كيف تنظر تركيا لمقترح ترمب بشأن سوريا ولبنان؟

الصمت لا ينبغي أن يُقرأ كقبول

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس السوري أحمد الشرع في حفل افتتاح الدورة الخامسة لمنتدى أنطاليا للدبلوماسية (ADF2026)، في 17 أبريل 2026

كيف تنظر تركيا لمقترح ترمب بشأن سوريا ولبنان؟

أثار اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن تتولى سوريا مهمة القضاء على "حزب الله" في لبنان نقاشا جديدا في المنطقة، بعدما طرحه أول مرة في تصريحات أدلى بها على هامش قمة "مجموعة السبع"، ثم عاد وكرره في مناسبات لاحقة.

وقال ترمب إن العمليات الإسرائيلية ضد "حزب الله" أوقعت خسائر بشرية كبيرة، ورأى أن سوريا قادرة على إنجاز هذه المهمة بفاعلية أكبر.

ويبدو الاقتراح أقرب إلى فكرة طُرحت في المجال العام من دون تقدير كاف لتداعياتها وعبئها التاريخي وسياقها الإقليمي الأوسع، لا إلى تصور نضج داخل المؤسسات الحكومية عبر مداولات ومشاورات مدروسة.

وجاءت ردود الفعل على اقتراح الرئيس الأميركي سلبية إلى حد كبير. فقد أبدت الأطراف المعنية مباشرة، أي سوريا وإسرائيل ولبنان، تحفظها أو معارضتها.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع واضحا، في حدود ما تسمح به الدبلوماسية والظروف السياسية، في مقابلة خاصة مع قناة "المشهد" في 21 يونيو/حزيران. إذ قال إن سوريا ستدعم الدولة اللبنانية، وتقوي مؤسساتها الرسمية، وتساعد في بناء قنوات تواصل بين القوى اللبنانية، بما فيها "حزب الله". لكنه رفض، في الوقت نفسه، فكرة دخول الجيش السوري إلى لبنان لتحقيق هذا الغرض.

من اللافت أن إسرائيل وتركيا، رغم أن كل واحدة منهما تنظر إلى الأخرى كقوة مزعزعة في المنطقة، ربما وجدتا أرضية مشتركة في معارضة اقتراح ترمب، وإن لأسباب مختلفة

وقال الشرع إن لبنان يحتاج إلى حلول "خلاقة" لا إلى حلول تقليدية. ولعله كان يشير بالحلول التقليدية إلى الوجود العسكري السوري في لبنان في عهد حافظ الأسد بين عامي 1976 و2005، وهي تجربة لا تزال تلقي بثقلها على ذاكرة كثير من اللبنانيين.

وقالت وزارة الداخلية السورية: "لبنان دولة ذات سيادة وليس حديقة خلفية، كما كان النظام السابق ينظر إليه". وفي المقابل، قال وزير العدل اللبناني إن نزع سلاح "حزب الله" مسؤولية الحكومة اللبنانية، لا الجيوش الأجنبية.

معارضة تركية وإسرائيلية لاقتراح ترمب

أما بين الأطراف المعنية بصورة غير مباشرة، فلم تصدر تركيا والسعودية وقطر أي بيانات رسمية في شأن المسألة. غير أن هذا الصمت لا ينبغي أن يُقرأ كقبول.

رويترز
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في دمشق، سوريا، 14 أبريل 2025

وتتابع تركيا، وهي من أكثر الدول انخراطا في شؤون المنطقة، هذا الملف من زاوية علاقتها الخاصة بسوريا، وعلاقاتها المتوترة حاليا مع إسرائيل. وقد انتقدت أنقرة إسرائيل بشدة، واعتبرتها أحد العوائق الرئيسة أمام الشرع، الذي يواجه تحديات داخلية عديدة في سعيه إلى إعادة بناء سوريا المنهكة بالحرب. كما أدانت تركيا الإجراءات الإسرائيلية التي تتجاهل سيادة سوريا وتهدد وحدتها.

ومن اللافت أن إسرائيل وتركيا، رغم أن كل واحدة منهما تنظر إلى الأخرى كقوة مزعزعة في المنطقة، ربما وجدتا أرضية مشتركة في معارضة اقتراح ترمب، وإن لأسباب مختلفة.

لم يصدر عن تركيا أي بيان رسمي، غير أن المؤشرات المتصلة بطريقة التفكير في أنقرة توحي بأن دخول القوات السورية إلى لبنان لمحاربة "حزب الله" سيزيد وضعا شديد الاضطراب تعقيدا، وقد يدفعه نحو العنف، وربما يمنح إسرائيل ذرائع جديدة لسياساتها التوسعية والتدميرية.

ما ينبغي لترمب فعله هو أن لا يستخدم نفوذه لدفع أطراف المنطقة بعضها ضد بعض، بل أن يوظفه في إقناع حكومة نتنياهو، بالتخلي عن سياساتها العدوانية والمتهورة

وتبقى الاتفاقات الثنائية والتعاون بين سوريا ولبنان، في مجالات مثل ضمان أمن الحدود، ومنع تهريب السلاح، ومكافحة الإرهاب، الطريق الأنسب أمام البلدين ذوي السيادة لبناء علاقة سليمة ومستقرة.

اعتاد الرئيس ترمب إطلاق تصريحات مفاجئة، بل صادمة أحيانا، تفتح سجالات جديدة وتدفع أطرافا مختلفة إلى التحرك. فهو يصف الشرع بأنه "رجل قوي وحاسم يستطيع تولي الأمور"، ويصور الرئيس رجب طيب أردوغان على أنه الشخصية المحورية وراء إسقاط الأسد والوضع السوري الراهن. ويبدو، من خلال ذلك، كأنه يحاول إسناد مسؤوليات إليهما، وهو أمر لم يلق ترحيبا لدى أي منهما.

أ.ف.ب
جندي من الجيش السوري يقف حارسا بجوار مركبة مدرعة متمركزة على طول الحدود السورية اللبنانية في ريف القصير، في 1 أبريل 2026

لا يزال "حزب الله" يضع لبنان في موقف بالغ الصعوبة، إذ يرى كثير من اللبنانيين أنه يوفر ذريعة للعدوان الإسرائيلي. أما إسرائيل، فتخفي طموحاتها في جنوب لبنان وراء ذريعة تحييد التهديدات الموجهة إليها من تلك المنطقة.

ورغم وجاهة فكرة إنهاء ازدواجية الدولة في لبنان، وإخراج "حزب الله" من موقعه الذي يلحق الضرر بالبلاد، فإن دفع الجيش السوري إلى دخول لبنان لتحقيق ذلك ليس فكرة صائبة.

ينبغي للحكومة السورية أن تركز كل طاقاتها على إعادة بناء البلاد وترسيخ الاستقرار بعد حرب أهلية مدمرة استمرت 14 عاما، في حين يدفع اقتراح ترمب سوريا عمليا إلى الانخراط في صراع محتمل جديد، وخارج حدودها هذه المرة.

في هذه المرحلة، لا يخدم تشجيع دول أخرى على التدخل في نزاعات قائمة، أو إسناد أدوار جديدة إلى أطراف إقليمية، السعي الضروري إلى السلام والاستقرار في المنطقة. بل من المرجح أن يفضي إلى مزيد من التوترات والصراعات.

ما ينبغي لترمب فعله هو أن لا يستخدم نفوذه لدفع أطراف المنطقة بعضها ضد بعض، بل أن يوظفه في إقناع حكومة نتنياهو، المسؤولة الأولى عن الوضع الراهن، بالتخلي عن سياساتها العدوانية والمتهورة.

ومع أن الاحتمال يبدو بعيدا، فإن إيران، إذا اتخذت الأحداث منعطفا إيجابيا في صورة مثالية، قد تؤدي هي الأخرى دورا مفيدا في معالجة المخاوف المرتبطة بـ"حزب الله".

font change