أصحاب الألسنة المفلوقة... عن كتاب عاشوا وأبدعوا بين ثقافتين

منهم إدوارد سعيد وكاتب ياسين وإيمي سيزير

Al Majalla
Al Majalla

أصحاب الألسنة المفلوقة... عن كتاب عاشوا وأبدعوا بين ثقافتين

هم أسماء تجمعهم غربتهم، ورغم ذلك، يقتسمون الهموم الفكرية واللغوية ذاتها. نذكر بعضا منهم من غير تفاضل ولا ترتيب: عبد الكبير الخطيبي، إدوارد سعيد، إيمي سيزير، كاتب ياسين، عبد الفتاح كيليطو، محمد ديب، إلى أن نصل إلى الكاتب الملغاشي جاك رابيمانانجارا، الذي ذكره كيليطو في كتابه الأخير بنوع من الإعجاب، والذي منه استمد عنوانه: "سراق اللغة".

ما يجمع هؤلاء هو أنهم عاشوا بين-بين، أو، بتعبير إدوارد سعيد، "في لامكان". إنهم كما يقول الخطيبي "غرباء محترفون". هؤلاء الكتاب جميعهم، "سراق لغة"، إن جاز لنا أن نقتبس عنوان الكتاب الأخير لكيليطو.

لماذا اللغة بالذات؟ لأن ما يفتقده المرء كثيرا في غربته، من بين أشياء أخرى، هو اللغة. كتب كيليطو عن إدوارد سعيد: "يفتقد سعيد اللغة العربية. لا أحد حوله يتكلمها ضمن مجايليه، وهي اللغة التي، كما يقول هو نفسه، يعيش ويفكر ويحس فيها، جنبا إلى جنب مع الإنكليزية".

مثل هؤلاء هم من يقول عنهم دولوز أصحاب "الأدب الأقلي"، "رحّل لغتهم ومهاجروها"، إنهم هم الذين "يكتبون بها كأنهم غرباء"، مثل كافكا اليهودي التشيكي وهو يكتب بالألمانية.

مزدوج اللغة ليس مجرد شخص يتحدث لغتين، بل هو كائن يعيش بينهما، في حالة ترجمة دائمة

ما يتبينه هؤلاء جميعهم، كل على طريقته، هو أن اللغة المسروقة لا تتمكن من القضاء التام على اللغة التي حلت محلها، فهذه تظل تعمل عملها. في كتابه الأخير يورد كيليطو اقتباسا لرابيمانانجارا يقول فيه: "لا نـزال نسـتطيع أن نتكلـم اللغـة نفسها كفرنسـوا موريـاك، وأن نسـتخدم الألفـاظ ذاتها كهمنغـواي، لكـن، لم يعـد لنـا النظـام اللغـوي نفسـه مثلــهما: الــكلمات، بفضــل كيميــاء التحويــل، أخــذت على شــفاهنا ومـن خلال مـداد أقلامنـا معـاني مـا كانـت لهـا ولـن تكتسـبها أبـدا عنـد مســتخدميها الأصلــيين". يضيـف رابيمانانجـارا في النهايـة: "الحقيقـة أننـا تحـت تـأثير الضرورة الحتميــة لمأســاتنا، نتكلــم الملغاشــية، والعربيــة، والولوفيــة والبانطــو بلسـان أسـيادنا [...] فحتى وأنا أكتب بالفرنسية، أزعم أنني أكتب بالملغاشية". إنه إذن، مثل كيليطو، "يتكلم اللغات جميعها، لكن بالعربية".

Wikimedia Commons
الكاتب الجزائري كاتب ياسين

ازدواج اللغة

عند عبد الكبير الخطيبي كذلك، استضافة اللغة التي كانت أجنبية سرعان ما تقع تحت تأثير المضيف، يقول في "عشق بلسانين": "أنا ابن الازدواجية اللغوية". فـ"تملكه للغة حب مستقى من تراث أجنبي، كما يقول، يرغمه على أن يمارس الازدواجية اللغوية". إلا أن مزدوج اللغة ليس مجرد شخص يتحدث لغتين، بل هو كائن يعيش بينهما، في حالة ترجمة دائمة، ليس فقط بين الكلمات، بل بين رؤى العالم التي تحملها كل لغة. إنه لا يضع حدودا صلبة بين اللغات، بل يجعلها تتجاور، تتضايف وتتلاقح، وتتحاور وتتثاقف.

 Wikimedia Commons
الناقد والكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو

الثنائية اللغوية تضع الكاتب دائما في وضعية ترجمة، لأن هناك على الدوام حركة انتقال وترجمة بين لغتين، وحوارا خفيا بينهما لا يمكن لا رصده ولا فهمه. لا يعني هذا "أن تعدد اللغات هو مجرد علائق خارجية بين لغة وأخرى - بين اللغة المصدر والهدف على حد قول اللسانيين - وإنما هي عناصر تدخل ضمن النسيج البنيوي لكل فعل كتابة، لكل غزو للمجهول تعبر عنه الكلمات. في كل كلمة، وفي كل اسم أو لقب ترتسم دوما كلمات أخرى، كتابتها الضيفة. في كل كلمة كلمات أخرى، في كل لغة لغات أخرى".

وهكذا تعمل اللغة الأم عملها في اللغة الأجنبية. يقول الخطيبي: "علينا أن نتبنى اللغة الفرنسية، لكن، لكي نرى فيها تلك الهوة ومتعة الغريب التي ينبغي أن تعمل باستمرار في الهامش".

الأمر مماثل لما كان كتبه إيميه سيزير، عن تجربته، وحال "الأدب الزنجي". في حالته لا نصادف لفظ "سرقة"، وإنما كلمة "قرصنة": "أقول إنه كما توجد عمليات قرصنة إذاعية، هناك أيضا استخدام قرصاني للغة، وهذا بالضبط ما يكون عليه "الأدب الأقلي". نعم، بمعنى ما، فإن الأدب الزنجي المكتوب بالفرنسية هو أيضا قرصنة أدبية. بالطبع، فإن هذا التعريف لا يستنفده تماما. تحديدا، لا ينبغي لنا أن نقنع بملاحظة أن هناك اختطافا للغة وتحريفا لها. بل يجب أن نتحمل عناء دراسة ما أصبحت عليه اللغة بين أيدي أولئك الذين استولوا عليها، وما إذا كانت، في النهاية، هي اللغة نفسها التي نتحدث عنها، أو، على الأقل، النظام اللغوي نفسه. إنها لغة محرفة: بلا شك. لغة منحرفة: بالتأكيد. لكنها أيضا لغة مشحونة ربما، ومحملة بالطاقة". 

  SILVER SIMPHOR / AFP
الشاعر والمفكر المارتينيكي إيميه سيزير في مبنى بلدية فورت دو فرانس، 2003

يذهب كيليطو أبعد من هذا في أحد حواراته، فهو يؤكد: "المفارقة هي أن من يكتبون باللغة الفرنسية، يكونون تحت تأثير اللغة العربية أكثر من أولئك الذين يستعملون العربية، هذا على وجه التقريب ما ينبه إليه إ. عمران المالح عندما يكتب: "وأنا أكتب باللغة الفرنسية كنت أعرف أنني لا أكتب بها. هناك لغة أخرى مضمرة، إنها لغتي الأم، العربية، تلك النار الدفينة".

لا عربية هنا

في أميركا سيتبين سعيد، كما كتب كيليطو، أنه "مثقل باسمه، بلونه، بلغته، تنهال عليه ذكريات ماضيه في الغربة، باعثة لديه شعورا باختلافه وتميزه عن محيطه الجديد: "كنت أشعر بأني مثقل حد التخمة بالذكريات". صار كيانه في الغرب أكثر عروبة مما كان عليه من قبل في البلاد العربية. صار عربيا بامتياز. يقول عن نفسه بضمير الغائب إنه "عربي أدت ثقافته الغربية، ويا لسخرية الأمر، إلى توكيد أصوله العربية". تغيير المكان لم يؤد به إلى فقدان العربية أو التخلص منها. 

إنها لغة محرفة: بلا شك. لغة منحرفة: بالتأكيد. لكنها أيضا لغة مشحونة ربما، ومحملة بالطاقة

تأكد هذا خلال حادث بسيط جرى له لا يخلو من دلالات عميقة. في مدرسته الأميركية حاول التقرب من مستر إدموند ألكزاندر، مدرب التنس وأستاذ اللغة الإنكليزية. ولأن مستر ألكزاندر من أصل عربي (أمضى مدة في القاهرة)، فقد خاطبه سعيد بالعربية، فكان جوابه، بالإنكليزية: "لا، يا أخي، لا عربية هنا. لقد تركت كل ذلك خلفي حين أتيت إلى أميركا. لقد خلفت كل هذا ورائي. نحن هنا أميركيون [...] يجب علينا أن نتحدث وأن نتصرف مثل الأميركيين".

 MENA / AFP
إدوارد سعيد خلال محاضرة ألقاها في الجامعة الأميركية في القاهرة، 2003

ارتكب ألكزاندر في كلامه "خطأين" لغويين اثنين، يقوم سعيد بتصحيحهما بينه وبين نفسه، وبينه وبين القارئ في طبيعة الحال، معلقا عليهما بشيء غير قليل من السخرية. الخطأ الثاني هو قوله: "نحن هنا أميركيون". يسر سعيد إلى نفسه وإلى القارئ: "هذا تعبير عربي [...]، بدلا من أن يقول "إننا في أميركا، الآن". يتساءل كيليطو: "وهنا يتعين علينا أن نتساءل: هل كلمة "نحن" تحيل في ذهن مستر ألكزاندر على المثنى أم على الجمع؟ هل كان يقصد بها: أنا وأنت – نحن أميركيان – أم كان يقصد بها سائر العرب المقيمين بأميركا أو الحاصلين على جنسيتها؟ أغلب الظن أنه كان يقصد المثنى، لأنه إن قصد الجمع فإنه سيكون قد عقد أواصر قربى بالعرب، بينما هو يكرههم ولا يود أن يشتم رائحتهم".   

 Wikimedia Commons
الناقد والكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو.

 يواصل كيليطو: "أما "الخطأ" الأول، فهو قوله: "لا، يا أخي". يهمس سعيد في أذن القارئ: "فكرت بيني وبين نفسي: هذه عبارة عربية صرف، مع أنه نطق بها بالإنكليزية". وبالفعل "يا أخي" تعبير عربي يفهمه حرفيا لا مجازيا من لم يعاشر العرب، بينما يدل فقط على المودة والألفة".

مدرب التنس، وهو يتكلم بالإنكليزية، يتكلم في الوقت ذاته بالعربية. يترتب عن هذا أنه محكوم عليه أن يكون مترجما. إنكليزيته انعكاس، نسخة من أصل عربي، فأن يتكلم معناه أن يترجم، لغته إذن بين-بين، إنها ترجمة.

داخل اللغة وخارجها

لذلك يستنتج كيليطو أن عبارة "خارج المكان" التي اعتمدها سعيد، تعريف جيد للترجمة: ينتقل النص، ينفى حين يترجم خارج مكانه ويقيم في مكان آخر. لكن الأمر يختلف هنا في ما يتعلق بـ"لا، يا أخي" (No, brother). الترجمة لا تنقل النص بل تعيده إلى مكانه، أو لنقل إنه ظاهريا في غير مكانه، ولكنه في الحقيقة لم يغادره. سعيد خارج المكان. ربما في هذا التعبير سر كتابته: "بدأت أفكر وأكتب طباقيا، مستخدما نصفي تجربتي المتباينين، كعربي وكأميركي، على نحو يعمل فيه واحدهما مع الآخر كما يعمل ضده". تجسير الهوة: مد جسر يجعل من اللغة ترجمة، ومن الهوية انتقالا بين تراثين وثقافتين، ومن المثقف حمالا يوصل ضفة بأخرى".

في أحد حواراته أجاب كيليطو عن سؤال عن كتاب "الغائب" قائلا: "بعد أن كتبت هذه المحاولة بداية باللغة الفرنسية، عرفت عدة ترميمات، واتخذت صورتها النهائية باللغة العربية، على الأقل وقت نشرها". تبدأ الكتابة إذن بلغة لتنتهي بأخرى. إنها لا تنجز، لا أقول إلا بعد أن تترجم، وإنما تنجز في/ وبـ حركة ترجمة. تنجز في خضم ترجمة. ربما هذا هو واقع الكتابة وواقع اللغة عند هؤلاء، فهي ليست ممكنة إلا في خضم ترجمات.

تقحم الكتابة إذن في حركة استنساخ إلى حد أن صاحبها نفسه يعجز أن يتبين النص – الأصل واللغة المنطلق

وعن السؤال: "ألا يحصل أن تترجم أنت نصوصك؟" يرد كيليطو: "تلك، على وجه التقريب، هي طريقتي في العمل: كثير من نصوصي التي نشرت بالعربية كتبت في البداية بالفرنسية، والعكس. فالنصوص التي تؤلف كتاب les Arabes et l'art du récit  توجد في معظمها في كتاب "الأدب والارتياب"، هناك ذهاب وإياب لغوي بين الكتابين، إلى حد أنني لم أعد أعرف أيهما كتب الأول".

تقحم الكتابة إذن في حركة استنساخ إلى حد أن صاحبها نفسه يعجز أن يتبين النص – الأصل واللغة المنطلق. إن النص دائما، مثل صاحبه "خارج المكان".

ألا تسمح لنا هذه البينية أن نقول عن علاقة "أصحاب الألسنة المفلوقة" باللغة ما قاله سارد الخطيبي عن عشيقته الفرنسية: "ما كان يبدو أنه يوحدنا، هو حركة ترجمة استثنائية"؟

font change