تحضر التجربة في كتابة الفرنسي ماتيو توليسي غابار (1986) كمادة حية تعيد اللغة تشكيلها، فتخرج من الجسد بقدر ما تخرج من الذاكرة. تمضي نصوصه إلى الأثر الذي تتركه القسوة في الإنسان وتلتقط ما يرسخ في الوعي بعد انطفاء الوقائع: خوفا، وارتباكا، ورغبة في استرداد معنى تفرق تحت الضغط. من هنا يكتسب مشروعه نبرته الخاصة: كتابة تميل إلى الدقة، تحتفظ بخشونة مادتها، وتبحث عن عبارة تنصف التجربة وتمنحها شكلا أكثر صفاء وصدقا.
ينتمي غابار إلى جيل من الكتاب تشكلت علاقتهم بالكتابة عند تقاطع أكثر من ممارسة فنية، فقد عبر كرة القدم، ثم المسرح والأداء والرقص، فدخلت هذه الخبرات في نسيج أسلوبه ومنحته حسا حادا بالإيقاع، بحضور الجسد وبالتوتر الكامن في الصوت حين يحمل أثر ما عاشه. وفي هذا المسار تبرز روايته الأولى "فوتبويز" (Footboys) عملا يكثف كثيرا من ملامح عالمه: العناية بالأثر، البحث عن صيغة أمينة لما ترسب طويلا، وصوغ تجربة شخصية في لغة تتسع لما هو أبعد من الفردي. هنا حوار "المجلة" معه.
تعود "فوتبويز" إلى لحظة مبكرة وحاسمة في حياة لاعب كرة القدم، فيقرأها بعضهم شهادة أدبية تكشف ما وراء صورة اللاعب، فيما يقرأها آخرون بوصفها مساءلة أوسع للمنظومة. كيف تقدم هذا المشروع بين هاتين القراءتين؟
كتبت لأتحدث عن تجربتي الشخصية. في البداية كنت أصف النص بأنه سرد يجمع بين السيرة الذاتية والوثيقة، غير أن هذا الوصف ظل ناقصا، إذ استعنت بالشعر والمسرح وعلم الاجتماع في بنائه إلى أن صار رواية. الحدود بين الأجناس الأدبية رخوة في نظري، وكل ما أردته هو وضع ما راكمته من أدوات الكتابة في خدمة ما ينبغي قوله بأكبر قدر من الدقة والصدق.
منذ اللحظة التي صار فيها ممكنا الحديث عن كرة القدم عبر الجسد انفتح طريق الكتابة من تلقاء نفسه
أحب النصوص المتعددة الهيئة، تلك التي تعبرها الانقطاعات، تتحرك فيها الطاقات وتفاجئ قارئها، لأنها أقرب إلى حياتنا. كان جزء أساس من عملي قائما أيضا على نقل اللغات الشفهية إلى الكتابة بأقصى ما يمكن من الوفاء لفرادتها، وفي الوقت نفسه كان يهمني وهب اللغة الأدبية نفسا جديدا، وجعل الكتاب أرشيفا أيضا، أي وسيلة لحفظ تعدد طرائق الوجود ونقله. احتجت إلى عشرين عاما كي أستطيع الكتابة عن هذا الموضوع، ومع الزمن صارت الكتابة عندي سندا وملاذا ومهنة لي.
التقت عناصر عدة دفعتني إلى كتابة هذا النص: قراءات نسوية فككت العنف الأبوي بوصفه عنفا بنيويا، ثم اكتشاف الرقص المعاصر وممارسته. بفضله استعدت ديناميكيات جسدية كنت قد فقدتها حين اعتزلت كرة القدم، كما استعدت شدات داخلية قوية، ولكن من دون منطق النتيجة الإلزامية أو عنف المنافسة. ومنذ اللحظة التي صار فيها ممكنا الحديث عن كرة القدم عبر الجسد انفتح طريق الكتابة من تلقاء نفسه.
وظائف داخل اللعبة
يعمل العنوان (Footboys) كعتبة تختزل فتيانا تعيد المؤسسة والجمهور تعريفهم بوصفهم أجسادا ووظائف داخل اللعبة. كيف ولد هذا العنوان؟
كان المقصود من هذا العنوان إظهار أن الصبيان الذين يدخلون مراكز التكوين هذه يوضعون في خدمة المؤسسة، وقد درس عالم الاجتماع فرنسوا دا روشا كارنيرو فكرة أن لاعبي كرة القدم هم "في الخدمة"، وهي العبارة نفسها المستعملة في الخدمة العسكرية داخل الجيش. هؤلاء الفتيان ليسوا سوى أدوات بيد هذه الصناعات التي تجني المال على ظهورهم. أردت في الرواية اظهار كيفية استعمال هؤلاء الصغار واستغلالهم، ثم تحطيمهم داخل مؤسسة معطوبة عاجزة عن رعايتهم. ولهذا فهم خدم تابعون لصناعة كرة القدم ورأس المال في معنى العنوان.
غلاف "فوتبويز"
تقوم الرواية على بناء كورالي يجاور فيه صوت "الأنا" أصوات الزملاء والأهل، ما الذي دفعك إلى هذا التعدد في الأصوات؟ كيف وزعت داخله مواقع الشهادة والمسؤولية والأثر؟
أردت الكتابة عن كرة القدم منذ بداية عهدي بالكتابة الجادة، وقد احتجت إلى عشرين عاما كي أعثر على الطريقة المناسبة. في البداية كان واضحا أن علي الانطلاق من مساري الشخصي: كتبت ذكرياتي، وما علق في داخلي من مرارات وما حملته أيضا من غضب. شيئا فشيئا بدأت أدرك أن زملائي السابقين أيضا عاشوا مسارات تكوينية شديدة العنف، وأنهم قادرون على إضافة زوايا نظر أخرى إلى تجربتي وتجاربهم، وإلى المؤسسة نفسها. عندئذ شرعت في عمل وثائقي جماعي قائم على المقابلات والتسجيل أعاد تكوين جماعة من الانفعالات المشتركة.
أما ما يتعلق بالمسؤولية وبالشقوق العاطفية في هذا البناء الكورالي فأرى أن السارد والشخصيات يتقاسمون هذه الأعباء: جميعهم شهود، تروس داخل الآلة، حملة للأثر في الوقت نفسه. يميل السرد أحيانا إلى نظرة أكثر سياسية ونقدا، ولكن بلغة بسيطة هي لغتي في الكتابة. أما بقية الأصوات فتأتي من المقابلات، أي من عبور الكلام الشفهي إلى النص. وقد حرصت كثيرا على البقاء قريبا من فرادة كل صوت لئلا أعيد إنتاج ذلك التطبيع الذي كانت مراكز التكوين تفرضه على الأجساد، بل لأمنح كل واحد لغة تخصه، إيقاعا يخصه، وكرامة وجمالا يخصانه.
المدافع المغربي عبد الحميد آيت بودلال، ومدافع رين الفرنسي أنطوني رواو، والمهاجم الغابوني بيار إيميريك أوباميانغ خلال مباراة بين أولمبيك مرسيليا ورين في الدوري الفرنسي، 2026
اختبارات الهيبة
تظهر الذكورية في عالم الكرة كمناخ تصنعه اللغة واختبارات الهيبة، حيث تتكون التراتبيات بالقسوة كما تتكون بالأداء. كيف اشتغلت على هذه اللغة لتكشف خشونتها ومعناها الاجتماعي؟
اشتغلت على هذا النص انطلاقا من مقابلات أجريتها بنفسي. منذ نحو خمسة عشر عاما وأنا أعمل على الكتابة الوثائقية، وكان انتقال الكلام من الشفهي إلى المكتوب مسألة جوهرية على المستويات الأخلاقية والسياسية والجمالية معا بالنسبة لي. ما كان يعنيني هو صون فرادة كل شخص وعدم إذابة هذه الأصوات في لغة واحدة مصقولة على غرار ما كانت تفعله مراكز التكوين حين تسعى إلى توحيد الأجساد والكيانات. وقد تطلب ذلك عملا طويلا من الإصغاء: تعلم كيفية سماع الإيقاع الخاص بكل واحد وتردداته واختصاراته، والبحث عبر علامات الترقيم، وأحيانا عبر صيغ غير مألوفة، عن الطريقة الأكثر وفاء لنقلها.
حرصت كثيرا على البقاء قريبا من فرادة كل صوت لئلا أعيد إنتاج ذلك التطبيع الذي كانت مراكز التكوين تفرضه على الأجساد
كنت قد اختبرت هذا النوع من العمل في كتب أخرى وتعلمت الكثير من الشعر الموضوعي الأميركي، وبالأخص من تشارلز ريزنيكوف. كان مهما بالنسبة إلي الذهاب إلى مناطق الصدمة والهشاشة والحساسية عند لاعبي كرة القدم، عند الرجال الذين كناهم وما زلنا نحمل أثرهم فينا. لذلك وجهت المقابلات في هذا الاتجاه، ومن هناك خرجت الهشاشة والغضب والحنين، وخرج معها الفرح أيضا.
جعلتني الكتابة أفهم أن كرة القدم الصناعية لم تنتزع مني كرتي الشخصية لأنني كنت أحفظها في داخلي. أردت أن أحييها في هذا الكتاب، أن أقول إنها لا تزال باقية رغم عنف كرة القدم الصناعية والرأسمالية، باقية في الهوامش، في الحميميات، في الجماعات، وفي الممارسات الشعبية الأشد قيمة من كرة القدم الإعلانية والاستعراضية والعنيفة.
ماتيو غابار
يشعر القارئ في "فوتبويز" أن التدريب صار طريقة للكتابة: جمل تتحرك بإيقاع التمرين، تتكرر ثم تتكسر تحت الضغط، فيما يتحول الجسد إلى مركز للمعنى. كيف صنعت العلاقة بين شكل الجملة والجسد؟ وما الدور الذي أعطيته للتكرار والإيقاع في نقل الانضباط بوصفه قدرة وكلفة؟
أكتب بجسدي بقدر ما أكتب بلغتي، ومن دون انتباه نقلت إلى الكتابة ما منحتني إياه كرة القدم من مهارات وإيقاعات ورغبات ولذات جسدية وجمالية معا. لذلك كان هذا النص بالنسبة لي عودة مباشرة إلى المنابع، إلى تكويني الأول، إلى خبرة قديمة تعود إلى الطفولة. وقد فرض إيقاع الكتابة نفسه بصورة شبه تلقائية، فحين كان الأمر يتعلق باستحضار ما هو مؤلم وعسير كانت الكلمة تمنح الغضب والسخط مخرجا، شيئا يشبه التطهير. هكذا وضعت الشعر في خدمة ما كان ينبغي قوله منذ زمن طويل. أما التكرار فقد أتاح لي التأكيد والإلحاح والبقاء وفيا أيضا لواقع عشناه فعلا، واقع كان التكرار جزءا من نسيجه اليومي. في هذا العمل المشترك بين كرة القدم والكتابة وبيني، أسهم التكرار في توليد شيء يشبه الإنشاد، أو جوقة تصل بين الأصوات وتوسع التجربة بحيث لا تعود محصورة في ذاتي وحدي.
الكاتب ماتيو توليسي غابار
خارج القوالب
يمر مسارك من كرة القدم المبكرة إلى الأدب، ثم المسرح والأداء والرقص، كأن الرواية كانت الوسيط الذي استقرت فيه هذه التجارب كلها...
إن عبوري وممارستي أشكالا متعددة يتيحان لي الدخول إلى الكتابة بحرية كبيرة من غير محاصرة نفسي داخل قالب أدبي جاهز. ما أفعله هو أنني أكتب نصوصا وأستعين بكل ما راكمته من خبرات ومهارات كي يجد ما ينبغي قوله الشكل الأصدق والأدق له. وقبل أن يصير هذا العمل رواية، كان يحمل هيئة أكثر هجينية بكثير، ولا تزال آثار تلك الهجنة واضحة فيه حتى الآن: فيه آثار من المسرح والشعر والسرد والمقابلات وعلم الاجتماع، وفي طبقاته الأعمق أيضا شيء من الرقص والموسيقى.
تجعلني تجربة المسرح، مثل تجربة كرة القدم، أنظر إلى النص بوصفه ملعبا، غير أنه هنا ملعب يعاد امتلاكه وحيز يصبح فيه كل شيء ممكنا: أستطيع إعادة رسم خطوطه، وزحزحة حدوده وتبديله بحسب وجهة نظري ووجهة نظرنا معا. هكذا يغدو النص مكانا نستعيد فيه حكاياتنا وفضاء للكرامة والاحترام والتحول والانعتاق.
إذا ترجمت "فوتبويز" إلى العربية فستدخل فضاء يرى الكرة حلما اجتماعيا قويا ويربطها أيضا بأسئلة الرجولة والانضباط والمؤسسة. أي طبقة تود أن تصل أوضح إلى القارئ العربي؟
كانت المترجمة والمخرجة هيلين شاتلان تقول لي إن الترجمة مستحيلة لكنها ضرورية لأنها فعل خلق حقيقي أيضا: إنها تحتاج إلى قدرة على التكيف، إلى فهم لغتين وثقافتين، من أجل العثور على الوسائل النصية الأعدل والأكثر دقة. وبما أن معرفتي باللغة العربية وبالثقافات المتعددة التي تحملها محدودة جدا، فمن الصعب علي الإجابة عن سؤالك بدقة كاملة. لكن إن كان هناك شيء واحد أود وصوله بوضوح إلى القارئ العربي فهو حقيقة صناعة كرة القدم الفرنسية والعنف الذي تمارسه مراكز التكوين فيها على اليافعين. وأتمنى أيضا ظهور ترجمة محتملة، للشباب الناطقين بالعربية الذين تجذبهم هذه المراكز، ما يمكن أن تنطوي عليه من أخطار. أما ما عدا ذلك فيبقى أمره للمترجم، في عمله التأويلي والتكييفي، ليقدر ما الذي ينبغي إبرازه، ولا أستطيع التكلم مكانه.
استعادة الكرامة تمر عبر القطع مع كرة القدم الرأسمالية ورعاية كرة قدم شعبية، تضامنية، جماعية، اجتماعية وتحررية
سيهمني أيضا اكتشاف تحولات المعنى المحتملة، ففي السياق الفرنسي الذي أعرفه جرى الاستيلاء على اللعبة عبر إدخال الأطفال مبكرا في منطق المنافسة واحتراف سابق لأوانه إلى حد بعيد. عندئذ تصير كرة القدم في خدمة قيم رأس المال، والتجاوز بلا حدود والمنافسة العنيفة، ونجاح يصنع أعدادا هائلة من الخاسرين، والمجد الإعلاني والمال. لذلك أرى أن استعادة الكرامة تمر عبر القطع مع كرة القدم الرأسمالية ورعاية كرة قدم شعبية، تضامنية، جماعية، اجتماعية وتحررية.