مع إسدال الستار على الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان "كان" السينمائي التي أقيمت بين 12 و23 مايو/ أيار، تكرس لدينا شعور يصعب تجاهله بأن المسابقة الرسمية هذا العام لم تترك ذلك الأثر الذي ميز دورات المهرجان السابقة، وذلك لأن معظم ما عرض كان يتحرك داخل المساحات المعروفة لأصحابها دون تلك القفزة التي تجعل فيلما ما لحظة تحول في مسيرة مخرجه ولا إضافة حقيقية إلى ذاكرة المهرجان. بالفعل هناك أفلام متينة وأخرى تمتلك لحظاتها، لكن لم نشعر بأننا أمام عمل يغامر فعلا بالخروج من يقين صاحبه أو يهز اللغة التي اعتادها.
لكن السينما الأكثر حياة في هذا المهرجان اختير لها أن تعيش بعيدا عن مركزه، خارج الثقل الرمزي للمسابقة الرسمية وضجيج السعفة الذهبية، في أقسام مثل "نظرة ما"، وحتى في التظاهرات الموازية كـ"أسبوع النقاد" و"أسبوعي المخرجين"، في سينما أكثر تحررا من هاجس الاكتمال وأكثر اندفاعا نحو المجهول، لأفلام تتحرك بخفة من لا يخشى التعثر وبشغف من لا يزال يرى في السينما مساحة للاكتشاف خارج نطاق اليقينيات، وهو ما رأيناه مع النمساوية ساندوا فولر في فيلمها الرائع "ايفريتايم" أو الفرنسية مارين اتلان في "لا غرادفيا"، وهي أفلام تبحث عن لغتها الخاصة وعن طريقتها في النظر إلى العالم.
"فيورد" لكريستيان مونجيو
ذهبت السعفة الذهبية هذا العام إلى المخرج الروماني كريستيان مونجيو ليحقق بذلك سعفته الثانية بعد تتويجه عن فيلمه الشهير "4 أشهر، 3 أسابيع، يومان"، عام 2007. يتتبع مونجيو في فيلمه هذا زوجين محافظين ينتقلان للعيش في قرية نروجية معزولة وسط بيئة اجتماعية تقدمية تنظر بريبة إلى طريقتهما في تربية أطفالهما، وذلك بعد ظهور آثار كدمات على جسد ابنتهما، لتتحول الحكاية بعد ذلك إلى مواجهة مكتومة بين نموذجين أخلاقيين: العائلة المحافظة من جهة، والمؤسسة الليبيرالية الإسكندينافية من جهة أخرى.
ما يثير الاهتمام في الفيلم هو الطريقة التي يحاول بها مونجيو أن يوسع الصدام بين الشرق الأوروبي المحافظ والمنظومة الاجتماعية الإسكندينافية ليصبح السؤال أوسع حول السلطة الأخلاقية الحديثة وحدود تدخل النظام الاجتماعي في تشكيل الحياة العائلية الخاصة.




