لماذا سخر إعلان لـ"ستاربكس" في كوريا الجنوبية من مقتل متظاهرين؟

تكشف سياسة الميمات لدى اليمين المتطرف مدى قوة القوى المناهضة للديمقراطية

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
نشطاء يضعون ملصقات على صورة رئيس مجموعة "شينسيغيه" تشونغ يونغ جين، خلال تجمع يدعو إلى مقاطعة سلسلة مقاهي "ستاربكس" في سيول، 27 مايو 2026

لماذا سخر إعلان لـ"ستاربكس" في كوريا الجنوبية من مقتل متظاهرين؟

لا يوجد في التقويم السياسي لكوريا الجنوبية تاريخ أكثر مهابة من 18 مايو/أيار. ففي ذلك اليوم من عام 1980، أمر تشون دو هوان، الذي كان قد استولى للتو على السلطة، بقتل مئات المتظاهرين العزل في مدينة غوانغجو، جنوب غربي البلاد. ويتذكر معظم الكوريين الجنوبيين ذلك اليوم بوصفه إحدى أفدح المآسي في تاريخ بلادهم الحديث.

أما لدى "ستاربكس كوريا"، فقد بدت المناسبة مادة للسخرية. ففي الذكرى السادسة والأربعين لما يعرف اليوم بـ"انتفاضة غوانغجو"، طرحت الشركة كوباً حراريا جديدا يحمل علامتها التجارية، واحتفت بما سمته "يوم الدبابة"، قائلة إن الكوب يمكن ببساطة أن "يضرب على الطاولة". ولم تكن هاتان العبارتان إشارتين عابرتين، بل إحالتان واضحتان إلى ميمات، أي صور أو عبارات ساخرة متداولة على الإنترنت، يستخدمها اليمين المتطرف للسخرية من ضحايا المذبحة.

أثار الإعلان غضبا فوريا و"انخفاضا كبيرا جدا في المبيعات"، بحسب موظف في "شينسيغيه"، المجموعة المالكة لـ"ستاربكس كوريا". ووجه رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ توبيخا حادا للحملة، واصفا إياها بأنها "خارجة تماما عن المقبول". ورغم أن "ستاربكس كوريا" سحبت الإعلان وأصدرت اعتذارا، تكشف الواقعة الدرجة المقلقة التي أصبحت عندها النزعات المناهضة للديمقراطية أمرا مألوفا داخل اليمين الكوري الجنوبي.

(أ.ف.ب)
إشعار اعتذار معروض داخل أحد فروع "ستاربكس" في سيول على خلفية حملة إعلانية أثارت جدلا واسعا، 26 مايو 2026

قد يبدو الإعلان، في ظاهره، مجرد مصادفة مؤسفة. غير أن لليمين المتطرف في كوريا الجنوبية سجلا طويلا في استخدام ميمات محددة وبالغة الفجاجة من هذا النوع. وتشير عبارة "يوم الدبابة"، على نحو احتفالي، إلى "انتفاضة غوانغجو"، إذ تهلل للدبابات التي قتلت المتظاهرين. أما عبارة "الضرب على الطاولة"، فتحيل إلى الناشط الطلابي بارك جونغ تشول، الذي قتل عام 1987 في مركز اعتقال سري بعد تعرضه لساعات من التعذيب بالإيهام بالغرق. ولتفسير وفاة بارك، زعمت دكتاتورية تشون، في كذبة سيئة السمعة، أن بارك "سقط ميتا فقط عندما ضربت الشرطة الطاولة". وأثارت تلك الكذبة المرتجلة غضب الرأي العام في كوريا الجنوبية، فأطلقت حركة احتجاجية وطنية واسعة باتت تعرف اليوم باسم "نضال يونيو"، وأنهت الدكتاتورية العسكرية، وساعدت البلاد على الانتقال إلى الديمقراطية الليبرالية.

"ستاربكس كوريا" سحبت إعلانا واعتذرت عنه، كشف الدرجة المقلقة التي أصبحت عندها النزعات المناهضة للديمقراطية أمرا مألوفا داخل اليمين الكوري الجنوبي

ظل دس الميمات المناهضة للديمقراطية هواية لدى اليمين المتطرف في كوريا الجنوبية لأكثر من عقد. وكان المنبع الأول لهذا التوجه موقعا يحمل اسم "إيلبي"، وهو اختصار لعبارة معناها "مستودع أفضل مواد اليوم". تأسس "إيلبي" عام 2010، وتحول إلى ملتقى إلكتروني لليمين الشاب الصاعد في كوريا الجنوبية، حيث كان رواده يتسلون بتبادل صور وملفات "GIF" معدلة، ثم يصوتون لاختيار "أفضل" مادة في اليوم.

وفي اتجاه سبق سياسات اليمين البديل وسياسات العُزّاب قسرا المعادية للنساء في ديمقراطيات عدة حول العالم، تبنى مستخدمو "إيلبي"- وكان معظمهم من الشبان- نزعة عدمية تقوم على كراهية الذات، وعداء موجها إلى النساء والناشطين الديمقراطيين. بالنسبة إليهم، كان تشون، الملقب على "إيلبي" بـ"تشون الدبابة"، بطلا يستحق الاحتفاء. أما عدوهم الأكبر فكان روه مو هيون، المحامي الشهير في مجال حقوق الإنسان والناشط الديمقراطي الذي صار رئيسا عام 2003. وبحلول أواخر عام 2012، أصبح "إيلبي" أحد أكبر المواقع الإلكترونية في كوريا الجنوبية، وقوة صاعدة في سياسة المحافظين في البلاد، التي أخذت تنظر على نحو متزايد إلى النساء والليبراليين والديمقراطية نفسها بوصفهم العدو.

حوّل مستخدمو "إيلبي" صناعة الصور عالية الجودة، التي تتضمن ميمات يمينية متطرفة مخفية، ودفعها إلى وسائل الإعلام الرئيسة إلى ما يشبه الرياضة. وكان النمط المعتاد أن يأخذوا شعار جامعة مرموقة، ويدسّوا داخله كلمة "ILBE"، ثم يستدرجوا البرامج التلفزيونية إلى استخدام الشعار المزيف. وكانت الاحتفالات تنفجر على الموقع حين تظهر هذه الصور على الشاشة، بينما يغرق مستخدمو "إيلبي" في فرح صبياني لأنهم جعلوا منفذا إعلاميا محترما يحمل رسالتهم من دون أن يدري.

(أ.ف.ب)
نشطاء يرفعون لافتات خلال تجمع للمطالبة بمقاطعة "ستاربكس" في سيول، 27 مايو 2026

وبحلول أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأ مستخدمو "إيلبي"- بينما ازدادت جرأتهم- ينقلون عبثهم إلى الشارع، ما أثار ردود فعل غاضبة. وجاءت نقطة التحول الكبرى في "إضراب النهم" عام 2017، حين التهم مستخدمو "إيلبي" الدجاج المقلي والبيتزا أمام آباء وأمهات مضربين عن الطعام فقدوا أبناءهم في كارثة العبارة سيول، التي قتل فيها 250 تلميذا. وبعد الغضب الشعبي إزاء أكثر المسرحيات السياسية إثارة للاستياء التي شهدتها كوريا الجنوبية على الإطلاق، تراجعت شعبية موقع "إيلبي" الإلكتروني في السنوات اللاحقة.

التهم مستخدمو موقع "إيلبي" الدجاج المقلي والبيتزا أمام آباء وأمهات مضربين عن الطعام فقدوا أبناءهم في كارثة العبارة سيول، التي قتل فيها 250 تلميذا

لكن روح "إيلبي" لم تختف. فكما أشار الكاتب كيم هاك جون في كتابه "عصر إيلبي اليومي"، لم تكن عدمية "إيلبي" وكراهيته للنساء محصورتين بمنبوذين اجتماعيا اختفوا مع الموقع، بل أصبحتا ببساطة جزءا من الثقافة اليمينية السائدة. ودفعت كراهية النساء السامة على طريقة "إيلبي" المعلق المحافظ الشاب لي جون سيوك إلى زعامة حزب "سلطة الشعب"، الحزب اليميني الرئيس في كوريا الجنوبية، عام 2021.

وفي إسقاط نفسي غريب، قاد لي جون سيول حملة مطاردة إلكترونية ضد معلنين عرضوا إشارة قرص بالأصابع، مقتنعا- من دون أي أساس في الواقع- بأن تلك الإشارة كانت شفرة سرية تستخدمها النساء للسخرية من صغر الأعضاء التناسلية لدى الرجال اليمينيين. وبدافع من تظلمات مرتبطة بالنوع الاجتماعي، يصوت الشبان في كوريا الجنوبية بأغلبية كاسحة لمصلحة المحافظين، بينما تصوت الشابات بأغلبية كاسحة لمصلحة الليبراليين، وهو انقسام لا يظهر في أي فئة عمرية أخرى.

ولا تكاد تكون "ستاربكس كوريا" أول علامة تجارية كبرى تستخدم ميمات اليمين المتطرف. ففي عام 2019، أصدرت "موسينسا"، وهي شركة أزياء سريعة، اعتذارا عاما بعد نشرها على "إنستغرام" عبارة تقول إن جواربها "تسقط جافة إذا ضربتها على المكتب". لكن ما زاد غضب الجمهور في هذه الحالة أن "ستاربكس كوريا" تديرها مجموعة "شينسيغيه"، وهي مجموعة "تشيبول" (مصطلح كوري جنوبي يشير إلى التكتلات الاقتصادية العملاقة التي تملكها وتديرها عائلات نافذة في كوريا الجنوبية) وتركز المجموعة على قطاع التجزئة ويقودها تشونغ يونغ جين.

اشتهر تشونغ، البالغ 57 عاما، بنشر ميمات يمينية متطرفة على حسابه في "إنستغرام". ففي عام 2021، نشر تشونغ مرارا عبارة "أنا آسف، وشكرا لكم" مرفقة بصور مأكولات بحرية، في ما بدا أنه سخرية من الرسالة التي وجهها الرئيس السابق مون جيه إن إلى ضحايا الغرق في كارثة العبارة سيول. وفي الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية في كوريا الجنوبية عام 2022، نشر مرارا وسم "myeolgong"، ومعناه "دمروا الشيوعيين"، فرد عليه المرشح الرئاسي، والفائز لاحقا، يون سوك يول، بالتسوق علنا لشراء حاجيات في متجر "إيمارت" التابع لـ"شينسيغيه".

(أ.ف.ب)
امرأة تعبر أمام أحد فروع "ستاربكس" في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، 26 مايو 2026

لكن تشونغ سارع هذه المرة إلى تقديم اعتذار علني، قائلا إن "ستاربكس كوريا" انخرطت في "تسويق غير ملائم تسبب بألم وغضب عميقين لدى كثيرين". وتعهد بأن "تتذكر (شينسيغيه) تاريخ مجتمعنا وتضحياته"، وأن "تعزز الضوابط الداخلية وإدارة المخاطر".

يقترع الشبان في كوريا الجنوبية بأغلبية كاسحة لمصلحة المحافظين، بينما تصوت الشابات بأغلبية كاسحة لمصلحة الليبراليين

وبصرف النظر عن اعتذار تشونغ، احتفى اليمين في كوريا الجنوبية بـ"ستاربكس". ودافع حزب "سلطة الشعب" عن الشركة، إذ قال زعيم الحزب جانغ دونغ هيوك، خلال حملته في الانتخابات المحلية الأخيرة، إن "الرئيس يحاول التحكم في علامة القهوة التي يشربها الناس". وامتلأت مواقع اليمين المتطرف ومنتدياته بدعوات إلى دعم "ستاربكس"، في مفارقة لافتة إذا تذكرنا أن اليمين المتطرف الشاب كان، في ذروة "إيلبي"، يعد "ستاربكس" قهوة فاخرة ومبالغا في سعرها تطلب النساء من الرجال شراءها لهن في المواعيد الغرامية.

يبين اعتذار تشونغ أن حدا من اللياقة ومعايير ديمقراطية ما زال قائما، وأن المجتمع الكوري الجنوبي سيحرص على فرضه. لكن دلالات هذا الجدل تبقى مقلقة. فقبل عام ونصف العام فقط، مرت ديمقراطية البلاد بتجربة كادت تطيح بها، عندما أعلن يون الأحكام العرفية وأرسل مظليين إلى الهيئة التشريعية لاعتقال خصومه السياسيين. ورغم أن الجمهور عموما قاوم المحاولة بشدة، وانتهى الأمر بإيداع يون السجن، فإن شريحة واسعة لا تزال ترغب بصدق في إنهاء الديمقراطية الليبرالية وتوجيه قوة الدولة ضد الليبراليين والنساء.

(أ.ف.ب)
نشطاء يزيلون شعار "ستاربكس" من ملصق خلال تجمع للمطالبة بمقاطعة السلسلة في سيول، 27 مايو 2026

وفي الانتخابات الأخيرة، حقق "الحزب الديمقراطي الليبرالي" أداء قويا، إذ فاز بمناصب رئاسة البلديات وحكام المقاطعات في 12 من أصل 16 مدينة كبرى ومقاطعة، في وقت كان حزب "سلطة الشعب" يكافح لإبعاد نفسه عن "تمرد يون". لكن في مفاجأة مدوية، تمكن حزب "سلطة الشعب" من الاحتفاظ بسيول بفارق ضئيل للغاية، ويعود ذلك جزئيا إلى أن أكثر من 75 في المئة من الرجال في العشرينات من العمر صوتوا لشاغل المنصب المحافظ أوه سيه هون. يعتقد معظم أبناء كوريا الجنوبية أن محاولة إنهاء الديمقراطية سبب كاف لنزع الأهلية السياسية. أما بالنسبة إلى يمين كوريا الجنوبية، فهي سبب للدعم.

font change

مقالات ذات صلة