمل التفاوض مع الزمن بشروطه، مبقيا مسحة متجددة من ماضيه ومن أسلوبه الذي عرف به، ولكن الزمن لم يمهله كثيرا ليرى النتيجة الحاسمة لهذا التفاوض الصعب والشاق.

لم يخسر شاكر معركته مع الجديد الطاغي ولم يربحها كذلك، ورحل محتفظا بمعالم صورته كصوت مألوف وأليف طوال مرحلة عريضة تجاوزت النصف قرن.

font change