هل يحتكر "محور الممانعة" القضية الفلسطينية؟

الموقف السياسي القائم من قضية فلسطين هو من الثوابت الرئيسة للسعودية

أ ف ب
أ ف ب
رجل يلتقط صورة لشعار جامعة الدول العربية في مركز إثراء خلال القمة التاسعة والعشرين لجامعة الدول العربية في الظهران، شرق المملكة العربية السعودية، في 15 أبريل 2018

هل يحتكر "محور الممانعة" القضية الفلسطينية؟

ارتبط مصطلح "محور الممانعة" بمختلف الدول العربية المعارضة لأي اتفاق سلام مع إسرائيل وبخاصة بعد هزيمة 1967، ومع مرور الوقت تم اختزال المصطلح بشكل تعسفي ليصبح اسمه "محور المقاومة" أو "الممانعة" الذي ارتبط في الذهن الإعلامي بجمهورية إيران وأذرعها في المنطقة، ويهدف وفق أدبيات خطاب المنتمين له، إلى التعاون والتنسيق في محاربة إسرائيل عسكريا ومواجهة الولايات المتحدة والحد من وجودها في المنطقة. كما يُركز هذا المصطلح على هدفين أساسيين وهما: وحدة الأهداف الإقليمية المشتركة، وتكثيف الدعم المشترك بين أعضاء "المحور" من الجماعات المسلحة الذين اهتمت إيران بتعزيز قدراتهم العسكرية عبر "فيلق القدس" التابع لقيادة "الحرس الثوري".

وفي المقابل، أطلقت وزارة الخارجية الأميركية وحكومة إسرائيل على إيران وأذرعها، علاوة على العراق وسوريا خلال فترة النظام السابق، وصولا إلى عدد من دول العالم ككوريا الشمالية وغيرها والتي اشتهرت بمناكفتها للولايات المتحدة تحديدا، مصطلح "محور الشر"؛ كما ظهر على الساحة مصطلح "محور الاعتدال" للدلالة على مختلف الدول العربية والإسلامية التي لم تلتحم بشكل مباشر مع إسرائيل من بعد حرب 1973، كما لم تمانع في تنمية علاقاتها السياسية والاقتصادية بالدول الغربية (الولايات المتحدة ومختلف الدول الأوروبية).

أ ف ب
صورة جماعية خلال القمة التاسعة والعشرين لجامعة الدول العربية في مركز إثراء بالظهران، شرق المملكة العربية السعودية، في 15 أبريل 2018

هكذا تبلورت صورة خاطئة في الذهن العربي تحديدا لتصبح مواجهة إسرائيل قاصرة على "محور المقاومة"،أو "الممانعة"، المتشكل من عدد من الجماعات المسلحة خارج نطاق الدولة مثل "حزب الله" في لبنان، وجماعة الحوثي (حركة أنصار الله) في اليمن، وفصائل "الحشد الشعبي" في العراق، وحركتي "حماس" و"الجهاد" في غزة، في مقابل تصوير باقي الدول العربية بأنها مهادنة لإسرائيل ومنضوية تحت إرادة المنظومة الغربية، ولاسيما تلك الدول التي عقدت اتفاق سلام مع دولة إسرائيل، مع أهمية التفريق بين مصر والأردن وكذلك "منظمة التحرير الفلسطينية" الذين وقّعوا اتفاق سلام لأسباب سياسية قاهرة وفقا لظروف المرحلة، وكان ذلك قبل تبني العرب للمبادرة العربية للسلام عام 2002، ودولة الإمارات والبحرين اللتين وقعتا الاتفاقات الابراهيمية.

وواقع الحال، فإن اختزال مفهوم "المقاومة" في إيران وأذرعها المسلحة، وتهميش موقف مختلف الدول العربية من طبيعة الصراع مع إسرائيل، خطأ فادح، مع الإشارة إلى قيام إيران باستثناء جماعة "طالبان" التي حاربت الجيش الأميركي في أفغانستان، من قائمة حلفائها.

إذن، يمكن القول ابتداء بأن مصطلح "محور المقاومة" قد نسجته إيران بمفهوم سياسي مؤدلج، بهدف تحقيق مصالح سياسية خاصة، وجاء أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله ليُعمم المصطلح عبر خطاباته التي كانت تحظى بمشاهدة عربية وبخاصة إبان "حرب تموز" 2006؛ وهكذا تحقق المراد لإيران في قلب المعادلة في الذهن العربي، ليصبح مفهوم "الاعتدال" قرين "المهادنة"، وليتحول المفهومان من دلالتهما الخيرية الطبيعية، إلا دلالتهما الشرِّيَّة المرتبطة بالعلاقة مع إسرائيل والغرب، وهو ما تريده على حد سواء إيران وإسرائيل في الوقت ذاته، وتلك هي نقطة التقاطع بينهما، وأقصد إمعان السيطرة على ساحة المشرق العربي من قبل كل منهما.

المملكة العربية السعودية تقود مقاومة مختلفة على طريقتها، ودون أن تثير أي جلبة هنا وهناك، أو تدعم تكوينات سياسية وعسكرية معارضة وخارجة عن سلطة القانون بوجه عام

أمام هذا الطرح بات مهماً وضع النقاط على الحروف، وتحرير مفهوم "المقاومة" وفك قيده أيضا، والتأكيد على أن المقاومة حق مشروع لكل أحد، وهو حق يمكن ممارسته بمختلف الطرق، وليس لأحد أن يقرر اختزاله في طريقة معينة وأسلوب مُخصص، كما ليس صحيحا أن يتم تعميم مساحة إطاره الجغرافي وفقا لرؤية دولة إيران التي وسَّعت مساحة مفهوم المقاومة لتُدخل الولايات المتحدة في إطاره، وتجعل منها هدفا جراء احتدام الصراع معها منذ عام 1979 وحتى اليوم الذي تلتهب فيه نار الحرب بينهما بالإضافة إلى إسرائيل.

وبالتالي، فالصراع مع الولايات المتحدة محدود بجمهورية إيران التي يمكن أن تعقد معها مستقبلا علاقة صداقة فيما لو تخففت الحكومة الأميركية في مطالبها، وفي حينه ستتخفف إيران من دعاياتها السياسية، وستتحول أميركا في خطاب طهران الدعائي من "الشيطان الأكبر" إلى الصديق الأكبر، وأجزم أنه لن يكون لفلسطين ذلك الصدى في أي حوار سياسي إيراني غربي مستقبلا، كما هو الحال حاليا، حيث تجري المفاوضات مع الولايات المتحدة لوقف الحرب في إيران ومع "حزب الله" في لبنان، دون أن يتم ذكر قطاع غزة ومصير حركة "حماس". لذلك أتصور بأنهم مستقبلا في حال تسوية أمورهم السياسية مع الولايات المتحدة، سيعمدون إلى تسوية الأمر مع إسرائيل وفق دمج الفلسطينيين مع الإسرائيليين في دولة واحدة وليس وفق "حل الدولتين" وهو ما يقول به عدد من الساسة الكبار في إيران حاليا.  

أ ف ب
صورة نُشرت في الأول من سبتمبر عام ١٩٦٩ للملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود (يسار)، وجمال عبد الناصر (وسط)، رئيس مصر، ومحمد أحمد محجوب، رئيس وزراء السودان، خلال اجتماعهم في قمة جامعة الدول العربية في الخرطوم، السودان

والسؤال: هل بعد ذلك يصح أن تختزل "المقاومة" في محور واحد، فيما يُتهم الآخرون بـ "المهادنة" بسبب الاعتدال؟

حتما يجب أن يعاد النظر في الأمر، ليعرف القارئ أن مفهوم "المقاومة" لم يكن في يوم حكرا على أحد، بل الجميع مشترك فيه بما يملك من قدرات وإمكانات، كما لا يمكن حصره في إطاره العسكري وحسب، بل هو ممتد في جميع الإطارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولعل الأخيرتين من أهم صور "المقاومة" التي نَغفل عن تأثيرهما، ولا أدل على ذلك من مقاومة الشعب المصري للوجود الإسرائيلي مجتمعيا بالرغم من توقيع الحكومتين المصرية والإسرائيلية لاتفاق سلام عام 1979، وكذلك الحال مع الشعب الأردني، ومن قبلهم الشعب الفلسطيني المُحتل الذي يعمل على مواجهة قوات الاحتلال بالمحافظة على إرادته وصموده.

على الصعيد السياسي والاقتصادي كانت المملكة العربية السعودية ولا تزال تقود مقاومة مختلفة على طريقتها، ودون أن تثير أي جلبة هنا وهناك، أو تدعم تكوينات سياسية وعسكرية معارضة وخارجة عن سلطة القانون بوجه عام، وكانت ولم تزل تعكس بمواقفها السياسية وتصريحاتها الدبلوماسية صلابةً قويةً في الموقف، وضَحَت مؤشراته في رفضها القاطع للسلام مع إسرائيل بالرغم من كل الضغوط والرجاء الدولي بقيادة الولايات المتحدة، لكنها ظلت ثابتة على موقفها الرسمي القاضي بـ "حل الدولتين"، وتحقيق السلام العادل، مع إعطاء الفلسطينيين حقوقهم المشروعة، ووقف الاعتداء السافر على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.

"المقاومة" من حيث جوهر مفهومها وطبيعة فعلها، لم تكن قاصرة على الجبهة الإيرانية وإنما هي مفهوم ممتد وواسع يشمل آخرين في المنطقة العربية والإسلامية، وإن اختلفوا في المنهج والأسلوب

أشير إلى أن الموقف السياسي القائم من قضية فلسطين هو من الثوابت الرئيسة لسياسة المملكة منذ عهد الملك عبد العزيز وصولا إلى عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي أمر بتحويل اسم القمة العربية في دورتها الـ29 المنعقدة في 15 أبريل/نيسان 2018 بمدينة الظهران السعودية إلى اسم "قمة القدس"، قائلا في خطابه الافتتاحي: "ليعلم القاصي والداني أن فلسطين وشعبها في وجدان العرب والمسلمين".

واليوم تتحرك الدبلوماسية السعودية على أكثر من مسار، حيث تواصل الرياض اتصالاتها مع القوى الدولية للتأكيد على إدانة الجرائم التي ترتكبها حكومة إسرائيل، كما تدعو المجتمع الدولي إلى إقرار حلول عادلة تضمن حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، وعلى رأسها حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية؛ وهو ما عبر عنه ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان في أكثر من خطاب ومناسبة دولية، بل وكان صارما في رفضه لمشروع "صفقة القرن" عام 2019، وقاد في المقابل جهدًا دوليًا غير مسبوق لإحياء "حل الدولتين"، ثم وحين طرح مشروع "الاتفاقات الإبراهيمية" أكد بوضوح في أكثر من مناسبة بأنه لن تكون هناك علاقات مع إسرائيل ما لم يتم الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967.

رويترز
يحمل الناس نعش عضو في "حزب الله"، قُتل في جنوب لبنان، خلال جنازته في الضواحي الجنوبية لبيروت، لبنان، 20 ديسمبر 2023

ومن أجل تحقيق ذلك أطلقت السعودية في 27 سبتمبر/أيلول 2024 "التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين" على هامش اجتماعات الدورة 79 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ليستمر الجهد الدبلوماسي السعودي بكثافة وصولا إلى شهر سبتمبر 2025 حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة "إعلان نيويورك" بشأن تسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية وتنفيذ حل الدولتين.

هذا السياق السعودي الصارم لم يُنظر له في البعد الإعلامي المناوئ باعتباره موقفا مقاوما، ولذلك بات مهماً تحرير المفهوم والمصطلح ابتداءً، ذلك أن مفهوم "محور المقاومة" قد اختزل بطريقة مُخلة، وفي ذلك تحجير لمفهوم واسع، واتهام للآخر خارج هذه الدائرة بأنه مهادن بضعف.

مع الإشارة إلى أن الأحداث السياسية الراهنة قد أثبتت أن "المقاومة" من حيث جوهر مفهومها وطبيعة فعلها، لم تكن قاصرة على الجبهة الإيرانية وغيرها من الجبهات القومية الإسلامية، أو التيارات الجهادية، والتي أضرت بنفسها وبغيرها على امتداد المسير؛ وإنما هي مفهوم ممتد وواسع يشمل آخرين في المنطقة العربية والإسلامية، وإن اختلفوا في المنهج والأسلوب، وبالتالي فمن المهم المبادرة بالتصحيح حتى لا يزيد سقوطنا كمجتمع عربي وإسلامي في ظلام الاتهام المتبادل، وفي عملية كي للوعي تمارسها إيران وأذرعها لأغراض سياسية وأيديولوجية بخلاف مصلحة الدول العربية والإسلامية ككل.

font change

مقالات ذات صلة