منذ إطلاق الحكم صافرة البداية لأول مباراة في كأس العالم 2026، لم يعد اللاعبون وحدهم الأطراف التي دخلت المنافسة. ففي اللحظة نفسها، بدأت مليارات الدولارات رحلتها عبر تطبيقات الهواتف الذكية ومنصات المراهنات ومراكز البيانات المنتشرة في أنحاء العالم. في لندن مثلا، يراهن مشجع على فوز إنكلترا. وفي نيويورك، يختار آخر عدد الأهداف التي ستشهدها المباراة. وفي سنغافورة، يضع شخص ثالث رهانه على هوية أول لاعب يحصل على بطاقة صفراء.
وبينما تتابع الجماهير الكرة وهي تنتقل بين أقدام اللاعبين، تتابع الخوارزميات شيئاً آخر، وهي احتمالات الربح والخسارة التي تتغير مع كل تمريرة وتسديدة وقرار تحكيمي. هكذا أصبحت كأس العالم في القرن الحادي والعشرين. فهي تتخطى حدود المستطيل الأخضر ولم تعد أكبر حدث كروي على الكوكب، لتصبح أيضا أحد أكبر المسارح العالمية لصناعة المراهنات الرياضية، واقتصاد موازٍ يتحرك على إيقاع المباريات نفسها.
وتتوقع بنوك استثمار وشركات أبحاث متخصصة أن تتجاوز قيمة الرهانات العالمية على كأس العالم 2026 حاجز 50 مليار دولار، مقارنة بنحو 35 مليار دولار خلال مونديال 2022، وهو ما قد يجعل البطولة أكبر حدث مراهنات رياضية منفرد على الإطلاق من حيث حجم الأموال المتداولة. ولإدراك ضخامة هذا الرقم، يكفي القول إنه يقترب من الناتج المحلي الإجمالي السنوي الخاص ببلد بحجم المملكة الأردنية الهاشمية، الذي يدور حول 53-62 مليار دولار وفقا لآخر التقديرات الدولية، ويتجاوز القيمة السوقية لعدد كبير من الشركات العالمية المعروفة. لكن قصة هذه المليارات لا تتعلق بالرياضة وحدها. إنها قصة التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي والتشريعات والاقتصاد الرقمي، وقصة العلاقة المتشابكة بين لعبة شعبية يتابعها مليارات البشر وصناعة عالمية تلهث وراء كل فرصة لتحقيق الربح.
خمسون مليار دولار... لكن من يربحها؟
عندما نقرأ أن الرهانات على كأس العالم من المتوقع أن تتجاوز 50 مليار دولار، قد يتبادر إلى أذهاننا أن شركات الرهانات ستحقق أرباحا بالقيمة نفسها. غير أن الواقع مختلف تماما. لا يمثل الرقم أرباح الشركات، بل إجمالي الأموال التي يضعها المراهنون على مختلف المباريات والأحداث المرتبطة بالبطولة. وفي لغة القطاع يُعرَف هذا الرقم باسم "حجم الرهانات" أو "حجم التداول".


