كأس العالم... العرب يسهرون والاقتصاد يستيقظ

أكثر من 300 مليون مشجع يحولون ليالي المباريات إلى موسم اقتصادي استثنائي

غاراس روسيل
غاراس روسيل

كأس العالم... العرب يسهرون والاقتصاد يستيقظ

قد تكون "كرة القدم هي أفيون الشعوب" بسحرها وجمالها وشغف محبيها. فلا شيء يعلو عليها، تلك الرياضة الشعبية الأكثر تشويقا وجدلا. فهي تُفرح وتُبكي، ويُنفق من أجلها مال كثير، وتُضرب لمشاهدة مبارياتها أكباد الإبل، وركوب الطائرات، وينجذب إليها الأثرياء والفقراء، الأقوياء والضعفاء، من كل الأصقاع والأعمار والطبقات والثقافات والديانات، منذ أجيال وعقود.

وبالنسبة لكثيرين من محبي هذه الرياضة، تسبق أولوية مشاهدة المباراة العمل والأكل وحتى النوم. ويبذل من أجلها كثيرون الجهد والعناء والتعب والسهر.

وتراهن الدول والحكومات على هذه الرياضة لتحسين صورتها الخارجية، وتلميع حصيلة أدائها أمام شعوبها، وتنفق على التجهيزات الرياضية فوق طاقتها الاحتمالية من أجل إظهار التميز والتفوق. وقد غدت كرة القدم بالفعل قوة ناعمة متعددة الاستخدامات لتقوية الروابط وتعزيز الانتماء للوطن، وأداة حكم وتصنيف في النظام العالمي: من يحتضن التظاهرات الدولية له الأسبقية في تَبَوّؤ مقاعد النجاح وحسن الأداء، وهي ساحة منافسة سياسية قبل أن تكون مبارزة رياضية.

صناعة رياضية للتفوق

في السنوات الأخيرة أصبحت الرياضة صناعة اقتصادية، لها تأثير إيجابي على باقي مناحي الحياة، تختزل النجاح السياسي والاقتصادي والتفوق الثقافي والتميز الحضاري. وفي بعض المجتمعات الشغوفة بكرة القدم، قد يُنظر إلى الإخفاق في التأهل إلى البطولات الكبرى بوصفه رمزا لفشل مؤسسات الدولة، مما يزيد السخط الشعبي، خاصة إذا تزامن مع أزمات اقتصادية أو سياسية، وقد يسهم في إضعاف الحكومات.

كأس العالم توقف العالم بأسره، فالبطولة تجلب الفرح والسعادة للناس في مختلف أنحاء العالم

رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) جياني انفانتينو

وتُعتبر نهائيات كأس العالم أحد أكبر الأحداث الرياضية التي يشهدها العالم كل أربع سنوات، وتنفق عليها عشرات ملايين الدولارات، وتسهر الشعوب جراءها ليالي بيضاء.

وقال رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) جياني انفانتينو، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا في يناير/كانون الثاني الماضي، إن كأس العالم توقف العالم بأسره، مشيرا إلى أن البطولة تجلب الفرح والسعادة للناس في مختلف أنحاء العالم. وأضاف: "ستوحد البطولة المقبلة الشعوب والثقافات، وستسهم في دفع عجلة النمو الاقتصادي العالمي، وخلق فرص العمل، وتحقيق فوائد اجتماعية مستدامة للمجتمعات المحلية. وفي عالم يزداد انقساما، نحن بحاجة إلى لحظات تجمعنا للاحتفال والسلام. ومن 11 يونيو/حزيران إلى 19 يوليو/تموز 2026، سيتوافد الناس من مختلف أنحاء العالم إلى كندا والمكسيك والولايات المتحدة للاحتفاء بكرة القدم في أجواء من الوئام".

رويترز
جمهور المنتخب المغربي خلال مباراته مع نظيره إسكتلندا، ضمن منافسات كأس العالم، في بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 18 يونيو 2026

واستشهد إنفانتينو بدراسة أجراها الاتحاد الدولي لكرة القدم ومنظمة التجارة العالمية العام الماضي، مشيرا إلى أن البطولة قد تولّد ناتجا اقتصاديا إجماليا بقيمة 80.1 مليار دولار على مستوى العالم، وتضيف ما يصل إلى 40.9 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم في خلق نحو 824 ألف فرصة عمل.

وفي دراسة نشرتها عام 2025، توقعت شركة الاستشارات "كيرني" (Kearney) أن تصل قيمة سوق الرياضة العالمية إلى 602 مليار دولار في حلول عام 2030.

على سبيل المثل، وخلال موسم 2024-2025، حققت الأندية الأوروبية العشرون الأعلى إيرادا عائدات قياسية تجاوزت 12.4 مليار يورو، للمرة الأولى في تاريخ تقرير "ديلويت فوتبول موني ليغ" (Deloitte Football Money League)، في دلالة الى تصاعد المداخيل التي تحققها الأندية المتميزة في هذه الرياضة.

ويقدر مشجعو الفرق العربية الثمانية المشاركة في المونديال بعشرات الملايين عبر العالم، بعضهم حاضر جسديا في مدرجات الملاعب، وبعضهم الآخر يشجع من خلف الشاشات والهواتف

وتتوقع "الفيفا" تحقيق إيرادات قياسية تبلغ 13 مليار دولار خلال الدورة المالية الحالية (2023–2026)، مدفوعة بتوسيع بطولاتها الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2026، وكأس العالم للسيدات 2023 في أوستراليا ونيوزيلندا، إلى جانب إطلاق النسخة الأولى من كأس العالم للأندية بنظامها الجديد. وتمثل هذه الإيرادات المتوقعة زيادة بنسبة 72 في المئة مقارنة بالدورة المالية السابقة.

وذكرت صحيفة "ذا غارديان" أن كأس العالم 2026 ستكون أكثر حدث رياضي تحقيقا للعوائد التجارية في تاريخ شبكة "آي تي في" (ITV) البريطانية، إذ وصفت إدارة الشبكة البطولة بأنها "سوبر بول صيفي يمتد ستة أسابيع" بالنسبة لسوق الإعلانات التلفزيونية.

رويترز
رسمة جدارية تحتفي بالنجم المصري محمد صلاح، القاهرة 15 يونيو 2026

وقالت كيلي ويليامز، المديرة التنفيذية للشؤون التجارية في "آي تي في" إن إيرادات الإعلانات المرتبطة بالبطولة تسير بمستويات تفوق بنحو 30 في المئة ما حققته الشبكة خلال بطولة أمم أوروبا 2024، مضيفة: "ستكون هذه أنجح بطولاتنا على الإطلاق من الناحية التجارية. إنها ليست مباراة واحدة، بل ستة أسابيع من نسب المشاهدة الضخمة، مما يجعلها بمثابة سوبر بول صيفي يمتد لستة أسابيع."

المشجعون العرب في الليل الطويل

تعتبر النسخة الحالية من كأس العالم، التي تستضيفها الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك أضخم حدث تشهده البطولة، إذ تشارك فيها لأول مرة 48 دولة عوضا عن 32 و104 مباراة بدل 64.

ويقدر مشجعو الفرق العربية الثمانية المشاركة في المونديال الحالي بعشرات الملايين عبر العالم، بعضهم حاضر جسديا في مدرجات الملاعب، وبعضهم الآخر يشجع من خلف الشاشات والهواتف الذكية باختلاف أماكن المشاهدة داخل الأوطان وخارجها.

يبلغ عدد سكان الدول العربية المشاركة وهي مصر، المغرب، الجزائر، تونس، السعودية، العراق، الأردن، وقطر، أكثر من 300 مليون نسمة. وإذا أضيفت اليها الجاليات العربية المقيمة في أوروبا وأميركا فستكون من أكبر الكتل البشرية المشجعة

ويبلغ عدد سكان الدول العربية المشاركة وهي مصر، المغرب، الجزائر، تونس، السعودية، العراق، الأردن، وقطر، أكثر من 300 مليون نسمة. وإذا أضيفت اليها الجاليات العربية المقيمة في أوروبا وأميركا فستكون من أكبر الكتل البشرية المشجعة، بعد الدول الثلاث التي تحتضن كأس العالم، المقدرة مجتمعة 523 مليون نسمة منها: 342 مليون أميركي، ونحو 130 مليون مكسيكي و41 مليون كندي. وباحتساب مجموع المشجعين العرب المباشرين وغير المباشرين، يبرز العنصر العربي بأفضلية عددية.

رويترز

كما يمكن اعتبار المشجعين العرب بين المساهمين الكبار في مداخيل المونديال الأميركي بفضل حجم الإنفاق المتاح لديهم، خاصة أولئك الذين يقطعون الآلاف الأميال للوصول إلى أقصى غرب القارة الأميركية على المحيط الهادي.

كيف غيّر فارق التوقيت المعادلة؟

شكّل اختلاف مواعيد توقيت المباريات الذي قد يصل إلى 12 ساعة بين أقصى ملاعب كأس العالم وأبعد نقطة في العالم العربي، عبئا زمنيا على المتابعين. ويسهر الملايين إلى ساعات الصباح الأولى، أو يستيقظون باكرا لمتابعة المونديال الأبعد جغرافيا.

وعلى الرغم من أن هذا التوقيت قد يقلل المشاهدة العائلية داخل المنازل، فإنه يفتح نافذة اقتصادية جديدة أمام المقاهي والمطاعم التي تتحول إلى وجهة رئيسة لعشاق الكرة. 

وتشير استطلاعات إقليمية إلى أن 84 في المئة من العاملين في الشرق الأوسط يعتزمون متابعة مباريات من البطولة، بينما يتوقع نحو نصفهم السهر حتى ساعات الفجر لمشاهدة بعض المباريات، وهو ما يخلق طلبا استثنائيا على خدمات الضيافة الليلية.

بدلا من الاكتفاء بعرض المباريات، اتجه كثير من المطاعم والمقاهي إلى تمديد ساعات العمل، وإطلاق عروض للمجموعات، وتخصيص قوائم طعام لوجبات السحور والوجبات الخفيفة، وتنظيم مسابقات وتوقعات لنتائج المباريات، بهدف إبقاء الزبائن ساعات أطول وزيادة متوسط الإنفاق لكل زيارة

ويدفع هذا الواقع المقاهي إلى إعادة صوغ نموذج عملها. فبدلا من الاكتفاء بعرض المباريات، اتجه كثير منها إلى تمديد ساعات العمل، وإطلاق عروض للمجموعات، وتخصيص قوائم طعام لوجبات السحور والوجبات الخفيفة، وتنظيم مسابقات وتوقعات لنتائج المباريات، بهدف إبقاء الزبائن ساعات أطول وزيادة متوسط الإنفاق لكل زيارة.

وحسب تقرير لقناة "المشهد"، فإن إقامة المباريات في ساعات الفجر لن تمنع الجماهير من المتابعة، بل ستدفعها إلى تغيير أنماط حياتها لمشاهدة البطولة. وقد أفاد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مصر بأن 84 في المئة من المصريين مستعدون لتكييف جداولهم اليومية لمتابعة مباريات كأس العالم. كما يلفت إلى أن تأهل ثمانية منتخبات عربية يوسع قاعدة المشجعين ويخلق سوقا تضم ملايين المقاهي والمطاعم في المنطقة، من بينها نحو مليونا مقهى في مصر وأكثر من 200 ألف في المغرب ونحو 80 ألف مقهى ومطعم في السعودية. والمقاهي التي ستتبنى أفكارا مبتكرة، مثل تقديم "سحور كروي" أو "فطور المشجعين" وتمديد خدمات التوصيل والعمل على مدار الساعة، ستكون الأكثر استفادة من الحدث.

أ.ف.ب
مشجعون أردنيون يتابعون مباراة منتخب بلادهم أمام الأرجنتين، في المسرح الروماني صباحا، عمان 23 يونيو 2026

وفي السعودية والإمارات، جهزت منشآت الضيافة بالفعل شاشات إضافية، ووسعت مساحات المشاهدة، وابتكرت عروضا تستهدف تحويل متابعة المباريات إلى تجربة اجتماعية متكاملة.

كما ينعكس هذا النشاط على قطاعات أخرى مرتبطة، مثل تطبيقات توصيل الطعام، ومتاجر الوجبات الخفيفة، ومحال القهوة، وحتى خدمات النقل، إذ تتحول ليالي البطولة إلى ذروة جديدة للاقتصاد الليلي في المدن العربية.

وفي المقابل، يختلف الأثر من دولة إلى أخرى. ففي دول الخليج، حيث تمتد ساعات عمل المقاهي وتتوفر بنية تحتية قوية للترفيه الليلي، وتنتشر المقاهي الرياضية وتمتد ساعات العمل حتى وقت متأخر، يُرجح أن تستفيد المنشآت من ارتفاع الإقبال، إذ تتزامن المباريات مع ذروة النشاط الليلي، مما يعزز إنفاق المستهلكين على المأكولات والمشروبات، ويحوّل البطولة إلى موسم اقتصادي لقطاع الضيافة، حتى وإن لم تصدر بعد تقديرات رقمية خاصة بالمنطقة.

وفقا لدليل أعدته منصة "فوديكس" المتخصصة بالمطاعم، تختلف أيام المباريات جذريا عن الأيام الاعتيادية، إذ تشهد المطاعم ثلاث موجات طلب متتالية

بينما قد يواجه أصحاب المقاهي في بعض الدول العربية الأخرى تحديات تشغيلية مرتبطة بقوانين الإغلاق المبكر أو بارتفاع تكلفة تشغيل المنشآت حتى ساعات الفجر، مما قد يحد من الاستفادة التجارية.

وعلى الرغم من غياب تقديرات رسمية وشاملة للأسواق العربية، تشير مؤشرات قطاع الضيافة في الأسواق الأوروبية إلى أن المقاهي والحانات التي تنقل مباريات كأس العالم قد تحقق زيادة في الإيرادات تتراوح بين 20 و50 في المئة خلال المباريات الكبرى، مع ارتفاع عدد الزوار بنحو 40 في المئة في المواجهات الحاسمة، نتيجة إطالة مدة بقاء الزبائن وارتفاع متوسط إنفاقهم على الطعام والمشروبات.

أ.ف.ب.
مصريون يشاهدون مباراة منتخبهم أمام بلجيكا، ضمن منافسات كأس العالم، القاهرة 15 يونيو 2026

وعلى سبيل المثل في تركيا، التي تعرض فيها المباريات في ساعات الفجر على غرار العالم العربي، توقعت وسائل إعلام محلية ازدهار ما أطلقت عليه "اقتصاد الإفطار". فقد أعلنت مقاهٍ ومطاعم ومخابز أنها ستفتح أبوابها اعتبارا من الخامسة صباحا، مع إعداد قوائم إفطار وعروض خاصة لمشجعي كرة القدم، فيما نصبت البلديات شاشات عملاقة في الساحات العامة وتقدم الشاي والحساء للمشجعين. ويُتوقع أن يمتد الأثر إلى المخابز، وباعة السميت، ومتاجر البقالة، وخدمات توصيل الطعام، وحتى شركات الاتصالات، نتيجة ارتفاع استهلاك الإنترنت خلال ساعات المباريات.

ويرى مراقبون أن السيناريو نفسه قد يتكرر في العديد من المدن العربية، خاصة في دول الخليج، حيث يمكن أن تتحول مباريات الفجر إلى فرصة لتعزيز نشاط المقاهي والمطاعم على غرار مواسم السحور في رمضان، بما يخلق دورة إنفاق جديدة لقطاع الضيافة بدلا من الاكتفاء بالمشاهدة المنزلية.

أنماط تشغيلية جديدة

لا يقتصر تأثير كأس العالم على زيادة الإقبال على المقاهي، بل يغيّر أيضا أنماط التشغيل وإدارة الأعمال في قطاع الأغذية والمشروبات. فوفقا لدليل أعدته منصة "فوديكس" المتخصصة بالمطاعم، تختلف أيام المباريات جذريا عن الأيام الاعتيادية، إذ تشهد المطاعم ثلاث موجات طلب متتالية: الأولى قبل انطلاق المباراة بنحو 60 إلى 90 دقيقة مع توافد الجماهير أو طلبات التوصيل، والثانية خلال فترة الاستراحة بين الشوطين التي ترتفع فيها طلبات المشروبات والوجبات السريعة، والثالثة بعد نهاية المباراة مع احتفالات الفوز أو زيادة طلبات الوجبات الليلية.

ويرى التقرير أن المباريات الكبرى، ولا سيما مباريات المنتخب السعودي، والنهائيات، وعطلات نهاية الأسبوع، تستدعي خططا تشغيلية خاصة تشمل زيادة المخزون، وتكثيف العمالة، وتسريع عمليات التوصيل، وإطلاق عروض جماعية، لأن البطولة لا تمثل مجرد حدث رياضي، بل تشكل موسما تجاريا استثنائيا لقطاع الأغذية والمشروبات، يختبر قدرة المنشآت على تحويل الازدحام إلى إيرادات إضافية.

font change

مقالات ذات صلة