قبل عشر سنوات، صوّتت المملكة المتحدة بأغلبية ضئيلة لمغادرة الاتحاد الأوروبي في استفتاء وطني شديد الاستقطاب، تجلت أهميته في العدد الهائل من البريطانيين الذين اقترعوا، والذي فاق أي رقم سُجل في البلاد قبل ذلك أو بعده.
وشكّلت النتيجة كارثة سياسية شخصية لرئيس الوزراء البريطاني آنذاك، ديفيد كاميرون، الذي اتخذ القرار المصيري بالدعوة إلى استفتاء على استمرار عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، فلم تترك له خيارا يذكر سوى الاستقالة.
ولا تزال الاضطرابات السياسية التي أعقبت ذلك تتردد أصداؤها، بعدما بلغت ذروتها في هزيمة المحافظين عام 2024، عقب سلسلة من رئاسات الوزراء المضطربة التي تعاقب عليها: تيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تراس، وريشي سوناك. ويطرح ذلك سؤالا بديهيا: ما الذي أقنع كاميرون بالدعوة إلى الاستفتاء أصلا؟
لا توجد إجابات سهلة في قضية بهذا التعقيد. غير أن قرار كاميرون إجراءَ استفتاء على المسألة الشائكة المتعلقة بعضوية الاتحاد الأوروبي كان مدفوعا برغبته في إبقاء حزب المحافظين في السلطة، بقدر ما كان محاولة لمعالجة علاقة بريطانيا المضطربة بجيرانها الأوروبيين.
واعترف كاميرون، في مذكراته المعنونة "For the Record"، بأن إجراء الاستفتاء على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أو خروجها منه لم يكن مسألة حتمية تاريخية. ومع ذلك، ولأسباب سياسية داخلية، تعهّد كاميرون بإجراء استفتاء عام 2016، شرط أن يفوز المحافظون بأغلبية تمكنهم من الحكم في الانتخابات العامة لعام 2015. وكان يظن أن ذلك يوفر أفضل فرصة لإنهاء الانقسامات المزمنة داخل حزب المحافظين بشأن أوروبا. أو كما قال كاميرون نفسه في عبارة لا تُنسى، أراد من حزبه أن "يكف عن الانشغال الدائم بأوروبا".
كان كاميرون يدرك تماما أنه يقدم على مخاطرة، خصوصا أن وزير الخزانة جورج أوزبورن، أقرب أصدقائه وحلفائه السياسيين، حذّره مرارا من مخاطرها. لكنه ظل واثقا من قدرته على كسب التصويت عبر التفاوض على اتفاق أفضل للمملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في ملف الهجرة الشائك. كما اعتقد أنه قادر على استمالة حلفاء بارزين داخل حزب المحافظين، في مقدمهم بوريس جونسون ومايكل غوف، إلى صف حملة البقاء.
ولكن كاميرون أخفق في الأمرين معا، وكان لهذا الإخفاق أثر ثقيل في النتيجة النهائية للاستفتاء، إذ صوّتت غالبية البريطانيين لمغادرة الاتحاد الأوروبي. وأنهى ذلك القرار مسيرة كاميرون السياسية، وعمّق الانقسامات داخل المجتمع البريطاني حول الموقف من أوروبا، وهي انقسامات لا تزال قائمة حتى اليوم.
ولم يكن مستغربا أن يترك تصويت بريكست هذا الأثر العميق في نظرة المملكة المتحدة إلى العالم، فالعلاقة بين لندن وأوروبا لم تكن يوما بسيطة أو مستقرة.

