"بي واي دي" تفقد بريقها

عملاق السيارات الكهربائية الصينية يواجه صعوبة في البقاء في المقدمة داخل صناعة باتت البرمجيات ترسم ملامحها

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
سيارات كهربائية من إنتاج "بي واي دي" وعلامات أخرى معدة للتصدير في ميناء تايتسانغ بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين، 7 أبريل 2025

"بي واي دي" تفقد بريقها

على مدى سنوات، كان زوار مقر شركة "بي واي دي" في شنتشن، أكبر شركة مصنعة للسيارات الكهربائية في العالم، يشاهدون عرضا لافتا لاختبار السلامة ينتهي بانفجار. وهم ينظرون إلى حجرة مصنوعة من زجاج واق سميك، يرون مثقابا يخترق بطارية تقليدية لسيارة كهربائية، فتشتعل فيها النيران. ثم تُثقب بالطريقة نفسها إحدى بطاريات "بليد" المميزة من إنتاج "بي واي دي"، من دون أن يعقب ذلك انفجار.

كانت صناعة البطاريات هي العماد الذي تأسست عليه "بي واي دي". وبنى مؤسسها، وانغ تشوانفو، إمبراطوريته في عالم السيارات بالاعتماد على نموذج التكامل الرأسي الصارم نفسه الذي كان وراء نجاحها في البطاريات. ويشمل ذلك كل شيء، من تشغيل مصانعها الخاصة لمعالجة الليثيوم إلى تدريب نماذجها الخاصة للذكاء الاصطناعي. وفي 28 مايو/أيار، كشف وانغ عن شبه موصل صممته الشركة داخليا، وقال إنه الأقوى في العالم للقيادة الذاتية.

وبفضل تعاملها مع عدد أقل بكثير من الوسطاء، استطاعت "بي واي دي" ضبط التكاليف حين ارتفعت لدى شركات أخرى، وأنتجت طرازات شديدة الانخفاض في السعر وعالية الجودة، مثل "سيغل"، وهي سيارة كهربائية مدمجة تباع في الصين بنحو 10 آلاف دولار. وينسب الفضل إلى التكامل الرأسي أيضا في تسريع الابتكار، إذ يتعاون مهندسون من أقسام مختلفة لمعالجة مشكلات مشتركة. وعندما كبلت اختناقات الإمداد منافسين، استطاعت "بي واي دي" الضغط على دواسة التسارع. وتطرح الشركة طرازات جديدة بوتيرة أسرع من معظم الشركات، عبر عدة علامات تجارية تستهدف مستويات سعرية مختلفة، بعضها مزود بإضافات لافتة وغريبة. فتستطيع طرازات علامتها الفاخرة "يانغ وانغ" أن تطفو على الماء أو تقفز فوق الحفر. ويستطيع طراز من "دينزا"، وهي علامة راقية أخرى، أن يتحرك جانبيا إلى أماكن الركن على طريقة السلطعون. أما علامة "بي واي دي" نفسها، فتستخدمها الشركة لمجموعتها الموجهة إلى السوق الواسعة.

(رويترز)
رجل يمر على دراجته الهوائية أمام المقر الرئيس لشركة "بي واي دي" لصناعة السيارات الكهربائية في شنتشن، 25 أكتوبر 2019

خدمت هذه الاستراتيجية مصالح الشركة جيدا. فقد زادت إيراداتها عشرة أضعاف خلال العقد الماضي لتصل إلى 116 مليار دولار في العام الماضي، وباعت في 2025 سيارات أكثر من "تسلا"، شركة إيلون ماسك، بينما ارتفعت ثروة مؤسسها وانغ تشوانفو إلى ما يقدر بنحو 25 مليار دولار. غير أن هذا النموذج بدأ يفقد شيئا من زخمه. ففي 2025، تراجع صافي الربح للمرة الأولى منذ أربعة أعوام. وفي الشهرين الأولين من 2026، أنهت "جيلي" تصدر "بي واي دي" سوق السيارات الكهربائية في الصين، بعد أكثر من ثلاثة أعوام في المركز الأول، قبل أن تستعيد "بي واي دي" الصدارة لاحقا. ثم جاء أبريل/نيسان 2026 ليضيف مؤشرا آخر إلى الضغوط، إذ انخفضت المبيعات على أساس سنوي للشهر الثامن على التوالي.

"جيلي" تنهي تصدر "بي واي دي" سوق السيارات الكهربائية في الصين، بعد أكثر من ثلاثة أعوام في المركز الأول

وتكمن إحدى المشكلات في أن "بي واي دي"، الشركة التي صنعت اسمها في البطاريات، بدأت تبدو أقل انسجاما مع اتجاهات صناعة السيارات في الصين، بعدما باتت هذه الصناعة تركز بدرجة أكبر على البرمجيات وأنظمة الترفيه. فكثيرا ما يتجه العملاء المحتملون من الشباب، قبل أي شيء آخر، إلى تفحص شاشات الترفيه الكبيرة على لوحة القيادة. كما أن عددا من المنافسين الصاعدين، مثل "إكس بنغ" و"لي أوتو"، أسسهم رواد من قطاع الإنترنت، لا أقطاب من الصناعة التقليدية.

وفي الوقت نفسه، عقدت شركات سيارات أخرى شراكات مع شركات تقنية. فاشترت "فولكسفاغن" معرفة تقنية في الأنظمة من "إكس بنغ". وتبيع وحدة تابعة لـ"هواوي"، عملاق التكنولوجيا الصينية، برمجيات وأنظمة ترفيه لما لا يقل عن خمس شركات سيارات. وساعدت تلك الوحدة التابعة لـ"هواوي" شركة "جاك"، وهي شركة حكومية تقليدية بطيئة الحركة، على إطلاق علامة فاخرة للسيارات الكهربائية تحمل اسم "مايكسترو"، وتباع بأكثر من 100 ألف دولار. أما "جيلي"، فأبرمت صفقات في اتجاهات شتى، منها صفقة مع "ستيب فن"، وهي شركة ناشئة في الذكاء الاصطناعي، لتطوير القيادة الذاتية، وصفقة مع "آي فلايتك"، وهي شركة أخرى في الذكاء الاصطناعي، لتقنيات التعرف على الصوت. وفي سبتمبر/أيلول، أطلقت "جيلي" منصة حوسبة لنماذج الذكاء الاصطناعي مع "ثاندرسوفت"، وهي شركة صينية لتطوير البرمجيات.

وعلى النقيض من ذلك، تحتفظ "بي واي دي" بكل شيء داخليا. ويشير ماكس تشانغ، وهو عضو في الفريق الذي يطور نظام القيادة الذاتية لدى الشركة، إلى أن شركات السيارات الأخرى تظل تحت رحمة مورديها الخارجيين فيما يتعلق بالتحديثات. ويقول إن الحفاظ على هذه السيطرة لا يزال الأمر الأهم بالنسبة إلى "بي واي دي".

(رويترز)
سيارات "بي واي دي" على خط الإنتاج داخل مصنع الشركة للسيارات الكهربائية في ولاية باهيا البرازيلية، 3 فبراير 2026

لكن القيادة الذاتية كانت من المجالات التي كشفت بوضوح مخاطر التكامل الرأسي لدى "بي واي دي". ففي نموذج كهذا، تصبح الهفوات أصعب تصحيحا. وسارعت الشركة إلى طرح نظامها في عدة طرازات، بينها طرازات أقل سعرا، قبل أن تنضج التقنية بما يكفي. وأثار ذلك انتقادات مباشرة نادرة من منافسين. وقال يو تشنغ دونغ، وهو مدير تنفيذي في "هواوي"، إن ما يسمى القيادة الذكية "الجيدة بما يكفي" والقيادة الذكية "الآمنة" مستويان مختلفان تماما. وتفسر هذه التصريحات قول وانغ في 28 مايو/أيار إن "بي واي دي" ستكون أول شركة في العالم تعوض الخسائر الناجمة عن حوادث القيادة الذاتية. أما زوار مقرها هذا العام، فيشاهدون عرضا جديدا: طراز رياضي يرسم دوائر استعراضية في موقف السيارات، من دون أن يلمس السائق المقود.

تحتفظ "بي واي دي" بكل الصناعة داخليا بعكس شركات السيارات الأخرى التي تظل تحت رحمة مورديها الخارجيين فيما يتعلق بالتحديثات

(رويترز)
زوار يستخدمون هواتفهم أمام سيارة "بي واي دي سيغول" خلال معرض شنغهاي للسيارات، 19 أبريل 2023

ولا تزال "بي واي دي" تأمل أن تميزها بطارياتها عن الآخرين. فتقنيتها الأحدث للشحن تشحن بطاريات سياراتها إلى ما يقارب كامل سعتها خلال نحو عشر دقائق. وفي منشأة عرض في مقرها، تجمد سيارة كهربائية عند 30 درجة مئوية تحت الصفر لإبراز قدرتها على الصمود. وعلى الرغم من أن منافسين مثل "كاتل"، أكبر شركة مصنعة للبطاريات في العالم، يحاكون كثيرا من إنجازاتها، تعتقد "بي واي دي" أنها تستطيع البقاء متقدمة بخطوة. ومع ذلك، تزداد صعوبة الحفاظ على ميزة تقوم على البطاريات وحدها.

font change

مقالات ذات صلة