منذ روايتها الأولى "سونورا" (2017)، وصولا إلى "باراديسو 17" الصادرة حديثا في نيويورك عن دار "نوف" العريقة، تبدو الروائية الفلسطينية الأميركية حنة ليليث أسدي وكأنها تكتب الكتاب نفسه، لا لأنها تعجز عن مغادرة عالمها الروائي، بل لأن ذلك العالم ذاته لا يغادرها قط.
من هنا تأتي عودتها بإصرار إلى النواة العاطفية نفسها: أب فلسطيني نجا من النكبة ويحملها في جسده وذاكرته، أم يهودية، ابنة تحاول أن تفهم تاريخ العائلة عبر مراقبة الأب وهو يقترب من الموت، ومرض السرطان بوصفه استعارة بطيئة للمنفى والتآكل الداخلي. من هنا أيضا يأتي تواتر المهن والأماكن والصور من رواية إلى أخرى: سائق التاكسي، الصحراء الأميركية، الأشباح، الإحساس بالتيه، والحنين إلى بيت لا يمكن استعادته.
لكن هذا التكرار ليس اجترارا بقدر ما هو محاولة حثيثة للعودة إلى جرح شخصي وتاريخي لا يكف عن النزف. فأسدي، ابنة الأب الفلسطيني والأم اليهودية، تكتب من داخل تصدع الهوية ذاته، وتحول السيرة العائلية إلى مادة روائية تتجاوز حدود البوح الشخصي، لتلامس أسئلة المنفى والذاكرة والانتماء.
مرثية
في "باراديسو 17" تحديدا، تبلغ هذه المحاولة ذروتها الفنية والوجدانية، إذ تخط الكاتبة، بصورة غير مباشرة، مرثية طويلة للأب، وفي الوقت نفسه، مرثية لجيل فلسطيني كامل عاش حياته خارج وطنه، معلقا بين الأمكنة، عاجزا عن العودة، وغير قادر على الانتماء النهائي إلى أي مكان آخر.
لكن في هذا العمل الآسر، لا تكتب أسدي رواية عن اللجوء الفلسطيني بالمعنى التقليدي، ولا تقدم سردية سياسية مباشرة عن النكبة وما تلاها، بل تبني نصا مشبعا بالشجن والحنين والأسئلة الوجودية، يجعل من المنفى قدرا إنسانيا مفتوحا أكثر منه حادثة تاريخية عابرة.



