"خطة سرية" أوروبية بديلة من "الناتو"... ما تفاصيلها؟

في حال انسحبت الولايات المتحدة من التحالف

("المجلة")
("المجلة")

"خطة سرية" أوروبية بديلة من "الناتو"... ما تفاصيلها؟

في أوائل مايو/أيار، طوى جنود لواء "بلاك جاك" راية وحدتهم في فورت هود بولاية تكساس، استعدادا لانتشار أربعة آلاف جندي من وحدة الدبابات في بولندا. كانت مهمتهم تعزيز دفاعات "الناتو" في مواجهة التهديد الروسي. وقال قائد الفرقة، الجنرال توماس فيلتي، في المراسم: "حين يُدفع بلواء قتالي مدرع إلى موقع متقدم، فذلك يبعث رسالة لا تحتمل الالتباس".

لكن بعد أقل من أسبوعين، بعثت واشنطن رسالة معاكسة: ألغي الانتشار. وكانت تلك هي المرة الثانية خلال شهر واحد التي يعلن فيها دونالد ترمب تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا. حيث سبق وأعلن سحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا، وآخرين من مواقع مختلفة، تعبيراً عن استيائه من ضعف الدعم الأوروبي لحربه في إيران.

منذ بداية ولايته الثانية، لم يتوقف ترمب عن التشكيك في التزامه بـ"الناتو" وبالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع المشترك. ودفع ذلك الأوروبيين إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي بعد سنوات من التراخي. غير أن الأشهر الأخيرة شهدت خطوات أبعد، ومنها: خفض مفاجئ للقوات، وإلغاء نشر وحدة صواريخ كروز في ألمانيا كانت ستسد فجوة حيوية في الدفاع الأوروبي. هذا الانسحاب السريع نسف افتراضا أوروبيا أساسيا بأن القارة تملك الوقت لبناء قدراتها وتعويض "العوامل التمكينية" الأميركية، مثل أصول الاستخبارات والمراقبة. كما أن الاستهلاك الأميركي الهائل للصواريخ في إيران يؤخر تسليمات مخصصة لحلفاء أوروبا وأوكرانيا، بينما تعيد واشنطن ملء مخزوناتها.

(أ.ف.ب)
عناصر من حرس الحدود الفنلندي خلال تدريبات على متن سفينة الدورية "تورفا"، 26 مارس 2026

وتعمق القلق الأوروبي بعد تهديد ترمب في يناير/كانون الثاني بـ"الاستيلاء على غرينلاند" من الدنمارك. فبعض أعضاء "الناتو" يخشون اليوم ليس فقط أن تتخلف أميركا عن خوض حرب مع روسيا، بل أن تعرقل عمدا ردود الحلفاء. ورغم أن هذا السيناريو يبدو بعيدا، فإن مقابلات مع ضباط ومسؤولين دفاعيين في دول عدة تكشف للمرة الأولى مدى جدية هذا القلق. فبعض الجيوش الأوروبية تضع بالفعل خططا سرية للقتال من دون دعم أميركي، بل ومن دون جزء كبير من بنية القيادة والسيطرة التابعة لـ"الناتو". ويقول مسؤول دفاعي سويدي: "دقت أزمة غرينلاند جرس الإنذار. عندها أدركنا أننا بحاجة إلى خطة بديلة".

دونالد ترمب لا يتوقف عن التشكيك في التزامه بحلف "الناتو" وبالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع المشترك

ويرفض جميع المسؤولين الذين جرت مقابلتهم الحديث بأسمائهم، خشية أن يؤدي ذلك إلى تسريع الانسحاب الأميركي. ويقول أحد المطلعين إن الأمين العام لـ"الناتو"، مارك روته، "حظر حرفيا الحديث في الأمر لأنه يرى أنه قد يصب الزيت على النار". وحين نشر الباحث الفنلندي ماتي بيسو ورقةً العام الماضي تدعو إلى خطة بديلة، سارع مسؤولون فنلنديون إلى نفي الفكرة. لكن إلحاح التهديد دفع دولا عدة إلى التفكير في كيفية قتال أوروبا، وتحت أي قيادة، إذا أصيب "الناتو" بـ"خلل وظيفي"، على حد تعبير أحدهم. ويسأل مسؤول آخر: "أي سلسلة قيادة يمكن استخدامها إذا كانت أميركا تعرقل "الناتو"؟".

يضرب هذا السؤال في صميم نجاح الحلف. فمعظم التحالفات العسكرية تشبه تدريبا موسيقيا في مدرسة ابتدائية: تأتي كل دولة، وتقرع طبلها بما يقارب إيقاع الآخرين، ثم تغادر. أما "الناتو" فبُني كأوركسترا سيمفونية يقودها مايسترو واحد: القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، وهو جنرال أميركي يتولى أيضا قيادة القوات الأميركية في القارة. ولإدارة هذه الأوركسترا، يمتلك القائد الأعلى شبكة اتصالات آمنة تربطه بمقار فرعية دائمة يعمل فيها آلاف الأفراد المستعدين للتحرك فور اندلاع حرب. ويقول لويس سيمون، مدير مركز الأمن والدبلوماسية والاستراتيجية في جامعة بروكسل الحرة: "القيادة الأميركية هي الغراء الذي يبقي الحلف متماسكا. ومن دونها سنشهد على الأرجح تفكك منظومة الردع".

لذلك، فإن الخطة البديلة لا تتعلق باقتناء الأسلحة فحسب، بل بإنشاء بنية قيادية تقاتل أوروبا من خلالها. ومن المرجح أن يتشكل قلب هذه البنية، في شمال أوروبا على الأقل، من ائتلاف يضم دول البلطيق ودول الشمال الأوروبي وبولندا. فهذه الدول تتقاسم قيما مشتركة، وتخشى روسيا جميعها. كما أن دولا أوروبية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا تنشر قوات "خط تماس" في البلطيق، ما يجعل انخراطها في أي صراع شبه مؤكد. ويقول إدوارد أرنولد، من المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، إن نحو ثلث أعضاء "الناتو" سيقاتلون منذ اليوم الأول، "سواء فُعّلت المادة الخامسة أم لم تُفعل". ويضيف: "لن ينتظر أحد وصول البرتغاليين إلى مجلس شمال الأطلسي لبدء النقاش".

(أ.ف.ب)
جنود إيطاليون خلال عرض ضمن مناورات "نورديك ريسبونس 24" ، في البحر قرب سورسترومن شمال الدائرة القطبية في النرويج، 10 مارس 2024

ومن أبرز البدائل المطروحة هيكل قيادة تقوده بريطانيا، يضم عشر دول معظمها من البلطيق والشمال الأوروبي، ويُعرف باسم قوة التدخل المشتركة، وله مقر دائم قرب لندن. تأسست القوة عام 2014 بمبادرة من بريطانيا وست دول أخرى من "الناتو"، وكان يُنظر إليها كرافد يوفر قوات عالية الجاهزية في مهلة قصيرة لحالات لا ترقى إلى مستوى المادة الخامسة. واتسع نطاقها بانضمام السويد وفنلندا عام 2017، قبل سنوات من تقدمهما بطلب الانضمام إلى "الناتو". واليوم تعد وسيلة لتجاوز إحدى نقاط ضعف الحلف: قدرة أي عضو على تعطيل تفعيل المادة الخامسة التي تتطلب إجماعا. وكما قال قائدها آنذاك، اللواء البريطاني جيم موريس، عام 2023، فإن القوة "قادرة على التحرك في أوضاع لا تتطلب توافقا". وفُعلت مرات عدة في تدريبات ودوريات بحرية.

الخطة الأوروبية البديلة لا تتعلق باقتناء الأسلحة فقط، بل بإنشاء بنية قيادية تقاتل من خلالها

ويقول أرنولد إن قوة التدخل المشتركة هي "البديل الأكثر رسوخاً"، مشيراً إلى امتلاكها قدرات استخباراتية وتخطيطية ولوجستية، إضافة إلى شبكات اتصالات آمنة لا تعتمد على "الناتو". كما توفر عضوية بريطانيا قدرا من الردع النووي.

ومع ذلك، يظل تركيز القوة منصبا على شمال أوروبا والبلطيق، وهي تفتقر إلى قوى كبرى مثل فرنسا وألمانيا وبولندا. ويعرب بعض مسؤولي الحلف عن قلقهم من جاهزية بريطانيا الدفاعية، إذ تركها نقص التمويل بعدد محدود من السفن والغواصات ووحدات الجيش القادرة على الانتشار السريع. ويقول أحد المسؤولين: "إنكلترا هي العم المفضل لدى الجميع، لكنها تعاني متلازمة داونتن آبي: تحافظ على المظهر، لكنها لا تملك المال".

(أ.ف.ب)
سفينة هجوم برمائي أميركية تظهر من على متن فرقاطة ألمانية خلال مشاركتها في مناورات "بالتوبس 22" في بحر البلطيق، 6 يونيو 2022

ويمكن أن تخف وطأة هذه المشكلات إذا انضمت ألمانيا، التي ترفع ميزانيتها الدفاعية على نحو غير مسبوق. وعلى الرغم من عيوبها، تبدو قوة التدخل المشتركة الخيار الأفضل إذا عجز الأوروبيون عن تولي الإطار القائم لـ"الناتو". لكن أوروبا، في كل الأحوال، ستجد صيغة ما لإطار دفاعي مشترك يحل محل الأميركيين. فالردع القائم على طرف قد لا يحضر عند الحاجة يفقد معناه.

font change

مقالات ذات صلة