منذ اندلاع حرب أبريل/نيسان 2023، بدا التردد واضحاً في تعريف بعض القوى السياسية لطبيعة ما انفجر في السودان والتعامل معه،فقد حاولت هذه القوى تصنيف هذه الحرب منذ أيامها الأولى، كمعركة على السلطة ذات طابع أيديولوجي، تُخاض ضد "الإخوان المسلمين" والإسلام السياسي وقوى الثورة المضادة. وهذه، في جوهرها، السردية نفسها التي تبنتها ميليشيا "الدعم السريع" لتبرير حربها. وعلى أساس هذا التأطير، تبنت مواقف سياسية انتهت بها إلى التماهي مع الميليشيا والقوى الإقليمية الداعمة لها، التي لم تخفِ علاقتها بهذه القوى عبر الدعم والاستضافة والتوظيف السياسي.
ثم مضت هذه القوى أبعد من ذلك، فانخرطت في تحالفات سياسية معلنة مع أفراد ومجموعات، أبدت تماهيها مع الميليشيا منذ اللحظة الأولى. فمن بينهم من شارك في اجتماع توغو في يوليو/تموز 2023، الذي عقدته الميليشيا لإنتاج رؤية سياسية لحربها، كمحمد حسن التعايشي، ومنهم سليمان صندل الذي أعلن قبل أيام قليلة أن تنسيقه مع الميليشيا بدأ منذ لحظة الهجوم الأولى على القيادة العامة، ومنهم من صرحت قيادات من الميليشيا (عزت يوسف) بعملهم في مكتب نائب قائد "الدعم السريع" مثل طه إسحق وغيره. ومع ذلك أصرّت هذه القوى على اصطحابهم، وتقديمهم للعالم بوصفهم أطرافاً محايدة، وتحالفت معهم في صفوف "تقدم"، حتى انقسم بعضهم لتكوين تحالف "تأسيس"، تاركين عقابهم داخل تحالف صمود. لكن المشكلة لم تنحصر عند الخطاب والتحالفات، بل قبل ذلك، عند التعامل مع الوقائع نفسها.
فـ"الدعم السريع" لم يخض حربه ضد الجيش أو الحكومة فحسب،فمنذ الساعات الأولى، وبعد إحكام حصاره على القيادة العامة، انتقلت الميليشيا إلى احتلال منازل المواطنين، ونهب الممتلكات الخاصة، وترويع المدنيين، تحت تبريرات أيديولوجية ساذجة من نوع،هذه بيوت لمؤيدين للتيار الإسلامي، والمكون العربي في النسيج السوداني والجيش في الخرطوم، وكأن هذا التصنيف يمنح رخصة لانتهاك الملكية الخاصة، وإذلال الناس. والأخطر أن بعض الرموز السياسية والإعلامية انبرت لا لإدانة هذه الممارسات، بل لمحاولة تأطيرها وتبرير استمرارها، حتى أصبح إخلاء بيوت السودانيين مادةً للتفاوض والمساومة في نقاشات "اتفاق جدة".
ثم تجاوز الأمر حدود الحرب الداخلية ذاتها، فالميليشيا استدعت المرتزقة من شتى أنحاء العالم من أفريقيا، وصولاً إلى كولومبيا، بتمويل ودعم خارجيين لم يُبذل جهد حقيقي لإخفائهما، وهنا خرج الأمر من نطاق نزاع سياسي مسلح مع الحكومة إلى اعتداء مباشر على الدولة السودانية نفسها بكافة مقوماتها الأساسية: شعبها، وأرضها وحكومتها.

