المشهد من إسرائيل... لماذا قد تنقلب مناورة ترمب السورية - اللبنانية عليه؟

لا توجد سابقة تاريخية أكثر قابلية للاشتعال في العالم العربي الحديث من علاقة سوريا بلبنان

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة، في 10 نوفمبر 2025

المشهد من إسرائيل... لماذا قد تنقلب مناورة ترمب السورية - اللبنانية عليه؟

قال دونالد ترمب الآن جهرا ما كان يبدو سابقا محاولة لجس النبض، فهو يعتقد أن على سوريا مواجهة "حزب الله" في لبنان. وفي حديث له في يونيو/حزيران، قال ترمب إنه إذا لم تستطع إسرائيل هزيمة "حزب الله"، "من دون قتل كل الآخرين"، فإن الرئيس السوري أحمد الشرع يمكن أن يفعل ذلك بدلا منها، لأن "سوريا ستتولى المهمة".

ينطلق هذا المقترح من إحباط حقيقي. فقد كانت حملة إسرائيل في لبنان مكلفة، ومضرة دوليا، وغير حاسمة سياسيا، فيما لا يزال "حزب الله" متجذرا بما يكفي لئلا يختفي من تلقاء نفسه، وقويا بما يكفي لئلا ينزع سلاحه بالخطاب وحده. لذلك لجأ ترمب إلى نوع مألوف من الحلول المختصرة: العثور على طرف محلي يكره العدو نفسه، وإسناد المشكلة إليه، ثم تسمية ذلك واقعية.

تخلط واشنطن أحيانا بين الأعداء المشتركين والمصالح المشتركة. وهذا هو المنطق الكامن وراء اقتراح ترمب أن يواجه حكام سوريا الجدد "حزب الله" داخل لبنان. لكن في الشرق الأوسط، كما في أماكن أخرى، قلما يكون إدخال دولة محطمة في دولة أخرى استراتيجية جيدة.

يمكن فهم سبب جاذبية الفكرة في نظر الرئيس ترمب. فقد تحول الصراع بين إسرائيل و"حزب الله" إلى عقبة كبرى وسط الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب مع إيران. وتوغلت إسرائيل أكثر في جنوب لبنان وترفض المغادرة، زاعمة أنها الطرف الوحيد القادر على تفكيك بنية "حزب الله" التحتية. ومن دون انسحاب، من غير المرجح أن يلتزم "حزب الله" بأي وقف لإطلاق النار. وقد تبدو سوريا الحل المثالي لفك هذه العقدة المستعصية. فالشرع ليس حليفا لـ"حزب الله"، إذ أدت الجماعة دورا محوريا في دعم نظام الأسد الذي قاتل الشرع لإسقاطه، وتولت دورا قياديا في هجمات رئيسة قرب لبنان، وكذلك في حلب ومحافظة إدلب. ولدى القيادة الجديدة في دمشق كل الأسباب التي تدفعها إلى الرغبة في تقليص النفوذ الإيراني على جناحها الغربي. وثانيا، ليس تعاطف الرئيس الأميركي مع الشرع سرا. فرغم الضغوط الإسرائيلية، تحرك الرئيس ترمب بسرعة لرفع جزء من نظام العقوبات الذي سبق فرضه على سوريا، والتقى أحمد الشرع، موضحا أنه يقدره كثيرا. ومن واشنطن، قد يبدو التحرك السوري أيضا طريقة لتجنب انخراط أميركي أعمق، مع تجنيب إسرائيل بعض الأكلاف العسكرية والدبلوماسية للقيام بالمهمة بنفسها.

مشهد الجنود السوريين وهم يدخلون لبنان سيعيد تنشيط عقود من المرارة المتراكمة تجاه جار نهب سيادتهم، وسلب اقتصادهم، وقتل سياسييهم


عمليا، ستكون هذه الخطوة من بين أكثر الخطوات زعزعة للاستقرار التي يمكن أن تقدم عليها الولايات المتحدة في المشرق. فمن شأن تدخل سوري في لبنان أن يعيد فتح أعمق جرح تاريخي في السياسة اللبنانية الحديثة، وأن يؤجج التوترات بين السوريين واللبنانيين في لحظة ضيق اجتماعي شديد، وأن يهدد بتحويل حملة ضد "حزب الله" إلى حرب طائفية، وأن يمنح "حزب الله" الشيء الوحيد الذي يحتاج إليه بشدة: ادعاء جديد بالشرعية بوصفه المدافع عن لبنان في وجه الهيمنة الأجنبية. لن تحل سوريا مشكلة "حزب الله" في لبنان. وعلى الأرجح، ستجعلها أسوأ.

شبح التدخلات الماضية

لا توجد سابقة تاريخية أكثر قابلية للاشتعال في العالم العربي الحديث من علاقة سوريا بلبنان. دخلت القوات السورية لبنان أول مرة عام 1976، اسميا للتوسط في الحرب الأهلية. ولم تغادره بالكامل لما يقرب من ثلاثة عقود. وما بدأ كقوة الردع العربية تحول تدريجيا إلى جيش احتلال يهيمن على السياسة اللبنانية، ويعين الرؤساء، ويغتال المعارضين، ويتعامل مع البلاد كأنها محافظة استراتيجية تدار من دمشق. ووصف صحافي لبناني من تلك الحقبة الجنرال غازي كنعان، الحاكم السوري الفعلي في بيروت، بأنه "المفوض السامي"، مستحضرا عهد الانتداب الفرنسي، عندما كانت قوة أجنبية تدير لبنان بالوكالة.

أ.ب.
مقاتل فلسطيني من حركة فتح يطلق النارعلى قوات سورية في تاريخ غير معروف ، خلال معارك الحرب الأهلية بالقرب من بحمدون في جبل لبنان

انسحبت القوات السورية أخيرا عام 2005، بعدما أجبرتها انتفاضة شعبية واسعة أعقبت اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وهي جريمة نسبت على نطاق واسع إلى دمشق و"حزب الله". كانت "ثورة الأرز"، في جوهرها، ثورة على الهيمنة السورية. وقد رسخت تلك الثورة ذكرى الاحتلال في الذاكرة الوطنية اللبنانية بحدة خاصة. فالمشاعر المناهضة لسوريا في لبنان اليوم ليست مجرد موقف سياسي، بل جرح مفتوح.

بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، ستستحضر فكرة عودة الجنود السوريين إلى الأرض اللبنانية تلك الذاكرة تحديدا. ولن يكون مهماً أن الحكومة السورية تغيرت. ولن يكون مهماً أن الشرع ليس الأسد. فمشهد الجنود السوريين وهم يدخلون لبنان سيعيد تنشيط عقود من المرارة المتراكمة تجاه جار نهب سيادتهم، وسلب اقتصادهم، وقتل سياسييهم. ولن تحتاج دعاية "حزب الله" إلى بذل جهد كبير لتصوير ذلك بوصفه احتلالا جديدا.

بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، ستستحضر فكرة عودة الجنود السوريين إلى الأرض اللبنانية تلك الذاكرة تحديدا. ولن يكون مهماً أن الحكومة السورية تغيرت. ولن يكون مهماً أن الشرع ليس الأسد

وراء الذاكرة التاريخية، توجد قنبلة اجتماعية موقوتة في الحاضر سيشعلها أي تدخل عسكري سوري. فقد قاتل الجيش اللبناني، إلى جانب "حزب الله"، جماعات إسلامية ضمت عناصر من "تنظيم الدولة الإسلامية" و"جبهة النصرة". ومن المرجح أن يعيد التدخل السوري تنشيط تلك الذكريات، وأن يتيح لـ"حزب الله" تقديم نفسه على أنه منقذ الدولة.

ويستضيف لبنان أيضا نحو 1.5 مليون لاجئ سوري، أي ما يقارب ربع سكان البلاد، وقد بلغت التوترات الاجتماعية المحيطة بوجودهم مستويات خطيرة. ففي عام 2024، وبعد مقتل مسؤول كبير في القوات اللبنانية عثر على جثته قرب تجمع للاجئين السوريين، اجتاحت أعمال عنف غوغائية أحياء مسيحية. وهاجمت مجموعات أهلية نصبت نفسها حارسة السوريين في الشوارع، وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة للضرب ودعوات إلى الطرد.

والآن، تخيلوا جنودا سوريين يسيرون إلى قلب المناطق الشيعية في لبنان، في البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. ستوصَف المهمة بأنها "نزع سلاح حزب الله". لكنها ستعاش بوصفها غزوا طائفيا. لا يحتاج "حزب الله" إلى براعة عسكرية لاستغلال ذلك. سيتصاعد التجنيد بين اللبنانيين الشيعة، وسيتصاعد التطرف بين السوريين الشيعة الذين فروا إلى لبنان. وقد يتحول التدخل المصمم لتدمير "حزب الله" إلى أفضل أداة دعائية امتلكها "الحزب" منذ جيل.

لماذا لا يصفق نتنياهو

قدم ترمب مقترحه بوصفه نصيحة لإسرائيل، وكان في كلامه إيحاء بأن إسرائيل ينبغي أن ترحب به. ومن شبه المؤكد أنها لا ترحب. لم يخف بنيامين نتنياهو قط شكوكه تجاه الشرع. فعندما عاد الرئيس السوري من زيارته إلى البيت الأبيض في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أفادت تقارير بأن نتنياهو شن هجوما حادا عليه في اجتماع للمجلس الوزاري الأمني، قائلا إن الشرع عاد منتشيا بنفسه و"بدأ يفعل كل الأشياء التي لن تقبلها إسرائيل". وبعد وقت قصير من سقوط نظام الأسد، شنت إسرائيل أيضا حملة واسعة من الضربات الجوية الهادفة إلى تدمير عتاد الجيش العربي السوري المهزوم، في محاولة لإضعاف الحكومة الناشئة في دمشق. ومع أخذ ذلك في الاعتبار، تبدو فكرة ترحيب إسرائيل بتعزيز الحكومة السورية الجديدة غير واقعية.

أ.ف.ب
الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في قصر الشعب بدمشق في 9 مايو 2026

لا تتعلق حسابات نتنياهو بـ"حزب الله" وحده، بل بالعمق الاستراتيجي وميزان القوى الطويل الأمد في المشرق. ولا تزال سوريا في عهد الشرع مجهولا استراتيجيا. وآخر ما تريده إسرائيل هو أن تكسب القوات العسكرية السورية موطئ قدم في لبنان، وأن تكتسب خبرة عملياتية في القتال في تلك البيئة، وأن تبقى هناك ربما. ولن تغيب عن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية السابقة التاريخية نفسها المذكورة أعلاه: دخول سوريا إلى لبنان من أجل "تحقيق الاستقرار" فيه، ثم بقاؤها 29 عاما.

حل ترمبي بامتياز

لا يعني أي من ذلك أن غريزة ترمب تخلو تماما من المنطق. فهو يواجه مشكلة حقيقية: عملية نزع السلاح الرسمية التي تصورها مبعوث ترمب نفسه، توم باراك، بما تتضمنه من انتشار مرحلي للجيش اللبناني، وانسحابات إسرائيلية، ومؤتمر اقتصادي متعدد الأطراف، تحركت ببطء، ومن المرجح أن تفشل ما دام الجيش اللبناني غير قادر أو غير راغب في مواجهة "حزب الله" مباشرة. لقد تحركت الدولة اللبنانية بطريقة غير مسبوقة ضد الجماعة، لكن "حزب الله" لا يزال القوة الأفضل تسليحا في لبنان. وربما الأهم أن الدولة اللبنانية ليست واثقة من أن الجيش سيتصرف تبعا لأوامرها إذا أمرت بإجراءات أوسع نطاقا ضد "حزب الله". فالديناميات الطائفية تعني أن أمرا كهذا قد يجري تجاهله، أو أسوأ من ذلك، قد يؤدي إلى عودة ديناميات الحرب الأهلية التي ابتلي بها البلد. ويدرك "حزب الله" ذلك جيدا، وقد لوح أحيانا بشبح الحرب الأهلية وسيلة لردع الحكومة اللبنانية عن اتخاذ إجراءات تقوض قوته بصورة أكثر مباشرة.

لا يوجد حل سريع لمشكلة "حزب الله"، لأنها في جوهرها مشكلة تتصل بقدرة لبنان نفسه على أن يصبح دولة ذات سيادة


يعني كل ذلك ببساطة أنه لا يوجد حل سريع لمشكلة "حزب الله"، لأنها في جوهرها مشكلة تتصل بقدرة لبنان نفسه على أن يصبح دولة ذات سيادة. وسيتعين على الدولة اللبنانية أن تبني الأدوات والشرعية اللازمتين لملاحقة الجماعة، في الوقت نفسه الذي يعمل فيه طرف قادر على التأثير في الدولة من الخارج ومن الداخل على تقويضها. وإذ رأى الرئيس ترمب أن حملة إسرائيل ضد "حزب الله" تطول، وأن الصراع يعرض للخطر الجهد الأوسع لإنهاء الحرب مع إيران، فقد ظهر له طريق مختصر: إحلال سوريا محل إسرائيل. لكنه، بفعل ذلك، يقدم إجابة خاطئة، وإن بدت مباشرة، عن مشكلة معقدة.

أ.ف.ب
جنود الجيش السوري يقومون بدوريات على طول الحدود السورية اللبنانية في منطقة القصير الريفية في 1 أبريل 2026

تجنب الرئيس الشرع، حتى الآن، الوقوع في فخ مجاراة أوهام ترمب في هذا الموضوع. فقد قال الرئيس السوري بوضوح شديد إنه لا يسعى إلى التدخل في لبنان، وإنه يهدف إلى تعزيز الاستقرار فيه. أما الدور الأذكى لسوريا، فهو الدور الذي اقترحه فعلا: تأمين جانبها من الحدود، واعتراض تهريب الأسلحة من سوريا إلى لبنان، وبناء علاقة دولة بدولة مع بيروت، وهي العلاقة التي أيدها علنا.

وقد أتاحت علاقة الشرع الشخصية بترمب لدمشق فعليا أن تقول لا لترمب من دون كلفة كبيرة. ويرجع ذلك جزئيا إلى أن فكرة التدخل السوري تبدو وكأنها أضيفت كفكرة ترمبية "خارج الصندوق"، لا كجزء من استراتيجية أكثر تماسكا. أما إذا نظر ترمب إلى سوريا باعتبارها الجواب الوحيد عن مشكلاته اللبنانية، فقد يصبح أكثر ضغطا، ما سيخلق مشكلات أكبر للحكومة السورية الجديدة.

وبذلك، سيضر الرئيس ترمب بمصلحته، إذ يضغط على بلد بدأ يعيد بناء نفسه، من دون أن يقدم أي حل حقيقي لمتاعبه اللبنانية.

بعض المشكلات لا تستجيب للطرق المختصرة. ولبنان واحد منها.

font change