ليلى سليماني تزعزع أسوار الهوية بحرية الأدب

"اقتحام الحدود" تأمل في اللغة والانتماء وفعل الكتابة

Joel Saget / AFP
Joel Saget / AFP
الكاتبة والصحافية الفرنسية-المغربية ليلى سليماني خلال جلسة تصوير في باريس، 2026

ليلى سليماني تزعزع أسوار الهوية بحرية الأدب

"كل أدب هو اقتحام للحدود"، كتب فرانز كافكا في دفتر يومياته، حيث طرح رؤيته للكتابة بوصفها أكثر من مجرد نشاط جمالي، محاولة للذهاب أبعد من حدود اللغة، والعزلة، والوعي البشري، واقتحاما دائما لمنطقة مجهولة.

ضمن هذا الأفق يندرج كتاب الروائية المغربية الفرنكوفونية ليلى سليماني، "اقتحام الحدود"، الصادر حديثا في باريس عن دار "غاليمار". نص بالغ الكثافة الفكرية والوجدانية، يمكن اعتباره في آن واحد تأملا في اللغة، وبيانا أدبيا، ومرافعة إنسانية ضد الحدود التي تفصل بين البشر، سواء كانت جغرافية أو ثقافية أو لغوية أو هوياتية.

أهمية هذا الكتاب لا تكمن في الأفكار التي يطرحها فحسب، بل أيضا في الطريقة التي تنسج بها سليماني هذه الأفكار. فهي تمزج بين التجربة الذاتية والتأمل الفلسفي، بين الحميمي والسياسي، وبين اليومي والكوني، بما يمنح نصها بعدا أدبيا يتجاوز حدود البحث الفكري التقليدي.

سؤال اللغة

منذ الصفحات الأولى، تنطلق سليماني من سؤال اللغة بوصفه سؤالا وجوديا لا وظيفيا. فاللغة، في تصورها، ليست أداة تواصل محايدة، بل فضاء للانتماء والذاكرة والوجدان. ومن خلال استعادة علاقتها الشخصية بالعربية والفرنسية، تكشف عن تعقيد التجربة اللغوية في سياق ما بعد الاستعمار، حيث لا تكون اللغة اختيارا فرديا خالصا، بل نتيجة تاريخ طويل من الهيمنة والتمزق والالتباس.

يمكن الإنسان أن يعيش بين لغات متعددة من دون أن ينتمي كليا إلى أي منها

سليماني امرأة عربية مغربية تكتب بالفرنسية وتعيش في فضاء أوروبي (لشبونة حاليا). وهذه الوضعية "البينية" لا تختزل في معطى سوسيولوجي، بل تتجلى كتجربة وجودية يومية، يتداخل فيها الإحساس بالقرب مع الشعور بالمنفى. إنها تعيش داخل لغتين، وذاكرتين، وتاريخين، من دون أن تسمح لأي منها بأن يبتلع الآخر.

هذا التجاذب بين تلك العوالم يمنح الكتاب أحد أهم أبعاده النقدية، إذ ترفض سليماني التصور المبسط للهوية اللغوية، وتفكك الفكرة القائلة إن اللغة تحدد الانتماء بطريقة نهائية، وتظهر كيف يمكن الإنسان أن يعيش بين لغات متعددة من دون أن ينتمي كليا إلى أي منها. هنا، تصبح الهوية حركة لا جوهرا، عبورا لا استقرارا.

يتعمق هذا التصور في الجزء الثاني من الكتاب، حين تصف الكاتبة شعورها بالانتماء في مدن أوروبية مثل لشبونة وغرناطة والبندقية، حيث تلمح في تفاصيل المكان آثارا عربية وإسلامية تجعل الحدود بين "الشرق" و"الغرب" أقل صلابة مما توحي به السرديات الرسمية. فالحضارات، في نظرها، ليست كيانات مغلقة، بل أنسجة متداخلة تشكلت عبر التفاعل والتبادل والترجمة.

DIARMID COURREGES / AFP
ليلى سليماني توقع روايتها "أغنية هادئة" بعد فوزها بجائزة غونكور، 2016

في هذا المعنى، يشكل "اقتحام الحدود" هجوما على الحدود الذهنية قبل أن يكون هجوما على الحدود الجغرافية. فسليماني ترفض فكرة الثقافات المنغلقة على ذاتها، وتؤكد أن ما يسمى "الهوية الأوروبية" هو، في جزء كبير منه، نتاج تفاعل طويل مع العالم العربي والإسلامي.

وحين تشير إلى أن كلمات مثل "Algèbre" و"Chiffre" و"Algorisme" ذات أصل عربي، فهي لا تقدم مجرد معلومة لغوية، بل تعيد رسم خريطة التاريخ الثقافي، وتفكك أوهام النقاء الثقافي.

ريبة

لكن قوة النص لا تعود إلى طروحاته النظرية وحدها، بل إلى تجذرها داخل تجربة ذاتية معيشة. فالكاتبة تستعيد مواقف متعددة تكشف كيف تتحول اللغة والهوية إلى أداتي تصنيف وإقصاء.

غلاف "اقتحام الحدود"

في الجزء الأول، تتحدث عن شعورها الدائم بأنها مطالبة بتفسير علاقتها بالفرنسية، وكأن الكتابة بهذه اللغة تحتاج إلى تبرير. وفي الجزء الثاني، تستحضر خوف بعض معارفها في فرنسا من التحدث بالعربية في الأماكن العامة بعد اعتداءات 2015، حيث تحولت لغة كاملة إلى علامة ريبة.

الحضارات ليست كيانات مغلقة، بل أنسجة متداخلة تشكلت عبر التفاعل والتبادل والترجمة

هكذا تبين سليماني أن اللغة، في مناخات التوتر السياسي، قد تصبح موضوع اشتباه، وأن الكلمات يمكن أن تحمل دلالات عنيفة تتجاوز معناها الأصلي. فالعربية مثلا لم تعد، في المخيال الغربي، مجرد لغة شعر وحياة يومية، بل باتت مرتبطة في الوعي الجماعي بالعنف والإرهاب. وهذا التحول لا يقدم كمعطى اجتماعي فحسب، بل يندرج ضمن نقد لآليات إنتاج الخوف في المجتمعات الحديثة.

ويقود هذا البعد السياسي للغة إلى سؤال الهوية، وهو أحد محاور الكتاب المركزية. فسليماني تنتقد أيضا إصرار المؤسسات الثقافية والإعلامية في الغرب على تصنيف الكتاب وفق أصولهم، وكأن الكاتب القادم من الهامش لا يمكن أن يكون مجرد "كاتب"، بل يجب أن يكون دائما "كاتبا مغاربيا" أو "عربيا" أو "أفريقيا"، وأن يكتب عن هويته وبلده وجرحه الاستعماري.

ludovic MARIN / AFP
ليلى سليماني تغادر قصر الإليزيه بعد تعيينها ممثلة للفرنكوفونية، 2017

هذا التصنيف، في نظرها، شكل من أشكال العنصرية الثقافية الناعمة، حيث يبدو الاعتراف مشروطا بالأصل، ونوع من الحصار الرمزي الذي يختزل التجربة الأدبية في خلفية إثنية. لذلك تعلن ضيقها من تلك القراءات التي تبحث في نصوصها عن "الغرائبية" و"النكهة الشرقية"، وكأن القيمة الأدبية لعملها تكمن فقط في تقديمه مادة "مستشرقة" للقارئ الغربي.

في هذا السياق، تلتقي سليماني مع تقليد أدبي واسع، يمثله كتاب مثل سلمان رشدي وجيمس بالدوين، دافعوا عن حق الكاتب في أن يكون فردا لا متحدثا باسم جماعة. فهي تؤكد أن الأدب الحقيقي لا يكتب من داخل قوالب هوياتية جاهزة، بل من منطقة أكثر حرية وتعقيدا، حيث الإنسان يسبق الانتماء.

لذلك ترفض أن يطلب منها الكتابة عن "المغاربة" أو "العرب" بوصفهم كيانا متجانسا، وتصر على أنها تكتب عن أفراد: عن أجساد، ورغبات، وهشاشة، ومخاوف، وأحلام.

هنا يتجلى البعد الإنساني العميق في الكتاب، من خلال مدافعة سليماني فيه عن الأدب باعتباره فنا يحرر الإنسان من الاختزال، ومجالا يستطيع فيه الفرد أن يتجاوز هوياته الاجتماعية والإثنية والجنسية، وأن يلتقي بالآخر في مستوى التجربة الإنسانية المشتركة.

وهو ما تصوغه الكاتبة بوضوح حين ترى أن "الأدب هو الفن الوحيد القادر على غمسنا إلى هذا الحد في وعي الآخر، وجعلنا نرى الحياة من الداخل، ليكشف لنا بذلك أن الناس ليسوا أبدا تماما كما نعتقد. الأدب هو حيز الحميمية، والهويات الذاتية العصية على الحصر، والمبنية من فيض لا ينتهي من العواطف والتجارب. إنه لا يقدم رسالة ولا دليل استخدام، فهو ينفر من الآراء الجامدة، ومع ذلك -أو ربما بفضل ذلك- يتملكنا شعور بأنه يساعدنا على العيش. إنه يرافق شكوكنا، ويغذيها، ويعلمنا الحذر من اليقينيات التي تعزلنا".

لا تقدم الرواية أجوبة جاهزة، بل تدرب القارئ على الشك والتعاطف، وتجعله أكثر وعيا بتعقيد البشر

في الجزء الأول، يظهر هذا التصور للأدب من خلال دفاعها عن التعدد اللغوي باعتباره مصدر غنى لا تهديدا، ومن خلال رؤيتها للترجمة كفعل عبور بين العوالم، وكامتداد عضوي لفعل الكتابة نفسه.

أما في الجزء الثاني، فيتخذ هذا الدفاع بعدا أكثر إلحاحا حين تربطه الكاتبة بصعود الشعبويات والانغلاق الثقافي. فعندما تشير إلى منع آلاف الكتب في المدارس الأميركية خلال السنوات الأخيرة، فإنها تقدم مثلا واضحا على خوف السلطة من قوة الأدب، لأنه يمنح القارئ القدرة على رؤية العالم من منظور الآخر، فيحرره من خطاب التخويف والإقصاء.

هكذا يتجاوز دفاع سليماني عن الأدب البعد الجمالي ليصبح موقفا سياسيا وأخلاقيا. فالرواية، في نظرها، ليست ترفا، بل أداة لفهم العالم ومقاومة العنف الرمزي. وهي لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تدرب القارئ على الشك والتعاطف، وتجعله أكثر وعيا بتعقيد البشر.

حول هذه النقطة، تكتب: "بشكل ما، تدعونا كل رواية إلى قبول النسبية الجوهرية للأمور البشرية، ولذلك هي لا تتماشى مع الدوغمائيات والأيديولوجيات. إن السرد الخرافي هو، في آن واحد، وسيلة لأخذ الواقع على محمل الجد واختبار عدم حتميته. فلا شيء مقدس الى درجة تمنع تحويله أو السخرية منه أو إعادة تصوره".

وتضيف: "أليس أسوأ أشكال الخضوع، في الجوهر، يكمن في العجز عن تخيل إمكان أن تكون الأشياء على غير ما هي عليه؟".

هشاشة

من أكثر المقاطع دلالة في كتاب سليماني، حديثها عن تعلمها البرتغالية في لشبونة، فتصف هذه التجربة بوصفها تجربة هشاشة. فالإنسان، حين لا يتقن لغة المكان الذي يعيش فيه، يصبح معتمدا على صبر الآخرين ولطفهم، ويختبر نوعا من العري الوجودي. هنا تتجاوز اللغة وظيفتها الأولى كوسيلة تعبير، لتغدو تجربة أخلاقية تعلم الإنسان التواضع والانفتاح.

Joel Saget / AFP
الكاتبة والصحافية الفرنسية-المغربية ليلى سليماني خلال جلسة تصوير في باريس، 2026

من هذا المنطلق، تدافع عن فكرة "بابل سعيدة"، على حد تعبير الناقد جورج ستاينر، حيث لا تكون تعددية اللغات لعنة، بل شرطا للحوار والحرية.

في مكان ما من الكتاب، تستحضر سليماني كلمات الروائي الأميركي فيليب روث عن عزلة الكتاب، للتعبير عن قدر من التشاؤم إزاء تراجع مكانة الأدب في عالم تهيمن عليه السرعة والتكنولوجيا والخطابات الشعبوية، وعن خوف من تهميش القراءة في زمن تتراجع فيه قيمة التأمل لصالح الاستهلاك السريع.

لكنها لا تستسلم لهذا القلق. فالنص، في عمقه، قائم على إيمان بأن السرد لا يزال قادرا على إنقاذ شيء من إنسانيتنا. هكذا نفهم قولها الآتي: "ما لا يروى يكف عن الوجود، فالأجساد التي لا نمنحها صوتا لا يمكنها نيل كرامتها. وكل ما لا يتحول إلى مادة سردية يضيع في طيات الزمن".

تدعونا كل رواية إلى قبول النسبية الجوهرية للأمور البشرية، ولذلك هي لا تتماشى مع الدوغمائيات والأيديولوجيات

في خاتمة هذا النص، تقدم سليماني الأدب بوصفه وطنا بديلا. فحين تقول إنها بنت لنفسها "أرضا من الكلمات"، تمنح الكتابة وظيفة وجودية: أن تكون مكانا للانتماء في عالم يتزايد فيه الإقصاء، وفضاء لا يلغي الاختلافات، بل يحتضنها.

في المحصلة، "اقتحام الحدود" محاولة ناجحة لتفكيك الحدود المرئية واللامرئية: حدود اللغة، والهوية، والجغرافيا، والخيال، ومرافعة محكمة عن حق الكاتب في أن يكون أكثر من هويته، وعن حق الإنسان في أن يكون متعددا، متناقضا، وعابرا للحدود.

نص يذكرنا، في زمن الأسوار، بأن الأدب يظل واحدا من آخر الجسور الممكنة.

font change

مقالات ذات صلة