محمد إبراهيم يعقوب لـ"المجلة": الشعر عمل تقوم به أقلية ليتفادى العالم الانهيارhttps://www.majalla.com/node/331644/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D9%8A%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8-%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1-%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%AA%D9%82%D9%88%D9%85-%D8%A8%D9%87-%D8%A3%D9%82%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%AF%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85
برز الشاعر السعودي محمد إبراهيم يعقوب ضمن جيل شعري لافت أسهم في إثراء المشهد الثقافي السعودي بأصوات شعرية متعددة وتجارب متباينة، فاستطاع أن يشق طريقه الإبداعي الخاص، وأن يرسخ اسمه بوصفه أحد الأصوات الشعرية الأكثر تميزا في جيله، من خلال تجربة اتسمت بخصوصية الرؤية وجماليات اللغة والعمق الثقافي والاشتغال على الصورة الشعرية.
على امتداد مسيرته، لم يكتف بأن يكون جزءا من ظاهرة شعرية لافتة، بل نجح في بناء مشروعه الإبداعي الخاص، مستندا إلى منجز شعري متراكم وحضور ثقافي فاعل، الأمر الذي منحه مكانة بارزة في المشهد الأدبي السعودي والعربي.
في هذا الحوار، تقترب "المجلة" من تجربته، وتستعرض ملامح مسيرته الشعرية، وأبرز تحولات مشروعه الإبداعي.
باعتبارك أحد شعراء منطقة جازان، ما الذي يميز طبيعة الأدب فيها عن غيره من صور الأدب السعودي؟
الأدب في المملكة العربية السعودية يمتد على مساحة جغرافية واسعة، يسهم كل جزء من هذه الجغرافيا بمزيج من الإنسان والتاريخ والثقافة عبر ما نسميه الأدب، وقد انصهرت كل هذه المساهمات الإبداعية في كيان واحد وحده رجل عبقري، إنسانا وأرضا ومصيرا، هو الملك عبد العزيز طيب الله ثراه.
لا شك أن الأدب ـ والشعر خاصة ـ في منطقة جازان يمثل أحد الروافد المهمة في تشكيل الأفق الشعري في المملكة. ربما ما يميز هذا الموقع الجغرافي "المخلاف السليماني ـ منطقة جازان"، أن شعلة الشعر لم تخب فيه على مر التاريخ من جيل إلى جيل حتى وقتنا الحاضر، وكما يقول الأستاذ حجاب بن يحيى الحازمي عن ارتباط الشعر بجازان: "وما ذلك إلا لأن الشعر في جازان إرث باذخ تناقلته الأجيال على مر التاريخ الأدبي".
تلقى شعراء الثمانينات الصدمة كاملة عنا، وكان هناك الكثير من الخسائر
يستطيع الجزم عن سر هذا الحضور الشعري اللافت لمنطقة جازان، هل هو الإرث والتاريخ؟ هل هي طبيعة جازان التي تحتضن الجبل والسهل والبحر والجزر في قلب منطقة واحدة؟ هل هو فطرة أهلها وحميمية التفاعل مع اللغة والإنسان والحياة في آن واحد؟ أم هو النموذج الحي الذي يراه شاعر شاب قادم أمام عينيه أينما التفت في المدرسة أو الشارع أو المسجد؟ لا أحد يستطيع الجزم، لكن جازان كانت ولا تزال وستظل ولادة للشعر والفن والأدب.
من جازان
الذاكرة الشعرية
من يقرأ كتابك، "لا أحد محمد الثبيتي سيرة شعرية وإنسانية"، سيجده نداء منك للتوسع في دراسته بشكل أعمق. في رأيك، هل قرئت تجربة الثبيتي كما تستحق؟
طرحت تجربة الثبيتي، وخاصة في ديوان "التضاريس" عام 1986، بالنسبة لي على الأقل ، سؤالا أعمق وأوسع كذلك، وهو كيف وصلنا إلى هنا؟ من أين بدأ الشعر السعودي؟ ما الذي تحقق؟ وما الذي نرجوه؟
لذا في كتابي عن الثبيتي الذي صدر في طبعته الأولى عام 2017، عن نادي مكة الأدبي، والذي سوف يصدر في طبعة ثانية هذا العام عن دار "يسطرون"، عدت إلى عام 1926 حين صدر أول كتاب في الأدب في المملكة العربية السعودية، وهو كتاب "أدب الحجاز" لأستاذ الجيل محمد سرور الصبان، ومررت بتجربة محمد حسن عواد الفكرية والنقدية عبر كتابه "خواطر مصرحة"، ثم إلى تجربة حمزة شحاتة الفارقة، ثم التجربة الرومانسية في الخمسينات، وما نتج منها من اتجاهات رمزية وقومية، وغيرها من التجارب.
غلاف "محمد الثبيتي سيرة شعرية واانسانية"
إن مرحلة الثمانينات ليست قفزة من العدم، بل هناك أسماء مهمة مهدت الطريق لجيل الثمانينات، من أهمهم غازي القصيبي ومحمد العلي، ثم النشر المبكر لديواني سعد الحميدين 1977، وأحمد الصالح "مسافر" 1978.
أزعم أني كتبت الكتاب بمحبة كبيرة، محبة لتجربة محمد الثبيتي، ومحبة للشعر. ولعل قارئ هذا الكتاب يتلمس شيئا من ذاكرة الشعر السعودي التي يمر عليها اليوم مئة عام، وهي ذاكرة تستدعي الكثير من النقاش بين النجاحات والإخفاقات، وبين التجليات والمراجعات، وبين تأكيد الهوية والامتزاج بالمحيط العربي.
بقراءتنا وفحصنا للشعر السعودي سنجد أن أبرز حقبه الثمانينات، وذلك لما مرت به من تحولات لا يزال تأثيرها وأثرها ظاهرا حتى الآن، أنت كيف تراها؟
في الشعر، على مر التاريخ العربي، كان الصراع بين القديم والجديد حياة للشعر دائما. "وامرؤ القيس أول الناس اختراعا في الشعر، وأكثرهم توليدا"، كما يقول ابن رشيق في "العمدة"، ثم جاء المولدون بشار وأبو نواس ومسلم بن الوليد، ثم جاء أبو تمام فأربك المشهد النقدي، حتى أن ابن الأعرابي يقول: "إن كان هذا شعرا فكلام العرب باطل"، لك أن تتخيل ذلك.
في المشهد الشعري السعودي كان محمد حسن عواد رائد الحداثة الشعرية بلا منازع. كان مندفعا ومنحازا للجديد طوال تجربته الشعرية والنقدية والفكرية، ومن شاء فليقرأ كتابه "خواطر مصرحة" عام 1926. ثم نرى صراع القديم والجديد في السبعينات، اذ انحاز حسن عبد الله القرشي الى قصيدة التفعيلة، في حين رفضها آخرون وعبروا عن ذلك حتى في قصائدهم.
الشعر هو فن يعمل لحسابه الخاص، وإذا ما حاول شاعر أن يحمل الشاعر فوق ما يحتمل، فإنه غالبا لا يفلح
في الثمانينات، أصبح الأمر أوضح، وأكثر صخبا. الصراع لم يقتصر على النواحي الفنية والإبداعية، بل صار صراعا أيديولوجيا. السؤال: هل ساهم هذا الصراع في الوصول إلى النص؟ ذهبت كل تلك الضجة وبقيت النصوص، وحدها النصوص تدافع عن نفسها، وهذا في ظني أجمل ما حصلنا عليه كشعراء أتوا بعد مرحلة الثمانينات، في التسعينات وما بعد الألفين، لقد عثرنا على نصوص نستطيع التوقف عندها، والبدء منها، نصوص سعودية، إن صح التعبير، الدكتور البازعي يسميه النص المحلي، كما في كتابه المهم "ثقافة الصحراء". لقد تلقى شعراء الثمانينات الصدمة كاملة عنا، وكان هناك الكثير من الخسائر، محمد الثبيتي لم يكرم ولم يأخذ جائزة نادي جدة الأدبي، وصودر ديوانه "التضاريس"، وسعيد السريحي رحمه الله سحبت منه درجة الدكتوراة، هذا على سبيل المثل لا الحصر. لكن الرهان الكبير كان على النص ولا سواه، وقد كسب النص الحقيقي الرهان.
تتابعت على الشعر السعودي في عقود قصيرة أجيال شعرية عديدة، فإلى أي جيل تنتمي؟
في جازان بالذات أنت كشاعر قادم تعيش لحظتين شعريتين. عندما أصدرت ديواني الأول "رهبة الظل" عام 2001، كنت على بعد 50 سنة من أول كتاب شعري يصدر عن الشعر في جازان، وهو كتاب "شعراء الجنوب" الذي صدر عام 1951، وأشرف عليه كل من محمد بن أحمد العقيلي، ومحمد بن علي السنوسي، ومن غيرهما، وهما رائدا الشعر في جازان، وعلى يديهما تأسس نادي جازان الأدبي في ما بعد، فأكون على هذا الأساس من الجيل السادس في شعراء منطقة جازان، وللناقد الدكتور حسن بن حجاب الحازمي بحث مهم عن أجيال الشعر في منطقة جازان. لكن، بنشري ديواني الأول أكون على 75 سنة من أول كتاب أدبي في المملكة العربية السعودية، وهو "أدب الحجاز" عام 1926. فانظر إلى هذا الإرث الكبير الذي من المفترض أولا أن يتعرف اليه شعراء المملكة، ثم أن ينطلقوا منه.
جازان
أزعم أني قارئ جيد للشعر السعودي، حيث يمثل جيل التسعينات، وما بعد التسعينات بقليل، وهو الجيل الذي أنتمي إليه، يمثل جيلا تخفف من كل صراعات الثمانينات. أصبح لدي قناعة أن الرهان كله على النص، لا على معارك خارج النص كانت تؤجج الصراع في ما سمي حركة الحداثة. الشعر داخل النص وليس خارجه، والشعر هو فن يعمل لحسابه الخاص، وإذا ما حاول شاعر أن يحمل الشاعر فوق ما يحتمل، فإنه غالبا لا يفلح، وبالطبع الجدل بين الفن والمجتمع لن ينتهي، لكني أذكر في هذا السياق عبارة للشاعر بدر شاكر السياب في مقدمة أحد دواوينه، يقول: والشاعر إذا كان صادقا في التعبير عن الحياة في كل نواحيها، فلا بد من أن يعبر عن آلام المجتمع وآماله دون أن يدفعه أحد إلى هذا.
أجمل ما في الكتابة أن تذهب الى أماكن جديدة في كل مرة، أجل ستجد كثيرا من الصعوبات، لكن متى كانت الكتابة سهلة
الشعر تجربة صادقة عن الإنسان وعن العالم، لكنه لا يتخلى عن الفن من أجل شيء آخر أبدا. يقول جان كوين عن هذه الفكرة بالذات: الشعر ذو طبيعة ملكية، فإما أن تكون له السيادة كاملة أو يتخلى عن كل شيء.
المنجز الشعري
بين ديوانك "رهبة الظل" 2001 و"لأنها الغابة كان ينتظر نهرا أو نيزكا" 2025 أكثر من عقدين، ودواوين وجدت صدى للتجربة، ما الذي تغير؟ وكيف غدا الشعر بالنسبة لك؟
يرى أرشيبالد مكليش في كتابه "الشعر والتجربة" أن الشعر هو الذي يعلمنا الشعر، لا توجد طريقة أخرى لفعل ذلك. الشعر علمني الشعر. وأنا تلميذ في حضرة هذا الكائن الأسطوري الذي يسمى الشعر. أكثر من 25 عاما رفقة الشعر، وكل يوم يعلمني الشعر شيئا ما. أنا أتغير فحسب، لا شيء أكثر. ومؤمن تماما أن على الشاعر أن يتغير، فالإنسان يتغير، والحياة تتغير.
في "رهبة الظل" كانت لدي رهبة من فكرة النشر، لكنني كنت أرغب في الخروج من دائرة الظل. هل بقيت تلك الرهبة معي؟ أظنها تحولت إلى مهابة حقيقية، وتبجيل هائل للشعر. وهذا ربما ما جعلني أستمر في كتابة الشعر، هذا الشعور أن ليس بعد، لم أبدأ بعد. محمود درويش كان يقول: الشعر هناك في البعيد. الشعر مطلق أما القصيدة فهي لحظة راهنة. يكتب الشعراء القصائد لكن الوصول إلى الشعر صعب، ولا أظن شاعرا حقيقيا يرغب في الوصول.
في كتابة الشعر، أحب أن أتمرد على نفسي في كل مرة. أدرك تماما أن نحت صوتك الخاص، وأن يكون لك أسلوبك الخاص بعد عدة تجارب أمر عظيم، لكن حتى الأسلوب الخاص يصبح قيدا عند كثير من الشعراء، ويجب التمرد عليه، هكذا أفهم التجربة الشعرية، ليس بعد.
غلاف "الأعمال الشعرية" لمحمد إبراهيم يعقوب
ترسخت لدي هذه القناعة ـ قناعة أن أتغير مع كل تجربة كتابيةـ أثناء كتابة ديواني "الأمر ليس كما تظن" الذي صدر عن نادي جدة الأدبي عام 2013، حيث كان الديوان يمثل تجربتي كشاعر قصيدة عمودية بامتياز. فاز الديوان بجائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب كأفضل ديوان شعري في المملكة. توقفت طويلا عند تلك اللحظة، هل أكرر كتابة قصائد تشبه قصائد ديوان "الأمر ليس كما تظن"؟ أصبح لدي أسلوب خاص بإمكاني التنويع عليه، والبقاء في المكان نفسه.
طبيعتي وفهمي للشعر لم يريدا ذلك، فكتبت ديوانا جديدا سميته "ليس يعنيني كثيرا"، صدر عن نادي الباحة الأدبي عام 2015، وكانت كل قصائد الديوان من الشعر التفعيلي، كلها، ولأول مرة في تجربتي أكتب ديوانا كاملا في شعر التفعيلة، مجازفة هائلة لا شك.
المفارقة أن يفوز هذا الديوان التفعيلي بالكامل، لشاعر عرف من خلال قصائده العمودية، بجائزة الثبيتي للإبداع التي ينظمها نادي الطائف الأدبي كأفضل ديوان شعري، وكان الأمين العام للجائزة الدكتور سعيد السريحي رحمه الله. اقتنعت أن أجمل ما في الكتابة أن تذهب الى أماكن جديدة في كل مرة، أجل ستجد كثيرا من الصعوبات، لكن متى كانت الكتابة سهلة. رولان بارت يقول: الكاتب المبدع هو شخص تعد الكتابة معضلة بالنسبة إليه. ودرويش يختصر الأمر كثيرا، ويردد دائما: الشعر هو فن التغلب على الصعوبات. وتجربة محمود درويش تعد نموذجا للتحولات على مستوى الشكل، والمعنى، والمعالجة، والتجريب.
واقع الشعر
مع تحول معظم الأندية الأدبية السعودية إلى جمعيات أدباء، ما الذي تتوقع إحداثه على الواقع الثقافي السعودي؟
في عام 1974 بمؤتمر الأدباء السعوديين الأول، انبثقت فكرة الأندية الأدبية، وفي عام 1975، أي بعدها بعام، تأسست أول ستة أندية أدبية في المملكة هي: الرياض، مكة، جدة، المدينة، الطائف، وجازان، بمبادرات من أدباء كبار، وفي عام 2018 انطلقت وزارة الثقافة باستراتيجيات جديدة تناسب المرحلة، وتتكئ على رؤية ذات أفق أوسع، وطموح أكبر.
علينا لمواجهة هذه الحياة الاستهلاكية، أن نترك مساحة للروح عبر الفن والأدب والشعر
الأندية الأدبية أدت دورها في مرحلة ما. هذا التحول الذي طرأ عليها، لعله يواكب العقلية الجديدة التي تدار بها الثقافة في بلادنا، وهي قادرة بإذن الله على فعل ذلك.
تواجه مقرؤية الشعر اليوم في العالم العربي تحديات كبيرة، إلى ماذا تعزو ذلك؟
أقول في ديواني "لأنها الغابة كان ينتظر نهرا أو نيزكا": أن تقرأ شعرا شأن شخصي جدا.
لا يقرأ الشعر للمعلومات، أو حتى لمعرفة التاريخ، أو حتى للفهم ـ وهذا ربما منحى أكثر تطرفا. الشعر يحس، يلمس فينا ما لا ندركه. في منزلة بين الفهم وعدمه. هذا بالضبط هو المستوى الذي يرضى الشعر أن يضع نفسه فيه. ويقول بورخيس: "الشعر حدث سحري غامض، غير قابل للتفسير، على أنه ليس منغلقا على الفهم. إن لم يحس المرء عند القراءة بالحدث الشعري فإن الشاعر قد أخفق".
الشعر في نظري عمل تقوم به أقلية ليتفادى العالم الانهيار الكامل، والفن كله كذلك. نحن نحتمل هذه الحياة التي تركض بنا في كل اتجاه بلحظات ـ مجرد لحظات ـ نتزود فيها ما يشبه إنسانيتنا من الداخل، لحظات ترى الروح نفسها في المرآة، لتتأكد أن ثمة ما يستحق الحياة.
وبالرغم من كل ما يحدث في هذا العالم من فقدان للذاكرة، وعدم امتنان للوجود الإنساني ذاته، أرى أنه كلما بدأ الشك في معنى الشعر في ظل عالم سوريالي، أصبحنا أكثر حاجة اليه. علينا لمواجهة هذه الحياة الاستهلاكية، أن نترك مساحة للروح عبر الفن والأدب والشعر خاصة، أن نعيش حياة شعرية حسب تعبير إدغار موران، والشعر طريقة عيش لا مجرد قراءة أو كتابة.
أحب حديث الناقد ماثيو آرنولد في مديح الشعر، يقول: علينا أن نفهم الشعر بما يستحق، علينا أن نفهمه بوصفه قادرا على السمو الى أقدار أرفع، من تلك التي خصه بها الناس حتى الان، ستكتشف الإنسانية أكثر فأكثر أن علينا أن نعتمد على الشعر في تفسير الحياة لنا، في تعزيتنا، في تماسكنا. بدون الشعر سيبدو علمنا ناقصا، وعالمنا ناقصا أيضا.
كيف ترى القصيدة السعودية الحديثة، وهل استطاعت مبادرات وزارة الثقافة خلق حراك شعري ثري؟
لا يمكنني تحديد مفهوم القصيدة السعودية الحديثة هنا، محمد حسن عواد كان مندفعا ومنحازا للتجديد، وإن كان العواد نجح في التنظير أكثر من الشعر، لكنه رائد الشعرية الحديثة في المملكة العربية السعودية، في السبعينات كتب بعض الشعراء قصيدة التفعيلة، لكنها لم تبلغ ذروة نضجها إلا في الثمانينات مع عبد الله الصيخان ومحمد الثبيتي ومحمد جبر الحربي وعلي الدميني وآخرين، وقبلهم غازي القصيبي ومحمد العلي وسعد الحميدين وأحمد الصالح. الشعر الرمزي بدأ في السبعينات مع ناصر بوحيمد ومحمد العامر الرميح ومحمد الفهد العيسى. قصيدة النثر بدأت في الثمانينات مع فوزية أبو خالد ومحمد عبيد الحربي وآخرين. ثم بعدهم محمد الدميني وأحمد الملا وإبراهيم الحسين وأحمد كتوعة ومحمد الحرز وعبد الله السفر، وآخرين. القصيدة السعودية الحديثة شقت طريقا طويلا عبر أجيال، وعلينا أن نكمل الطريق الذي لا وصول فيه.
غلاف "ما لا ينسى ما لا يمر- جازان تتذكر"
أما عن مبادرات وزارة الثقافة فإنها قد أعادت تشكيل المشهد الأدبي وفق رؤية جديدة وعقلية جديدة ومعطيات جديدة. لقد شكلت مبادرات وزارة الثقافة منذ نشأتها عام 2018 دفعة هائلة في اتجاه جعل السعودية مركزا ثقافيا، وإبراز ما لدينا من هوية وثقافة وإبداع، وحاولت أن تقدم كل الدعم للمبدعين من خلال التمثيل والمشاركات، أو من خلال مبادرة ترجم، أو من خلال الورش التدريبية للمبدعين الشباب. أضف إلى ذلك الجوائز الثقافية الوطنية، ومبادرات أخرى يقع الشعر في القلب منها مثل: مبادرة الشريك الأدبي، ومبادرة معتزلات الكتابة وغيرها. ونحن في بداية الطريق، والطموح أكبر بكثير دائما.
من شاعر إلى محكم في واحدة من أبرز المسابقات الشعرية، "المعلقة". كيف تصف هذه التجربة؟
يقول الآمدي في "الموازنة بين أبي تمام والبحتري"، ورغم انحيازه الواضح الى البحتري، يقول عن أبي تمام: "كان أبو تمام شغوفا بالشعر"، أعتقد أنني إنسان شغوف بالشعر. أينما يذهب بي الشعر ذهبت دون تردد، وتأكد أنني سأكون شاعرا أينما ذهبت. برنامج "المعلقة" من أكثر البرامج الشعرية نجاحا، واستطاع من خلال موسمين أن يترك بصمة لا تمحى عند المتلقين وعند الشعراء أيضا.
وزارة الثقافة، ممثلة في هيئة الأدب والنشر والترجمة، وبجهود كبيرة من القائمين على القناة "الثقافية"ـ كانت تؤمن بالمشروع، والتجربة كانت ثرية بكل المقاييس، بالنسبة لي أنا، آخذ الشعر على محمل الجد، في القراءة والكتابة معا، فكيف بي وأنا أحكم شعرا، وضمن برنامج جماهيري كبير. الأمر كان تحديا في ظاهره، لكني تعاملت معه كرحلة تعلم جديدة، وأنا شاعر أحب أن أتعلم، وأحب أن أتغير. محمود درويش كان يقول: "أنا شاعر كبرت على التواضع، وعلى الغرور أيضا، أنا شاعر يتغير كل يوم".
"المعلقة" من أكثر البرامج الشعرية نجاحا، واستطاع من خلال موسمين أن يترك بصمة لا تمحى عند المتلقين وعند الشعراء
في الحقيقة أود أن أشكر وزارة الثقافة هنا على إيمانها وثقتها بأن للشعر مكانته في الوجدان العربي، ويحسب لرؤية وزارة الثقافة من خلال هذا البرنامج الكثير من المبادرات التي تدل على احترام حقيقي للشعر، من حيث عدم وجود تصويت، فالذي يفوز هو النص ولا شيء سواه، ومن حيث جمع الشعر الفصيح بالشعر الشعبي أو العامي فكلاهما وجدان واحد، ومن خلال فتح أفق إعلامي، وللمرة الأولى، لقصيدة النثر عبر برنامج جماهيري. ثم من خلال قناعة وزارة الثقافة أن محكمي برنامج "المعلقة" هم شعراء أولا وآخرا. لا شك أن الشعراء تلقفوا كل هذا المبادرات بغبطة غامرة في كل العالم العربي، وأعتقد أننا كنا نستطيع التأسيس عليه لسنوات قادمة، وما زلنا نتطلع لذلك مستقبلا بإذن الله.