القوى السياسية السودانية... أولويات مقلوبة في زمن الحرب

شركاء في الأزمة

أ.ب
أ.ب
لاجئون عند الحدود بين تشاد والسودان قبل توجههم إلى مخيم تين للعبور في ولاية وادي فارا التشادية، 4 مايو 2025

القوى السياسية السودانية... أولويات مقلوبة في زمن الحرب

منذ اندلاع حرب أبريل/نيسان 2023، بدا التردد واضحاً في تعريف بعض القوى السياسية لطبيعة ما انفجر في السودان والتعامل معه،فقد حاولت هذه القوى تصنيف هذه الحرب منذ أيامها الأولى، كمعركة على السلطة ذات طابع أيديولوجي، تُخاض ضد "الإخوان المسلمين" والإسلام السياسي وقوى الثورة المضادة. وهذه، في جوهرها، السردية نفسها التي تبنتها ميليشيا "الدعم السريع" لتبرير حربها. وعلى أساس هذا التأطير، تبنت مواقف سياسية انتهت بها إلى التماهي مع الميليشيا والقوى الإقليمية الداعمة لها، التي لم تخفِ علاقتها بهذه القوى عبر الدعم والاستضافة والتوظيف السياسي.

ثم مضت هذه القوى أبعد من ذلك، فانخرطت في تحالفات سياسية معلنة مع أفراد ومجموعات، أبدت تماهيها مع الميليشيا منذ اللحظة الأولى. فمن بينهم من شارك في اجتماع توغو في يوليو/تموز 2023، الذي عقدته الميليشيا لإنتاج رؤية سياسية لحربها، كمحمد حسن التعايشي، ومنهم سليمان صندل الذي أعلن قبل أيام قليلة أن تنسيقه مع الميليشيا بدأ منذ لحظة الهجوم الأولى على القيادة العامة، ومنهم من صرحت قيادات من الميليشيا (عزت يوسف) بعملهم في مكتب نائب قائد "الدعم السريع" مثل طه إسحق وغيره. ومع ذلك أصرّت هذه القوى على اصطحابهم، وتقديمهم للعالم بوصفهم أطرافاً محايدة، وتحالفت معهم في صفوف "تقدم"، حتى انقسم بعضهم لتكوين تحالف "تأسيس"، تاركين عقابهم داخل تحالف صمود. لكن المشكلة لم تنحصر عند الخطاب والتحالفات، بل قبل ذلك، عند التعامل مع الوقائع نفسها.

فـ"الدعم السريع" لم يخض حربه ضد الجيش أو الحكومة فحسب،فمنذ الساعات الأولى، وبعد إحكام حصاره على القيادة العامة، انتقلت الميليشيا إلى احتلال منازل المواطنين، ونهب الممتلكات الخاصة، وترويع المدنيين، تحت تبريرات أيديولوجية ساذجة من نوع،هذه بيوت لمؤيدين للتيار الإسلامي، والمكون العربي في النسيج السوداني والجيش في الخرطوم، وكأن هذا التصنيف يمنح رخصة لانتهاك الملكية الخاصة، وإذلال الناس. والأخطر أن بعض الرموز السياسية والإعلامية انبرت لا لإدانة هذه الممارسات، بل لمحاولة تأطيرها وتبرير استمرارها، حتى أصبح إخلاء بيوت السودانيين مادةً للتفاوض والمساومة في نقاشات "اتفاق جدة".

ثم تجاوز الأمر حدود الحرب الداخلية ذاتها، فالميليشيا استدعت المرتزقة من شتى أنحاء العالم من أفريقيا، وصولاً إلى كولومبيا، بتمويل ودعم خارجيين لم يُبذل جهد حقيقي لإخفائهما، وهنا خرج الأمر من نطاق نزاع سياسي مسلح مع الحكومة إلى اعتداء مباشر على الدولة السودانية نفسها بكافة مقوماتها الأساسية: شعبها، وأرضها وحكومتها.

"الدعم السريع" لم يخض حربه ضد الجيش أو الحكومة فحسب. فمنذ الساعات الأولى، وبعد إحكام حصاره على القيادة العامة، انتقلت الميليشيا إلى احتلال منازل المواطنين، ونهب الممتلكات الخاصة، وترويع المدنيين، تحت تبريرات أيديولوجية ساذجة 

ومع ذلك، أصرت بعض القوى السياسية على التعامل مع هذه الوقائع،بوصفها تفاصيل قابلة للتجاوز في سبيل معادلة سياسية تعيد ترتيب وصولها إلى السلطة، وفق ترتيبات تضمن لها ذلك. 

بلغ هذا المسار ذروته في "اتفاق أديس أبابا" الذي وقعه عبدالله حمدوك، وعدد من القيادات السياسية مع حميدتي، بينما كانت "قوات الدعم السريع" تجتاح الجزيرة، وتمارس أبشع الانتهاكات ضد أهلها. زعمت هذه القوى في تبرير ذلك أن هذه الخطوة جرت بتنسيق مع الحكومة السودانية، لكن الوقائع نفسها لا تسند هذا الادعاء، فبنود الاتفاق لا تنسجم منطقياً مع فكرة التنسيق المسبق مع الطرف الحكومي، كما أن توقيته يثير أسئلة لا يمكن تجاوزها. إذ جاء الاتفاق ليقطع الطريق على اللقاء المباشر، الذي كانت "الإيقاد" قد أعلنت عنه في جيبوتي بين البرهان وحميدتي بغرض بحث هدنة محتملة. اعتذر حميدتي عن ذلك اللقاء بحجة تعذر وصوله لظروف تقنية قبل يوم واحد فقط من موعده، ليظهر في اليوم التالي في أديس أبابا إلى جانب حمدوك ومجموعته. وهي قرينة سياسية يصعب تجاهلها.

أ.ف.ب
عناصر من الجيش السوداني أثناء دورية في مدينة صالحة، جنوب أم درمان، بعد يومين من استعادة الجيش السوداني للمدينة من قوات الدعم السريع، في 22 مايو 2025

الشاهد في كل ذلك أن بعض القوى السياسية راهنت على مغامرة سلطوية عالية الكلفة، دون اكتراث كافٍ بما سيدفعه السودانيون من أثمان. فمنذ اندلاع الحرب، بل وحتى قبلها، لم تكن ميليشيا "الدعم السريع" خطراً افتراضيا أو مجهول الطبيعة. لقد كان، بما سبق من تاريخه وبنيته وممارساته، يمثل التهديد الأكبر لأمن السودانيين، ومعاشهم، وأعراضهم، وحياتهم. وكان الواجب الوطني يقتضي مقاومة هذا الخطر، لا البحث عن صيغ للتعايش معه، أو إنتاج المبررات السياسية لإبقائه لاعباً مشروعاً، ناهيك عن التحالف معه صراحةً أو ضمناً.

ومن هنا، فإن محاولة تزييف طبيعة الحرب، أو مساواة أطرافها، أو إغراق الوقائع في أسئلة هدفها طمس الحقيقة- من قبيل الجدل حول من أطلق الطلقة الأولى- لا تبدو مجرد خطأ في التقدير السياسي، بل انحراف عن جوهر المسألة نفسها، فالحرب لم تبدأ لحظة تبادل إطلاق النار، بل بدأت عملياً عندما حرّكت الميليشيا قواتها لمحاصرة قاعدة عسكرية قبل ذلك بأيام، وبدأت في فرض وقائع عسكرية وسياسية بالقوة. كما أن الدفاع عن تدخل دول إقليمية في شأن سوداني داخلي، مهما بلغت درجة الخلاف حوله، شكّل طعنة في ظهر السيادة الوطنية واستعارة شعارات الثورة السودانية وتوظيفها لصالح مشروع ميليشياوي مسلح.

وثمة خلط آخر لا يقل خطورة: الخلط بين التفاوض العسكري، الذي لا يمكن أن تكون نهايته المنطقية سوى تفكيك الوجود العسكري للميليشيا بوسائل سلمية، وبين العملية السياسية الهادفة إلى بناء حكم مدني ديمقراطي قائم على سيادة القانون. هذا الخلط لم يُنتج سلاماً ولا انتقالاً ديمقراطيا، بل يعقد المسارين معاً، خصوصاً عندما تتم استعارة شعارات التحول الديمقراطي لتبرير الحرب.

الدفاع عن تدخل دول إقليمية في شأن سوداني داخلي، مهما بلغت درجة الخلاف حوله، شكّل طعنة في ظهر السيادة الوطنية واستعارة شعارات الثورة السودانية وتوظيفها لصالح مشروع ميليشياوي مسلح

ما سبق ليس قراءات نظرية مجردة، بل سرد لوقائع حدثت علناً، وما تزال تتكشف أمام السودانيين والعالم. وكان الأجدر بهذه القوى السياسية أن تعيد ترتيب أولوياتها الوطنية، وأن تنحاز بوضوح إلى السودانيين في مواجهة انتهاكات الميليشيا، بدلاً من تقديم رهاناتها السلطوية الضيقة، على حساب شعب يدفع الثمن قتلاً وتشريداً ودماراً.

أ.ب
جدارية لأشخاص يحملون العلم السوداني على حائط متضرر من الرصاص والشظايا في أم درمان، على مشارف الخرطوم، السودان، 23 أبريل 2026

والمخرج من هذا المأزق ليس مستحيلاً بل لا يزال ممكناً، لكنه يبدأ بأن تتوقف عن عزتها بالإثم، ومراجعة صريحة للمواقف السابقة: مراجعة العلاقة مع الدولة وأجهزتها، بوصفها إطاراً وطنيا لا يجوز هدمه لمجرد الخلاف حول من يديره، والاعتراف بسيادة السودانيين على أرضهم ضد أي عدوان خارجي، مع الإقرار الكامل بمشروعية الاختلاف حول شكل الحكم ومن يدير الدولة وكيف تُدار.

وليس ذلك مطلباً تعجيزياً، بل سيمثل يقظة من دوامة الضلال التي أغرق فيها النادي السياسي نفسه. لكنه يتطلب قدراً من التواضع السياسي، والتراجع من هؤلاء النخب التائهة عن خبال ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، والتوقف عن ليّ الوقائع كي توافق سرديتهم المرغوبة. فهذه المحاولات الإعلامية اليائسة لصناعة صواب مطلق، يتم خلق وهم الإجماع حوله باستعارة شعارات الثورة لتبرير الحرب بما يخالف الواقع، لن تصمد أمام الوقائع ولا الزمن.

font change

مقالات ذات صلة