نصر لم يكتمل... نتنياهو وحرب إيران

يدرك "بيبي" أن أقوى أوراقه تكمن في صورة "السيد أمن"

ألباني سيمون
ألباني سيمون

نصر لم يكتمل... نتنياهو وحرب إيران

في صيف عام 2006، كان إيهود أولمرت رئيسا حديث العهد بالحكومة الإسرائيلية، يحكم وسط نسب تأييد متواضعة. ولم يكد يمضي على توليه المنصب سوى أربعة أشهر تقريبا، حتى قتل "حزب الله" ثمانية جنود إسرائيليين، وخطف جنديين آخرين في غارة عبر الحدود. طالب الرأي العام الإسرائيلي برد عسكري واسع، فجاء الرد على الفور.

وفي غضون أيام من الحرب التي ستُعرف لاحقا باسم "حرب لبنان الثانية"، قفز التأييد لها إلى 86 في المئة بين البالغين الإسرائيليين. أما شعبية أولمرت نفسه، التي كانت تحوم حول أوائل الأربعينات قبل اندلاع القتال، فارتفعت إلى 78 في المئة، فيما صعدت شعبية وزير الدفاع من منتصف العشرينات إلى 72 في المئة. وبعد أسبوعين، بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تدك لبنان، ظل ذلك التأييد ثابتا عند مستوى يتراوح بين 92 و95 في المئة. كان أثر الالتفاف حول العلم مذهلا، ونموذجيا، ومسكرا سياسيا.

ثم بدأت الشقوق تظهر. كانت الجبهة الداخلية الإسرائيلية تتلقى 150 صاروخ كاتيوشا يوميا، في زمن لم تكن فيه القبة الحديدية قد وُجدت بعد. أما الهجوم البري، فكان سيئ التخطيط وباهظ الكلفة. وحين دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 14 أغسطس/آب 2006، قارن الإسرائيليون ما وُعدوا به، أي عملية "مرة واحدة وإلى الأبد" تنهي "حزب الله"، وتعيد الجنديين المخطوفين، وتفتح الباب أمام شرق أوسط مختلف، بما تحقق فعلا على الأرض. وكانت الخلاصة قاسية. فبحلول أواخر أغسطس/آب كان 63 في المئة من الإسرائيليين يريدون استقالة أولمرت، وكانت شعبيته قد هبطت إلى 22 في المئة. وخلصت "لجنة فينوغراد"، التي شُكلت للتحقيق في إخفاقات الحرب، إلى وجود "إخفاقات خطيرة" و"فرصة كبيرة ضائعة"، واتهمت أولمرت بارتكاب "فشل جسيم في ممارسة الحكم والمسؤولية والحصافة"، بقي أولمرت في منصبه عامين آخرين، لكن أمره كان قد حسم على الصعيد السياسي، فاستقال عام 2008، ثم أعادت انتخابات 2009 نتنياهو إلى السلطة. والدرس الأوسع أن القادة في إسرائيل، كما في بلدان كثيرة، ينالون غالبا دفعة قوية من التأييد أثناء الحروب. لكن هذا التأييد، إذا بدا الحسم ناقصا، قد يتبخر بسرعة تفوق سرعة ظهوره.

يعرف أن الجمهور الإسرائيلي قد يغفر الكثير، لكنه لا يغفر لقادة يرفعون سقف التوقعات إلى السماء، ثم يعودون إليه بوقف إطلاق نار

يعرف نتنياهو ذلك أكثر من أي شخص آخر. فقد أمضى تلك السنوات يندد بفشل أولمرت من مقاعد المعارضة في "الليكود". درس المسار جيدا، ويعرف أن الجمهور الإسرائيلي قد يغفر الكثير، لكنه لا يغفر لقادة يرفعون سقف التوقعات إلى السماء، ثم يعودون إلى وقف إطلاق النار. ومع ذلك، ربما يكون قد وقع، في حرب إيران، في الخطأ نفسه تماما.

عودة "السيد أمن"

ضربت الحرب، التي أُطلقت بالاشتراك مع الولايات المتحدة، إيران بقوة هائلة. وفي موجتها الأولى، قُتل آية الله علي خامنئي، في لحظة وصفها نتنياهو بأنها تحقيق لما قال إنه "تطلع إلى فعله منذ أربعين عاما: توجيه ضربة حاسمة إلى النظام الإرهابي"، وفي الأيام الأولى من الحرب، بدأ حلفاء سياسيون يطرحون علنا احتمال الذهاب إلى انتخابات مبكرة. وأقرت مصادر قريبة من نتنياهو بأن النجاح الأول فُهم داخل دائرته كفرصة سياسية: فإذا دُعي إلى الانتخابات قبل أن تتبدد نشوة الإنجاز التكتيكي، فقد يسعى تكتل اليمين الداعم لـ"بيبي" إلى تحويل صعود التأييد إلى مكسب انتخابي. وظهرت جيلا غمليئيل، عضو "الليكود" ووزيرة العلوم، على إذاعة محلية في أوائل مارس/آذار، متوقعة انتخابات في "أواخر يونيو/حزيران، أو أوائل يوليو/تموز".

رويترز
أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإصبعه نحو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مصافحتهما خلال مؤتمر صحفي بعد لقائهما في نادي مارالاغو التابع لترامب في بالم بيتش، فلوريدا، الولايات المتحدة، في 29 ديسمبر 2025

كانت تلك مقامرة، فقد اعتقد نتنياهو أن نصرا حاسما على إيران قادرا على إعادة كتابة إرثه، ولا سيما بعد الفشل الكارثي في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. غير أن المسألة تتجاوز الإرث وحده. فنتنياهو يدرك أن أقوى أوراقه تكمن في صورة "السيد أمن" التي بناها حول نفسه: الرجل الوحيد في إسرائيل القادر على منع البلاد من أن تبتلعها موجة عاتية من الأعداء المحيطين بها، والزعيم الوحيد القادر على الوقوف ندا للقوى العظمى، وممانعة الولايات المتحدة حين تطالب بمسار نحو دولة فلسطينية، أو التفاوض مع روسيا على صيغة تعايش عملية في سوريا قبل سقوط بشار الأسد، حين كانت موسكو تمسك بنفوذ واسع في البلاد.

وهذه ورقة انتخابية بالغة الأهمية، لأنها تكاد تطغى على كل حجة مضادة. هل تنفر من النمط السياسي السام الذي يمثله نتنياهو؟ ربما. لكن استبداله، وفق هذا المنطق، قد يترك البلاد عاجزة عن الصمود في منطقة لا ترحم الضعفاء. هل تقلقك محاولاته تقويض المحكمة العليا، ومحاكمته بتهم الفساد، وقرب بعض معاونيه من دول تعد خصوما؟ نعم. لكن من دون بيبي، كما تقول الحجة، لن تبقى ديمقراطية إسرائيلية، ولن تبقى إسرائيل أصلا. ومن هنا يصبح خصومه، في هذا الخطاب، خطرا على إسرائيل. فهم يُصوَّرون كأطفال لا يحسنون تقدير المخاطر، بل جرى تصويرهم حرفيا، في إعلان انتخابي قبل نحو عقد، كأطفال في حاجة ماسة إلى جليسة.

لقد أضعفت إسرائيل خصومها، لكنها لم تهزمهم، لم يكن وعد بيبي هدنة مؤقتة أو نصف انتصار، لقد تعهد بأن تحقق إسرائيل النصر الكامل

هزّ 7 أكتوبر هذه الصورة. غير أن نجاحات فعلية مهدت الطريق لعودة مظفرة لـ"السيد أمن"، ولا ينبغي التقليل من شأنها، فقد أضعفت إسرائيل "حزب الله" بشدة، وهو الخصم الأخطر لها بفارق كبير، بحكم قربه من حدودها وترسانته الصاروخية الضخمة. ولم تعد "حماس" قادرة على إطلاق الصواريخ على إسرائيل، ولا على العمل كقوة عسكرية تقليدية بحكم الأمر الواقع. أما إيران، فقد دخلت في دوامة تصعيد قادت إلى عمليتين كبيرتين، إحداهما إسرائيلية والأخرى إسرائيلية-أميركية، مع تحليق الطائرات الإسرائيلية يوميا فوق إيران خلال هاتين الحربين. غير أن العقدة تكمن هنا: لقد أضعفت إسرائيل خصومها، لكنها لم تهزمهم. فبعد 7 أكتوبر، لم يكن وعد بيبي هدنة مؤقتة أو نصف انتصار. لقد تعهد بأن تحقق إسرائيل النصر الكامل.

في هذا السياق، تجاوزت حرب إيران معنى الجولة العسكرية العابرة، وبدت تتويجا لكل الجهود السابقة، كانت اللحظة التي يفترض أن تنتقل فيها إسرائيل من إضعاف العدو إلى الفوز الفعلي عليه. وسواء قيل ذلك صراحة أم بقي مضمرا، فقد كان تغيير النظام مطروحا على الطاولة. وكان يفترض بإيران 2026 أن تضع 7 أكتوبر 2023 في المكان الذي يريده له نتنياهو: في زاوية بعيدة، حادثا عارضا تُحمَّل مسؤوليته لغير رئيس الوزراء الإسرائيلي.

وقال ناتان إيشل، أحد المقربين من نتنياهو، بوضوح إن "إزالة التهديد الإيراني أهم بمئة مرة من كارثة أكتوبر"، واضعا الحرب في موقع الورقة السردية الرابحة التي تمحو 7 أكتوبر من الوعي العام بحلول موعد الانتخابات. كانت المعادلة بسيطة: اكسب إيران، تكسب سردية 7 أكتوبر، وتكسب الانتخابات.

أ ف ب
يستمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بالوكالة إيهود أولمرت إلى خطاب ألقاه الرئيس الإسرائيلي موشيه كاتساف (غير الظاهر في الصورة) خلال مؤتمر صحفي في القدس في 6 أبريل 2006

الاستطلاعات لا تتحرك

غير أن هذه الحسابات اصطدمت بواقع انتخابي عنيد. فقد أبدى الرأي العام الإسرائيلي، حين تعلق الأمر بالتصويت والاصطفافات الحزبية، مقاومة لافتة لأي تحول جدي.

في الأسابيع التي تلت بدء عملية الأسد الهادر، كان التأييد للحرب نفسها جارفا، فقد أظهر استطلاع أجراه "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" يومي 2 و3 مارس أن 93 في المئة من اليهود الإسرائيليين يؤيدون الحملة، وأن 74 في المئة يثقون بقدرة نتنياهو على إدارتها على نحو جيد. أما التأييد العام بين السكان الإسرائيليين ككل، يهودا وعربا، فبلغ 82 في المئة. وقد بدت هذه الأرقام، في بنيتها لا في أسبابها، قريبة من نمط عام 2006: إجماع يهودي شبه كامل على مواجهة تهديد يُنظر إليه باعتباره وجوديا.

لكن الخريطة الانتخابية بقيت على حالها. وقد صاغ أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية، جدعون رهط، الأمر بدقة. فقد ظلت الاستطلاعات تُظهر أن نحو 40 في المئة من الناخبين متمسكون بائتلاف نتنياهو، المؤلف من أحزاب قومية ودينية، وأن 40 في المئة يؤيدون أحزاب المعارضة، فيما لم تنتقل الكتلة المتأرجحة، حتى الآن إلى معسكر نتنياهو. وصمدت هذه الصورة الأساسية على مدى أسابيع، وعبر أكثر من مؤسسة استطلاع. ففي أبريل/نيسان 2026، منح استطلاع "جيروزاليم بوست-لازار ريسيرش"، منح "حزب الليكود" 25 مقعدا، فيما حصل الائتلاف على 49 مقعدا، واحتفظت المعارضة بأغلبية مستقرة من 61 مقعدا للأسبوع الثالث على التوالي. وبحلول أواخر أبريل، أظهر استطلاع للقناة 12 أن قائمة بينيت-لابيد الجديدة "معا" ستحصل على 26 مقعدا، متقدمة بفارق طفيف على "الليكود". أما ائتلاف نتنياهو، فلم يكن قادرا على حشد أكثر من 50 مقعدا، مقابل 60 للمعارضة الصهيونية.

حققت حرب إيران نجاحات تكتيكية كبيرة، من بينها مقتل خامنئي، وتعطيل نحو ثلثي قدرة إيران على إنتاج الصواريخ والمسيّرات، لكنها لم تبلغ هدفها الاستراتيجي المعلن

انتصار مراوغ

بحلول مارس وأبريل 2026، كانت صورة أوضح قد بدأت تتشكل. فقد حققت حرب إيران نجاحات تكتيكية كبيرة، من بينها مقتل خامنئي، وتعطيل نحو ثلثي قدرة إيران على إنتاج الصواريخ والمسيّرات، لكنها لم تبلغ هدفها الاستراتيجي المعلن. لم ينهَر النظام الإيراني. وبقي "حزب الله"، منهكا لكنه غير محطم، يطلق النار من لبنان. كما ظلت "حماس" قائمة.

وقد التقط استطلاع نشره "معهد دراسات الأمن القومي" في منتصف أبريل المزاج العام الناتج عن ذلك بدقة. فقد عارض 61 في المئة من الإسرائيليين، وقف إطلاق النار المعلن مع إيران، وتوقع 73 في المئة استئناف القتال مع إيران خلال عام، وأيد 69 في المئة استمرار العمليات العسكرية في لبنان رغم مفاوضات وقف إطلاق النار الجارية. ثم أظهر استطلاع لاحق لـ"المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، في أواخر أبريل، أن 64 في المئة من اليهود الإسرائيليين، رأوا أن إنهاء الحرب في الظروف الراهنة لا ينسجم إلا بدرجة ضئيلة، أو لا ينسجم إطلاقا، مع المصالح الأمنية لإسرائيل. وكان التأييد للحرب نفسها قد تراجع بين اليهود الإسرائيليين من 93 إلى 78 في المئة خلال شهر تقريبا. لم يكن الانخفاض كارثيا، لكن اتجاهه كان واضحا.

الصفقة التي قد تنهي إرثه

ثم برز احتمال يمثل، بالنسبة إلى نتنياهو، كابوسا من نوع آخر تماما. أدى وقف إطلاق النار الأميركي الإيراني، المعلن في أوائل أبريل 2026، إلى توقف هش للقتال. لكن المفاوضات الأعمق التي أعقبته فتحت الباب أمام اتفاق إطار رسمي. وبحلول أواخر مايو/أيار، كان ترمب يقول إن الاتفاق بات "منجزا إلى حد كبير"، وإن الطرفين يعملان على مذكرة تفاهم تشمل تمديد وقف إطلاق النار ستين يوما، وخطة لإعادة فتح مضيق هرمز، وإرجاء أكثر القضايا النووية حساسية إلى مفاوضات لاحقة. أما وزير الخارجية الإيراني عراقجي، فوصف الطرفين بأنهما "قريبان جدا وبعيدان جدا" في الوقت نفسه من اتفاق نهائي.

 أ ف ب
تُظهر هذه الصورة التي نشرها المكتب الصحفي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو يصل إلى ممر نتساريم، وهو طريق الإمداد العسكري الرئيسي لإسرائيل الذي يقسم قطاع غزة إلى قسمين جنوب مدينة غزة مباشرة، في 19 نوفمبر 2024

ولم يطرأ منذ ذلك الحين تغيير جوهري على موقفي الطرفين، إذ لا يزال الأمر متأرجحا بين اقتراب الاتفاق بينهما وابتعاده، بالنسب نفسها تقريبا. من المنظور الإسرائيلي، يثير هذا المسار قلقا عميقا لأسباب استراتيجية وسياسية في آن واحد. استراتيجيا، حذر مسؤولون إسرائيليون علنا من أن الاتفاق الآخذ في التشكل "اتفاق سيئ"، لأنه لا يعالج برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ويبقي شبكة الوكلاء على حالها، وقد يقيد حرية إسرائيل في العمل داخل لبنان. وقال مسؤول إسرائيلي لم يكشف اسمه لصحيفة "جيروزاليم بوست": "هذا اتفاق قد يؤثر في ما إذا كنا قادرين على العمل، وكيفية عملنا". وقدر بعض الخبراء في الإذاعة الإسرائيلية أن أفضل نتيجة ممكنة هي اتفاق يشبه خطة العمل الشاملة المشتركة التي أبرمها أوباما عام 2015، وهو الاتفاق نفسه الذي أمضى نتنياهو عقدا يصفه بأنه "خطأ تاريخي مذهل" و"خطر على الإنسانية".

وفي 24 مايو، أصدر نتنياهو ردا عاما خافتا على إعلان ترمب، مكتفيا بالقول إنه تلقى تطمينات بأن ترمب سيصر على التفكيك الكامل، وإخراج اليورانيوم المخصب. ولم يندد علنا بملامح الاتفاق. كان صمته إشارة بحد ذاته لا إشارة قبول، بل إشارة زعيم يحسب خطوته التالية ضمن هامش شديد الضيق. ومع أن نتنياهو قد يحاول التأثير في مآل الاتفاق أو إفشاله، فإن المبالغة في تسويق العملية، ربما قلصت قدرته على رسم مسار الصراع.

بنى نتنياهو سرديته الانتخابية كلها على فكرة أن إخفاقات 7 أكتوبر كانت تمهيدا لإنجاز استراتيجي تحويلي، وأن المعاناة كانت الثمن المؤلم للنصر النهائي

أما التداعيات السياسية فهي بالغة القسوة، فقد بنى نتنياهو سرديته الانتخابية كلها على فكرة أن إخفاقات 7 أكتوبر كانت تمهيدا لإنجاز استراتيجي تحويلي، وأن المعاناة كانت الثمن المؤلم للنصر النهائي. فإذا انتهت حرب إيران إلى اتفاق يبقي النظام قائما، ويترك اليورانيوم المخصب، على الأرجح، داخل الأراضي الإيرانية، ويبقي "حزب الله" موجودا في لبنان، من دون تحقيق أي من الأهداف الاستراتيجية الجوهرية، فإن تلك السردية ستنهار، وسيجد نفسه أمام كفة الكلفة وحدها، من دون انتصار يعادلها.

font change

مقالات ذات صلة