حين تتجاوز لعبة كرة القدم ما نراه أمامنا على الشاشة أو حتى في الملعب، إلى ما تثيره في عشاقها من إيقاعات عاطفية متبدلة، ومن توازن خفي بين القلب والعقل، وبين التخيل ودقة التنفيذ، وصولا إلى قدرتها على إعادة تشكيل ما يحيط بها عبر دوراتها، فإنها تتجاوز كونها حدثا ترفيهيا أو لعبة جماهيرية، لتصبح فنا يعيد ابتكار العالم، ولو لفترة وجيزة قبل أن يعود إلى شكله الأول، بهمومه وصراعاته المستميتة.
هذا ما شهدناه، على سبيل المثل، في لبنان خلال سنوات الحرب الأهلية الطويلة. ففي أوقات كثيرة كان المقاتلون يلقون بنادقهم جانبا، ويجتمعون في الشوارع وعلى ما اصطلح على تسميته بـ"خطوط التماس" لمشاهدة المباريات. كانت الخصومات، ولو مؤقتا، تتراجع إلى الخلف، فيما تتقدم لعبة كرة القدم، لتخلق مساحة مشتركة يتقاسمها أناس فرقتهم السياسة والحرب.
مسرح الاضطراب والطمأنينة
وكما يحدث في الانغماس في الفن، سواء في صناعته أو في متعة تلقيه، تفتح كرة القدم بوابات خفية على حالة شبه حلمية، يتكثف فيها المعنى وتتسارع فيها وتيرة الحماسة، فتقصي، على نحو يكاد يبدو عجائبيا، ما يقع خارج ذلك الفلك المعلق من قسوة واضطراب. وعلى خلاف كثير من جوانب الحياة الواقعية، تمنح كرة القدم بنية واضحة: بداية وذروة ونهاية، تتوج غالبا بفائز حاسم. وهذا الوضوح يوفر قدرا من الطمأنينة النفسية في عالم يتسم، في معظم الأحيان، بالغموض والالتباس.
من هذه الزاوية، يبدو الانغماس في الفن ومتابعة كرة القدم، ولا سيما على المسارح العالمية الكبرى ككأس العالم، كأنهما يخضعان لقوانين متوازية على نحو لافت. ففي فعل الإبداع يمنح الفنان رحمة المحاولة الثانية، حرية المحو وإعادة التشكيل والعودة إلى ما بدا خطأ في لحظة سابقة. هناك يبدو الزمن أكثر سخاء، يتمدد بما يكفي ليمنح ما هو غير مكتمل فرصة لاكتساب شكله النهائي. وهكذا يغدو الإبداع نوعا من التفاوض مع الزمن، سعيا بطيئا نحو الاكتمال، حيث لا يصبح شيء نهائيا تماما إلا حين يحسم أمره.



