"المجلة" في "كان"... أفلام الجوائز لا تغامر والمفاجآت في مكان آخر

حين لا تغادر السينما مناطقها الآمنة

 Olivier CHASSIGNOLE / AFP
Olivier CHASSIGNOLE / AFP
المخرج الروماني كريستيان مونجيو بعد فوزه بالسعفة الذهبية عن فيلم "فيورد" خلال حفل ختام مهرجان كان السينمائي، 2026

"المجلة" في "كان"... أفلام الجوائز لا تغامر والمفاجآت في مكان آخر

مع إسدال الستار على الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان "كان" السينمائي التي أقيمت بين 12 و23 مايو/ أيار، تكرس لدينا شعور يصعب تجاهله بأن المسابقة الرسمية هذا العام لم تترك ذلك الأثر الذي ميز دورات المهرجان السابقة، وذلك لأن معظم ما عرض كان يتحرك داخل المساحات المعروفة لأصحابها دون تلك القفزة التي تجعل فيلما ما لحظة تحول في مسيرة مخرجه ولا إضافة حقيقية إلى ذاكرة المهرجان. بالفعل هناك أفلام متينة وأخرى تمتلك لحظاتها، لكن لم نشعر بأننا أمام عمل يغامر فعلا بالخروج من يقين صاحبه أو يهز اللغة التي اعتادها.

لكن السينما الأكثر حياة في هذا المهرجان اختير لها أن تعيش بعيدا عن مركزه، خارج الثقل الرمزي للمسابقة الرسمية وضجيج السعفة الذهبية، في أقسام مثل "نظرة ما"، وحتى في التظاهرات الموازية كـ"أسبوع النقاد" و"أسبوعي المخرجين"، في سينما أكثر تحررا من هاجس الاكتمال وأكثر اندفاعا نحو المجهول، لأفلام تتحرك بخفة من لا يخشى التعثر وبشغف من لا يزال يرى في السينما مساحة للاكتشاف خارج نطاق اليقينيات، وهو ما رأيناه مع النمساوية ساندوا فولر في فيلمها الرائع "ايفريتايم" أو الفرنسية مارين اتلان في "لا غرادفيا"، وهي أفلام تبحث عن لغتها الخاصة وعن طريقتها في النظر إلى العالم.

"فيورد" لكريستيان مونجيو

ذهبت السعفة الذهبية هذا العام إلى المخرج الروماني كريستيان مونجيو ليحقق بذلك سعفته الثانية بعد تتويجه عن فيلمه الشهير "4 أشهر، 3 أسابيع، يومان"، عام 2007. يتتبع مونجيو في فيلمه هذا زوجين محافظين ينتقلان للعيش في قرية نروجية معزولة وسط بيئة اجتماعية تقدمية تنظر بريبة إلى طريقتهما في تربية أطفالهما، وذلك بعد ظهور آثار كدمات على جسد ابنتهما، لتتحول الحكاية بعد ذلك إلى مواجهة مكتومة بين نموذجين أخلاقيين: العائلة المحافظة من جهة، والمؤسسة الليبيرالية الإسكندينافية من جهة أخرى.

ما يثير الاهتمام في الفيلم هو الطريقة التي يحاول بها مونجيو أن يوسع الصدام بين الشرق الأوروبي المحافظ والمنظومة الاجتماعية الإسكندينافية ليصبح السؤال أوسع حول السلطة الأخلاقية الحديثة وحدود تدخل النظام الاجتماعي في تشكيل الحياة العائلية الخاصة.

 يختار مونجيو أكثر الطرق سهولة في خلق الاشتباك الأخلاقي بدلا من أن يترك تناقضات هذا العالم تتشكل بحرية داخل هذه الفكرة الواضحة

غير أن المشكلة الأساس تكمن في أن الفيلم شديد الوعي بأدواته الدرامية إلى حد الإفراط. فكل تفصيلة فيه مصممة بعناية لخدمة التوتر، وكل مشهد يتحرك وفق هندسة درامية محسوبة سلفا مما يجعل بناءه أقرب إلى آلية مغلقة الحدود تسعى باستمرار إلى دفع المتلقي نحو استجابات محددة. وهذا ما يجعل الفيلم، رغم حرفيته العالية، محدودا من ناحية المغامرة الفنية، بل ويضع المتلقي أحيانا في موقع أكثر إدراكا ووعيا (نفسيا وفكريا)  من شخصياته، وكأن الفيلم يحرص بصورة دائمة على منح المشاهد شعورا بالتفوق الذهني على العالم الذي يشاهده، إذ يختار مونجيو أكثر الطرق سهولة في خلق الاشتباك الأخلاقي بدلا من أن يترك تناقضات هذا العالم تتشكل بحرية داخل هذه الفكرة الواضحة التي لا تحتاج أصلا إلى كل هذا التصميم القسري.

حتى نقده المتزامن لليبيرالية المعاصرة وللنزعات المحافظة المتطرفة، يبقى محكوما بنوع من التوازن المحسوب الذي يفقده شيئا من الخطورة. كما أن انتقال مونجيو إلى الفضاء النروجي والمنفصل بعض الشيء عن جذور مشروعه السينمائي الروماني، مدفوع بوضوح إلى ضرورات الإنتاج والتمويل مع استخدام عالمه السينمائي كنوع من القالب ازاء فكرة "البيروقراطية"، وهو ما تبدى من خلال اختياره معالجة موضوع الليبيرالية الجديدة في الدول الاسكندينافية. ولهذا فإن تتويج الفيلم بالسعفة كاختيار لا يعكس سوى ميل المهرجان إلى الأعمال الآمنة، ودحضا للروح التي قد تدفع السينما نحو مناطق جديدة أكثر تحديا وجرأة.

 Sameer AL-DOUMY / AFP
المخرج الروسي أندري زفاقنياتسيف يحتفل بعد فوزه بالجائزة الكبرى عن فيلم "مينوتور"، 2026

"مينوتور" لأندري زفاقنياتسيف

وذهبت الجائزة الكبرى إلى الروسي أندري زفاقنياتسيف عن فيلمه "مينوتور" في عودة طال انتظارها بعد سنوات من الغياب، حيث يعود زفاقنياتسيف هنا إلى عالمه المفضل، عالم السلطة والعائلة والانهيار الأخلاقي داخل المجتمع الروسي، من خلال ريميك لفيلم "الزوجة الخائنة" (1969) للفرنسي كلود شابرول، لكنه يأتي هنا ضمن سياق روسي معاصر يتقاطع مع الحرب والتوترات الجيوسياسية على حدود روسيا مع أوكرانيا وجورجيا، حيث يتابع الفيلم مدير شركة تنهار حياته تدريجيا بعد اكتشاف خيانة زوجته بينما تتسلل الحرب في الخلفية كانعكاس لعالم يفقد توازنه.

 يستعيد زفاقنياتسيف قدرته المعهودة على خلق التوتر من داخل المساحات الباردة والعلاقات الصامتة مع إحساس بصري خانق

يمتلك الفيلم قوة إخراجية واضحة خصوصا في نصفه الأول، حيث يستعيد زفاقنياتسيف قدرته المعهودة على خلق التوتر من داخل المساحات الباردة والعلاقات الصامتة مع إحساس بصري خانق. غير أن الفيلم يعاني من مشكلة واضحة في دمج الحرب داخل نسيجه الدرامي، إذ تبدو الحرب الروسية الأوكرانية طبقة مضافة لاحقا فوق الحكاية الأصلية بدل أن تكون جزءا عضويا منها. فالعلاقة بين الانهيار الشخصي للبطل وبين البيئة السياسية المحيطة تبقى أحيانا أقرب إلى موازاة رمزية مباشرة.

 Olivier CHASSIGNOLE / AFP
المخرج الروسي أندري زفاقنياتسيف بعد فوزه بالجائزة الكبرى عن فيلم "مينوتور"، 2026

كما أن زفاقنياتسيف يعود، للمرة الرابعة أو الخامسة تقريبا، إلى الثيمات ذاتها المتعلقة بالعنف البنيوي الروسي والسلطة والاختناق الاجتماعي، مما يجعل بعض لحظات الفيلم تبدو مألوفة في أفلام سابقة كـ"لوفليس 2017". وربما تكمن المشكلة هنا في أن هذه الثيمات، التي كانت تمتلك في بداياته طاقة كشف حقيقية بدأت تتحول تدريجيا إلى هوية جاهزة يتوقعها الغرب الأوروبي من سينماه، وهو الأمر الذي يمنح أفلامه نوعا من القابلية السهلة للتلقي النقدي داخل المؤسسات الثقافية الأوروبية.

"المغامرة الحالمة" لفاليسكا غريزباخ

أما جائزة لجنة التحكيم، فذهبت إلى فيلم "المغامرة الحالمة" للمخرجة الألمانية فاليسكا غريزباخ الذي يمكن اعتباره، إلى جانب "فجأة" لريوسكي هاماغوتشي و"المجهول" لأرثر هراري، من أفضل ما عرض في المسابقة الرئيسة. تدور أحداث الفيلم في جنوب شرق بلغاريا قرب الحدود التركية، إذ تلتقي امرأة تعمل في موقع تنقيب أثري صديقا قديما يعود بعد سنوات طويلة من الغياب، في فضاء تهيمن عليه شبكات التهريب، غير أن ما تفعله غريزباخ هنا يتجاوز الحكاية المباشرة نحو فيلم يقوم بناؤه على الدراما الجغرافية حيث المكان ساحة صراع بين الخير والشر كحضور يومي داخل الحياة نفسها.

 تتحرك ليلى مراكشي داخل ذلك الاتجاه الذي بات مألوفا نسبيا في جزء واسع من السينما العربية الحديثة، أي سينما القضية

وهذا بالضبط يوحي بتفكيك مباشر لتقاليد كلاسيكيات الويسترن الأميركي في الخمسينات مع استعادة معاصرة لإرث أفلام مثل "المرآة التي كادت أن تعدم 1953"، للمخرج آلان دوان، و"جوني غيتار 1954" لنيكولاس راي، حيث الشخصية النسائية التي تعبر الفضاء الذكوري الخشن والصديق العائد من الاختفاء في منطقة تتآكل القوانين فيها. لكن غريزباخ تنقل كل ذلك إلى بلغاريا المعاصرة في ساحة يكون الرجل الأقوى هو من يحكم حدود المكان.

REUTERS
المخرجة فاليسكا غريزباخ خلال إلقاء كلمة بعد فوز فيلمها "المغامرة الحالمة" بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان، 2026

"الفراولة" لليلى مراكشي

أما السينما العربية فبرز منها اسمان على وجه الخصوص، وهما ليلى مراكشي في فيلم "الفراولة"، وراكان مياسي في "البارح العين ما نامت"، وهما في الحقيقة يمثلان مسارين مختلفين لفهم شكل الفيلم العربي المعاصر الساعي إلى العبور نحو المهرجانات العالمية. ففي "الفراولة" تتحرك ليلى مراكشي داخل ذلك الاتجاه الذي بات مألوفا نسبيا في جزء واسع من السينما العربية الحديثة، أي سينما القضية. والقضية هنا هي العمال والمهاجرون، إذ يتابع الفيلم عاملة مغربية تسافر إلى جنوب إسبانيا للعمل في مزارع الفراولة الموسمية أملا في استعادة حضانة ابنها.

 REUTERS
المخرجة ليلى مراكشي خلال جلسة تصوير لفيلم "الفراولة" ضمن قسم "نظرة ما" في مهرجان كان السينمائي، 2026

تحاول مراكشي الاشتغال على العلاقات النسائية داخل بيئة عمل قاسية، في مقاربة تستعيد إلى حد ما الاهتمام المتزايد في السينما العربية (كما فعلت التونسية أريج السحيري في "سماء بلا أرض" العام الماضي)، غير أن الفيلم ومع تقدمه يبدأ بخسارة جزء من ثقله العاطفي، إذ تتراجع العلاقات بين الشخصيات دراميا، وتبقى المسافات النفسية بينها ثابتة، مما يفقد اللحظات قدرتها على التراكم الداخلي، ويجعل الفيلم أقل نضجا على مستوى البناء الدرامي مما يوحي به في بداياته.

"البارح العين ما نامت" لراكان مياسي

أما فيلم المخرج الفلسطيني راكان مياسي، "البارح العين ما نامت"، فينتمي إلى تصور يختلف تماما عن النهج التي سارت فيه ليلى مراكشي، وهو تصور يرى أن القيمة الحقيقية للفيلم تأتي من العين التي ترى، وفي الطريقة التي يبنى بها العالم السينمائي وذلك بعيدا عن الكليشيهات الجاهزة التي باتت تحكم أفلام "القضية".

 تكمن قيمة الفيلم، عندما يسمح راكان مياسي لعالمه بأن يوجد بكامل غموضه ومساحته دون أن يسارع إلى تبسيطه أو ضغطه

الفيلم يسعى  لاكتشاف بيئته من الداخل عبر شكل بصري وحساسية هادئة وعلاقة عضوية بالمكان.

فهناك، داخل ضباب سهل البقاع قرب الحدود اللبنانية السورية، يستعيد راكان مياسي شيئا من إرث عباس كيارستامي ومحسن مخملباف، سواء في استخدام الوجوه غير المحترفة أو في بناء السينما من التفاصيل اليومية الصامتة داخل المجتمعات المغلقة.

 Thibaud MORITZ / AFP
المنتج الفلسطيني ركان مياسي خلال جلسة تصوير لفيلم "البارحة العين ما نامت" في مهرجان كان السينمائي، 2026

وهنا هي داخل مجتمع بدوي يعيش على إيقاع التوترات الصغيرة والانتظار الطويل، كل ذلك بصورة بديعة، لا سيما في تصوير مشاهد المناظر الطبيعية. وربما في هذا المزيج تحديدا تكمن قيمة الفيلم، عندما يسمح راكان مياسي لعالمه بأن يوجد بكامل غموضه ومساحته دون أن يسارع إلى تبسيطه أو ضغطه، وهي مغامرة قوية ونادرة الحدوث في السينما العربية المعاصرة.

font change