توم باراك وأسئلة العراق الحرجة بين واشنطن وطهران

استراتيجية أميركية جديدة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا، توم باراك، أثناء زيارته لبغداد في 15 يونيو 2026

توم باراك وأسئلة العراق الحرجة بين واشنطن وطهران

اختلفت زيارة توم باراك، مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق وسوريا، إلى بغداد قبل أيام عن زياراته السابقة. إذ دخل قصر الحكومة، ومن يجلس على كرسي رئاسة الوزراء هو علي الزيدي الذي يتمتع بصلاحيات حكومية كاملة، وليس حكومة تصريف أعمال، كما كان مستوى لقاءات باراك مع الحكومة السابقة، بعد انتهاء مهامها الدستورية. لذلك أعلن باراك، في حسابه على منصة "إكس"، أن الهدف من زيارته "نقل دعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحكومة العراقية". ومناقشة "الشراكة الاستراتيجية بين العراق وأميركا بهدف رسم مسار جديد لعلاقة ومستدامة بين الجانبين".

وبعيداً عن التكهنات والتسريبات التي تناولت تفاصيل لقاءات مبعوث الرئيس الأميركي في بغداد وأربيل، فإن توم باراك يحمل في حقيبته مجموعة من الملفات هدفها الرئيس إعادة هندسة الحضور الأميركي في العراق. إذ بدأت تتضح ملامح استراتيجية جديدة تتبع الولايات المتحدة في العراق، تعيد الاعتبار إلى الحضور السياسي في مقابل عدم التركيز على الوجود العسكري. وهذا التحول يأتي كمواجهة للنفوذ الإيراني في العراق، الذي تمكن بسبب قوة حضوره السياسي على رسم الكثير من تفاصيل السياسة والأمن والاقتصاد في العراق بعد 2003.

صحيح أن توم باراك أتى إلى الدبلوماسية بعد فوز ترمب بالولاية الثانية عام 2024. لكن الرجل القادم من العمل في المحاماة والاستثمارات في مجال العقارات وجمع التبرعات لحملة الرئيس ترمب الانتخابية في 2016. يتمتع بعلاقات ممتازة مع الدول الفاعلة في المنطقة مثل دول الخليج العربي وتركيا، وهو يعتقد أن الحل الأفضل لتناحرات الشرق الأوسط هو إطفاؤها بفرص اقتصادية تغني شعوب المنطقة وتلهيهم عن الاستمرار في الصراعات. ولا يمكن إنكار دوره في ترتيب العلاقة بين دمشق والبيت الأبيض بعد وصول أحمد الشرع إلى سدة الحكم في سوريا.

لكن، رغم ذلك قد تكون مهمة باراك الأصعب، هي العراق. لأن مخالب النفوذ الإيراني في العراق، لا تزال مزروعة بقوة في تفاصيل المشهد الأمني. إذ حتى لو انحنى الإيرانيون لعاصفة الاشتراطات الأميركية في تشكيل الحكومة الجديدة بعد انتخابات 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ولكن قوة حضورها من خلال عناوين فصائل "محور المقاومة"، لا تزال الورقة الأكثر أهمية لدى الإيرانيين، والأكثر خطورة في إدراك الأميركان.

المعلن من زيارة باراك، ولقائه برئيس الوزراء علي الزيدي، وحسب بيان السفارة الأميركية في بغداد. هو تطلع الرئيس ترمب إلى استقبال الزيدي في البيت الأبيض في منتصف يوليو/تموز القادم، لمناقشة مستقبل الشراكة بين بغداد وواشنطن. وركز اللقاء على ملف حصر السلاح بيد الدولة، وتنفيذ الخطط العراقية الرامية إلى النزع الكامل للسلاح وحل جميع الجماعات والتشكيلات المسلحة العاملة خارج سلطة الدولة. وأيضاً، تم التأكيد على ضرورة استكمال إجراءات استثمار الشركات الأميركية في العراق بمجالي النفط والكهرباء.

توم باراك القادم من العمل في المحاماة والاستثمارات في مجال العقارات وجمع التبرعات لحملة ترمب الانتخابية في 2016 يتمتع بعلاقات ممتازة مع دول الخليج العربي وتركيا، ويعتقد أن الحل الأفضل لتناحرات الشرق الأوسط هو إطفاؤها بفرص اقتصادية

زيارة واشنطن

 ما تريده أميركا من العراق واضح جداً، ولم يعد ملفاً خاضعاً للتكهنات ولا تسريبات يتم تداولها عن الاجتماعات المغلقة. وهو حصر السلاح بيد الدولة أولاً وثانياً وثالثاً. لكن حكومة الزيدي لم تعلن إلى الآن عن استراتيجيتها لتنفيذ هذا المطلب الأميركي. ورغم أن بعض أطراف السلاح داخل الإطار التنسيقي أعلنت عن مبادرتها لفك الارتباط بين سلاحها وعملها السياسي. فإن تفاصيل تفكيك سلاحها وكيفية تسليمه إلى الدولة لا تزال غير واضحة المعالم. ولا تزال أيضاً، أطراف الفصائل المسلحة الرافضة لنزع سلاحها على موقفها نفسه. ولا يبدو أن هناك تحركا باتجاه الدخول في نقاشات جديدة بشأن سلاحها.

ورغم مضي أكثر من شهر على منح الثقة لحكومة الزيدي بـ14 وزيراً، فإن الوزارات التسع المتبقية لا تزال شاغرة. ولا يتم الحديث عن استكمالها في هذه الأيام. المفارقة أن أهم وزارتين لإدارة الملف الأمني وحصر السلاح بيد الدولة، وهما الدفاع والداخلية، لم يتم حسم وزيريهما حتى الآن!

على مستوى التعقيد في العلاقة بين البيئة السياسية الداخلية وانعكاساتها على سياسة العراق الخارجية، تكمن مشكلة الحكومات المتعاقبة في بغداد في اعتقادها بأن شرعيتها في الحكم لا تكتمل إلا في استحصال الاعتراف الدولي والإقليمي، لذلك تعد الزيارات الخارجية واللقاءات الثنائية مع رؤساء دول الجوار الإقليمي اعتراف بها وبحكمها، وليس باعتبارها سياقا سياسيا يرتبط بتحقيق المصالح العليا للدولة. لذلك ليس مهماً مدى انعكاس تلك اللقاءات على مشاريع التنمية أو تحقيق التقادم في استعادة الدولة من قوى السلاح الموازي، وإنما يتم النظر إليها باعتبارها مكسبا سياسيا لطبقة حاكمة تعاني من تصدع في شرعيتها المجتمعية والسياسية.

رويترز
لقاء بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والمبعوث الرئاسي الأميركي الخاص توم باراك في بغداد، العراق، في 16 يونيو 2026

وقد تكون زيارة حكومة الزيدي إلى واشنطن ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خطوة مهمة في توقيت حرج تمر به المنطقة بعد الانتقال من الحرب السائلة بين أميركا وإسرائيل وإيران، إلى توقيع اتفاق سلام مبدئي لإنهاء الحرب. إلا أن تلك الزيارة لن تتجاوز نتائج أكثر من إعادة تكرار لتصريحات الإدارة الأميركية بدعم الحكومة والتأكيد على الشراكة الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن، وحصر السلاح بيد الدولة!

والمفارقة أن الملفات المعقدة في تفعيل الشراكة الاستراتيجية وإعادة رسم خطوطها التفصيلية، غير مطروحة على طاولة نقاش الفاعلين السياسيين. إذ إن حكومة الزيدي، لا تزال في بداياتها. والأطراف السياسية المؤثرة في قراراها لا تزال مواقفها ضبابية بشأن العلاقة مع أميركا. فهل تريد الانفتاح الكامل بالشراكة على المستويين الاقتصادي والأمني، أم لا تزال مترددة بين شعار "أميركا الشيطان الأكبر" وبين مصلحة القبول باشتراطاتها للحفاظ على المكاسب السياسية؟

واشنطن قبل طهران

إذا لم تؤجل زيارة الزيدي إلى البيت الأبيض ولقائه الرئيس ترمب، فإن واشنطن ستكون أولى محطات الزيارات الخارجية لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي. ويكون أول رئيس وزراء يكسر نمطية بدء الجولات الخارجية لرؤساء الوزراء السابقين، الذين تولوا المنصب بعد إبراهيم الجعفري، وتكون محطتهم الأولى هي إيران وليس أميركا.

يدرك الزيدي أن إدارة النفوذ بين وأميركا وإيران في العراق، لا يتعلق بقرارات حكومته فحسب. وإنما هو ملف معقد يتداخل فيه النفوذ الإيراني على فاعلين سياسيين وجماعات السلاح. ولكن مساحة النفوذ الأميركي هي الضغط على حكومة بغداد والتأثير على قراراتها وخياراتها.

والتوجه الأميركي في العراق قائم على أساس الضغط المباشر بخصوص الملفات التي تعتبرها إدارة ترمب أولوية لفك ارتباط مناطق نفوذها عن نفوذ طهران. لكن لا يمكن، فهذا الموضوع ليس مرسوما جمهوريا أو قرارا تنفيذيا توقعه الحكومة ويدخل حيز التنفيذ، وإنما شبكة معقدة من الملفات تتجاوز التعامل بمنطق العلاقات الثنائية بين بلدين من خلال الأطر الرسمية والدبلوماسية. وأذرع النفوذ الإيراني قد تكون واضحة على مستوى السلاح والسياسة في العراق. ولكن القنوات الخلفية التي تعمل على شكل مافيات اقتصادية ترتبط بتهريب الدولار والنفط، تحتاج إلى مواجهة حقيقية وخطوات فعلية لإنهاء وجودها، حتى يعاد رسم العلاقة بين البلدين.

المفارقة أن الملفات المعقدة في تفعيل الشراكة الاستراتيجية وإعادة رسم خطوطها التفصيلية، غير مطروحة على طاولة نقاش الفاعلين السياسيين

الزيدي يجب أن يستثمر جيداً حيادَ الإيرانيين تجاه اختياره في المنصب وتشكيل حكومته. إذ يبدو أن إيران تتعامل مع المتغيرات في العراق، وفق سياسة التراجع خطوة نحو الوراء، والتي قد تكون في مرحلة إعادة تقييم لسياستها الخارجية في إدارة الملف العراقي. وقد يكون توجه إيران تجاه العراق بعد حرب الأربعين يوماً باتجاه تغليب المنظور السياسي على المنظور العسكري. ومن ثم ستقبل إيران الشراكة في تقاسم النفوذ بالعراق مع الولايات المتحدة، وستغادر منطق اللعبة الصفرية، باعتبار ما يربحه طرفٌ يعد خسارةً للطرف الآخر. وربما تعتقد أن هذه الفترة تحتاج إلى تجاوز مبدأ تغليب الولاء على الحنكة والتدبير السياسي في حلفائهم العراقيين.

مختصر الحكاية أن إيران بعد الاتفاق مع أميركا على التهدئة ستكون أمام مرحلة جديدة لرسم علاقتها مع محيطها الإقليمي. ولكن مع العراق لا يمكنها أن تقبل بفك ارتباط نهائي بين العراق ومنظورها للأمن القومي الإيراني، فلا التاريخ ولا الجغرافيا تسمحان بذلك، لكنها قد تقبل بتقليل النفوذ العسكري، ونوعاً ما السياسي، مقابل الإبقاء على الارتباط الاقتصادي، فهو المنقذ الوحيد من الانهيار. في المقابل تعتقد أميركا أن تقليص النفوذ العسكري الإيراني في العراق بداية لا بأس بها، والباقي يأتي تباعاً.

لا أحد يعرف حتى الآن ما هي رؤية الحكومة الجديدة في العراق لإدارة ملف العلاقات الخارجية وتحديد التعامل مع طهران وواشنطن، بعد أن اتفقتا على خيار التهدئة بدلاً من الحرب، ورؤيتها لإدارة منظومة أمنية هجينة تتجاذبها الخلافات الداخلية، وتعدّ بوابةً للتدخلات الخارجية. فحكومة الزيدي أمام تحدي إقناع الأميركان والإيرانيين بأنَّ العراق يجب أن يكون نقطة لقاء وليس تقاطع، وهذا يحتاج ترتيب البيت السياسي العراقي من الداخل أولاً، وفيما بعد تفعيل الاقتصاد ليكون محوراً يقوم على الشراكة وليس على الهيمنة بين الأطراف المتنافسة. ولكن كيف يكون ذلك، ونحن نعيش في بلد فيه أكثر من جهة وحزب وزعيم يصادر قرار الدولة الخارجي؟!

font change

مقالات ذات صلة