القطاع الخاص الكويتي لم يكن مستعدا لأزمة الحرب

هل يتيح الاستثمار الأجنبي المباشر تدعيم ما تأثر وإعادة الثقة؟

رويترز
رويترز
ساحل مدينة الكويت، 23 ديسمبر/كانون الأول 2024

القطاع الخاص الكويتي لم يكن مستعدا لأزمة الحرب

بينما تبدو المؤشرات الكلية للاقتصاد الكويتي مستقرة نسبيا، يكشف تقرير لغرفة التجارة والصناعة في الكويت تحت اسم "نبض القطاع الخاص الكويتي" صورة مختلفة.

فقد أظهر استطلاع أجرته الغرفة يرصد مؤشرات أداء الربع الثاني من عام 2026، أن تداعيات التوترات الإقليمية والحرب مع إيران انعكست مباشرة على نشاط شركات القطاع الخاص.

فقد أفاد 86 في المئة من الشركات المشاركة بتراجع أوضاعها، في حين أفاد رجال أعمال يمثلون 11 في المئة من أصحاب الشركات فقط بتحسن أوضاع شركاتهم. هذه الأرقام، وإن دلّت على شيء، فهو حجم الضغوط التي يواجهها القطاع الخاص في بيئة اقتصادية تزداد تأثرا بالمخاطر الجيوسياسية.

ارتفاع التكاليف يخنق الإنفاق

أكد المستطلعون أن ارتفاع التكاليف كان من الأسباب الأساس للتراجع. فقد دفع ارتفاع تكاليف الوقود وتعطل الإمداد من طريق الموانئ إلى الاعتماد على النقل البري من خلال بلدان خليجية أخرى.

بمنأى من ذلك، لا تبدو تكاليف التشغيل وحدها السبب الرئيس وراء تراجع الأرباح الصافية. فوفقا لآراء رجال الأعمال، يبقى العامل الأكثر تأثيرا هو تراجع المبيعات نتيجة ضعف الطلب المحلي. وقد أفاد 83 في المئة من أصحاب الشركات بأن انخفاض الطلب يعود أساسا إلى تراجع ثقة المستهلكين بفعل الأوضاع الأمنية، ومخاوفهم من احتمال تراجع الدخول، إلى جانب عوامل نفسية واقتصادية أخرى قد يصعب قياسها، أو قد تكون مبالغا في تقديرها.

أظهر مؤشر مديري المشتريات أن الاقتصاد الكويتي تعرض خلال الربع الثاني من 2026 لصدمة مزدوجة تمثلت في ضعف الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل، مما دفع الشركات إلى تقليص الإنتاج والتوظيف ورفع الأسعار للحفاظ على هوامش أرباحها

وفي مثل هذه الظروف، يكون الإنفاق أول ضحايا حالة عدم اليقين، ولا سيما على السلع والخدمات غير الأساس التي يمكن المستهلكين تأجيل شرائها أو الاستغناء عنها حتى تنقشع الأزمة.

وبالنظر إلى أن نحو 96 في المئة من العاملين في القطاع الخاص الكويتي هم من العمالة الوافدة، التي يقل متوسط أجورها كثيرا عن أجور العمالة الوطنية، إذ يبلغ متوسط الأجر الشهري لغير الكويتيين نحو 350 دينارا كويتيا (نحو 1,130 دولارا)، مقابل 1,582 دينارا (نحو 5,108 دولارات) للكويتيين، يصعب تفسير الضغوط التي تواجه الشركات بارتفاع تكاليف الأجور وحدها.

أ.ف.ب

بالتالي، يبدو أن الضغوط على هوامش أرباح الشركات تعود بدرجة أكبر إلى انكماش الإيرادات الناتج من ضعف الطلب، أكثر من كونها ناتجة من ارتفاع تكاليف الأجور.

ويكشف مؤشر مديري المشتريات (PMI) الصادر عن "أس آند بي غلوبال" (S&P Global) أن تداعيات الحرب والتوترات الإقليمية لم تقتصر فقط على نتائج استطلاع غرفة التجارة الكويتية، بل انعكست أيضا في أحد أهم المؤشرات العالمية لقياس أداء القطاع الخاص. إذ تراجع المؤشر إلى 46.4 نقطة في يونيو/حزيران 2026 مقارنة بـ47.2 نقطة في مايو/أيار، ليبقى دون مستوى 50 نقطة للشهر الرابع على التوالي. وذلك دليل إضافي على استمرار انكماش نشاط القطاع الخاص غير النفطي.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة، إذ سجلت طلبات التصدير الجديدة أكبر انخفاض منذ بدء إعداد المؤشر في سبتمبر/أيلول 2018، باستثناء فترة الإغلاق الكامل خلال جائحة كوفيد-19 في أبريل/نيسان 2020، مما يدل على مدى تأثر الشركات الكويتية المرتبطة بالتجارة الإقليمية.

 تؤكد الأولويات التي حددتها الشركات أن المشكلة لا تكمن في نقص التمويل فحسب، إنما في كفاءة بيئة الأعمال نفسها

وحسب بيانات مؤشر مديري المشتريات، فإن الاقتصاد الكويتي واجه خلال الربع الثاني من عام 2026 صدمة مزدوجة. فمن جهة، أدى التوتر الجيوسياسي إلى إضعاف الطلب المحلي والخارجي، ومن جهة أخرى، رفعت اضطرابات سلاسل الإمداد تكاليف التشغيل.

ويؤدي اجتماع هذين العاملين إلى ما يعرف اقتصاديا بانكماش النشاط المصحوب بارتفاع التكاليف (Cost-induced slowdown)، وهي بيئة تضطر فيها الشركات إلى تقليص الإنتاج والتوظيف، وفي الوقت نفسه رفع الأسعار للحفاظ على الربحية. ومن أبرز ما يؤكده استطلاع الغرفة، أن تراجع ثقة المستهلكين وانخفاض الطلب الحقيقي على السلع والخدمات هو العامل الأكثر تأثيرا في تراجع أداء شركات القطاع الخاص.

الشركات تتحول إلى وضعية الدفاع

يكشف الاستطلاع أن التوترات الإقليمية لم تقتصر آثارها على تراجع المبيعات والأرباح. فقد دفعت الشركات أيضا إلى تبني نهج دفاعي في إدارة أعمالها. وأفاد نحو أربعة من كل خمسة مشاركين بأن شركاتهم اتخذت إجراء واحدا على الأقل للتعامل مع الأزمة، شمل إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتأجيل خطط الاستثمار، أو اتخاذ تدابير للحد من آثار ارتفاع التكاليف وضعف الطلب. وبذلك، تحول اهتمام الشركات من التوسع والنمو إلى الحفاظ على السيولة وإدارة المخاطر، وهي سمة معتادة في الاقتصادات التي تواجه مستويات مرتفعة من عدم اليقين.

أ.ف.ب
شخص يسير بجانب مبنى البورصة الكويتية، 1 مارس/آذار 2026

وتؤكد الأولويات التي حددتها الشركات أن المشكلة لا تكمن في نقص التمويل فحسب، إنما في كفاءة بيئة الأعمال نفسها. فقد تصدرت قائمة المطالب الإجراءات التي تسهل استمرار النشاط اليومي، مثل تسريع عمليات الشحن والخدمات اللوجستية، وتقليص مدة إنجاز المعاملات الحكومية، وتسريع التحول الرقمي. من هنا، ترى الشركات أن تحسين كفاءة الإجراءات الإدارية قد يخفف جانبا من الضغوط التشغيلية، حتى في ظل استمرار التوترات الخارجية.

كما تكشف تعليقات المشاركين أن الضغوط التي تواجه القطاع الخاص ليست ناجمة عن عامل واحد، بل تتداخل فيها عدة عوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف الاستيراد، وتأخر الإجراءات الجمركية والموافقات الحكومية، واضطراب حركة الشحن. ولهذا، لم تتركز مطالب الشركات على توسيع الائتمان المصرفي بقدر ما انصبت على توفير سيولة مؤقتة تساعدها في تجاوز الضغوط القصيرة الأجل، بما يعكس أن التحدي الحالي يرتبط بإدارة التدفقات النقدية أكثر من نقص فرص التمويل.

تشير بيانات الإدارة المركزية للإحصاء إلى أن الأسر الكويتية تنفق نحو 315 دولارا شهريا على المطاعم والفنادق، فيما أظهر استطلاع لشركة "كاي بي أم جي" أن 75.3 في المئة من الكويتيين يتناولون الطعام في المطاعم مرة أو مرتين أسبوعيا

وتبدو الشركات الأكثر اعتمادا على الاستيراد الأكثر عرضة لهذه الضغوط، إذ تواجه في الوقت نفسه ارتفاعا في تكاليف المدخلات، وتعطلا في سلاسل الإمداد، وتأخرا في وصول البضائع. ويشير ذلك إلى أن أي اضطراب جيوسياسي ينعكس عليها بصورة مضاعفة، سواء من خلال زيادة التكاليف أو تراجع القدرة على تلبية الطلب، مما يجعل تحسين كفاءة الموانئ والجمارك والخدمات اللوجستية جزءا أساسا من تعزيز قدرة القطاع الخاص الكويتي على مواجهة الصدمات الخارجية.

الأزمة تفاقم صعوبات قطاع الرعاية الصحية

أدت الأزمة التي تسببت فيها الحرب إلى ضغوط إضافية على قطاع الرعاية الصحية الخاصة بعد تعليق برنامج "عافية" في سبتمبر/أيلول 2024، وهو البرنامج الذي كان يتيح للمتقاعدين الكويتيين الحصول على خدمات العلاج في المستشفيات والعيادات الخاصة على نفقة الدولة. وأعلنت وزارة الصحة إنهاء العقد مع الشركة المشغلة بسبب إخلالها بالتزاماتها، مع التأكيد أن جميع الخدمات الصحية للمتقاعدين ستُقدم عبر المستشفيات الحكومية.

شاترستوك

ومن الطبيعي أن يؤدي انتقال شريحة كبيرة من المستفيدين من القطاع الخاص إلى القطاع الحكومي، إلى تقليص حجم الطلب الممول حكوميا على خدمات المستشفيات والعيادات الخاصة. وحسب تقارير حديثة، كان برنامج "عافية" تغطية لأكثر من 200 ألف متقاعد، وبلغت تكلفته نحو 1.5 مليار دولار سنويا قبل إنهاء العقد في سبتمبر/أيلول 2024، وهو ما أثر بشكل ملحوظ في المستشفيات الخاصة التي كانت تعتمد على البرنامج في جزء كبير من مرضاها.

وفي ظل هذا التغير، جاءت التوترات الإقليمية لتضيف ضغوطا جديدة على القطاع، من خلال ارتفاع تكاليف التشغيل والاستيراد، وتأجيل بعض الأفراد للإنفاق على الخدمات الصحية الخاصة غير العاجلة، مما زاد الضغوط على الإيرادات في وقت يشهد فيه القطاع توسعا في عدد المستشفيات والعيادات الخاصة، وبالتالي ارتفاع حدة المنافسة على قاعدة طلب أصبحت أكثر محدودية.

ماذا يحصل إذا خفض الكويتيون الذهاب إلى المطاعم؟

على صعيد قطاع السياحة والضيافة، وعلى الرغم من أن الكويت ليست وجهة سياحية رئيسة، مقارنة ببعض دول الخليج، فإن القطاع يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق المحلي، سواء عبر المطاعم والمقاهي أو خدمات توصيل الطعام التي شهدت نموا كبيرا خلال السنوات الأخيرة. وقد أسهمت الطبيعة الشابة للمجتمع الكويتي في ازدهار هذا النشاط، بالتوازي مع توسع المطاعم وانتشارها في مختلف مناطق البلاد.

وقد أظهرت النتائج الأولية لمسح الدخل والإنفاق الأسري الصادر عن الإدارة المركزية للإحصاء في الكويت لعام 2026 أن متوسط الإنفاق الشهري للأسرة الكويتية يبلغ 3,723 دينارا (نحو 13.2 ألف دولار)، وأن 2.6 في المئة من هذا الإنفاق يذهب إلى المطاعم والفنادق. وهذا يعادل نحو 97 دينارا كويتيا شهريا (حوالى 315 دولارا) للأسرة في المتوسط.

لا تزال أسعار العقارات تشكل تحديا لشريحة واسعة من أصحاب الدخول المتوسطة، في ظل استمرار فجوة العرض والطلب في سوق الإسكان

كما أظهر استطلاع أجرته شركة "كاي بي أم جي" (KPMG) الكويت أن ثقافة تناول الطعام خارج المنزل راسخة، إذ أفاد 75.3 في المئة من المشاركين بأنهم يتناولون الطعام في المطاعم مرة أو مرتين أسبوعيا، كما فضّل 45.4 في المئة طلب الطعام إلى المنازل بدلا من تناول الوجبات داخل المطاعم، مما يعكس الأهمية المتزايدة لخدمات التوصيل في السوق الكويتية.

أ.ف.ب
مركز " الأفنيوز" التجاري وسط مدينة الكويت، 23 أكتوبر/تشرين الأول 2025

بالتالي، إذا انخفض الطلب المحلي على هذا النوع من الخدمات، فسيتأثر القطاع بشكل كبير. فالقطاع كان يعاني أصلا من ضغوط المنافسة وتراجع هوامش الربح، قبل أن تضيف الحرب تحديا جديدا يتمثل في ارتفاع تكاليف المواد الغذائية المستوردة واضطراب سلاسل الإمداد بعد إغلاق مضيق هرمز وتحويل مسارات الشحن. وفي الوقت نفسه، دفع تراجع ثقة المستهلكين كثيرا من الأسر إلى ترشيد الإنفاق على الأنشطة الترفيهية والوجبات خارج المنزل، مما حجّم الطلب في قطاع يعتمد أساسا على الإنفاق الاختياري.

العقار يتأثر بمعنويات المستثمرين والمستهلكين

يظل القطاع العقاري من أكثر القطاعات ارتباطا بمعنويات المستثمرين والمستهلكين، لذلك كان من الطبيعي أن يتأثر بتصاعد حالة عدم اليقين. فقد أشار عدد من المختصين إلى تراجع أسعار القسائم السكنية والاستثمارية، مع ميل المستثمرين إلى تأجيل قرارات الشراء والتطوير حتى تتضح الرؤية الاقتصادية. إلا أن هذا التراجع لا يعكس بالضرورة تحولا جذريا في السوق، إذ لا تزال أسعار العقارات في الكويت عند مستويات مرتفعة تاريخيا.

وبمنأى من التراجع النسبي في نشاط السوق، لا تزال أسعار الأراضي السكنية في الكويت مرتفعة تاريخيا. فبحسب تقارير بيت التمويل الكويتي، تتراوح أسعار كثير من القسائم السكنية بمساحة 400 متر مربع بين نحو 265 ألفا و465 ألف دينار كويتي (نحو 860 ألفا إلى 1.5 مليون دولار)، بحسب المنطقة وموقع القسيمة، وهو ما يجعل تملك المسكن تحديا كبيرا لشريحة واسعة من أصحاب الدخول المتوسطة.

ولا تزال أسعار العقارات تشكل تحديا لشريحة واسعة من أصحاب الدخول المتوسطة، في ظل استمرار فجوة العرض والطلب في سوق الإسكان. أما العقارات الاستثمارية، فترتبط بدرجة كبيرة بالطلب الصادر عن العمالة الوافدة، التي تشكل غالبية العاملين في القطاع الخاص، مما يجعل أداء هذا القطاع حساسا لأي تباطؤ في سوق العمل أو النشاط الاقتصادي.

في إطار تعزيز جاذبية الاستثمار، أقرت الكويت في يونيو/حزيران 2026 إقامة طويلة الأجل تصل إلى 15 عاما للمستثمرين الأجانب المؤهلين وأفراد أسرهم، ضمن ضوابط تشمل استثمارا لا يقل عن 5 ملايين دينار كويتي ورأسمال لا يقل عن مليون دينار للكيان الاستثماري

ومع ذلك، تشير بيانات بيت التمويل الكويتي إلى استمرار استقرار نسب الإشغال خلال الربع الأول من عام 2026، وهو ما يدل على أن أي تأثير سلبي على العوائد الاستثمارية لم يظهر بصورة واضحة حتى الآن.

تفعيل الاستثمار المباشر

إلى جانب الاستنتاجات التي يمكن فهمها من تقرير غرفة تجارة وصناعة الكويت، ومن أهمها تأكيد حال الركود النسبي في البلاد، فإن الحكومة لا تزال تراهن على إمكانات تدفق الأموال الأجنبية سواء على شكل استثمارات مباشرة أو استثمارات مسعرة، أي الاستثمارات في الأوراق والأدوات المالية المدرجة التي تمتلك أسعارا سوقية معلنة ويمكن تداولها في الأسواق المالية، بما ينهض بالقطاع الخاص.

أ.ف.ب

وفي إطار تحسين بيئة الاستثمار، أقرت الكويت في يونيو/حزيران 2026 إطارا تنظيميا جديدا يمنح إقامة لمدة تصل إلى 15 عاما للمستثمرين الأجانب المؤهلين المرخص لهم من هيئة تشجيع الاستثمار المباشر (KDIPA)، وذلك بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 651 لسنة 2026، استنادا إلى القانون رقم 114 لسنة 2024 في شأن إقامة الأجانب والقانون رقم 116 لسنة 2013 في شأن تشجيع الاستثمار المباشر. وتشمل الإقامة مالكي الكيانات الاستثمارية، والشركاء، والمديرين التنفيذيين، وأفراد أسرهم، وفق ضوابط محددة، من بينها ألا تقل قيمة الاستثمار عن 5 ملايين دينار كويتي، وألا يقل رأس مال الكيان الاستثماري عن مليون دينار.

بالإضافة إلى ذلك، هناك حوافز تتمثل بإمكان تملك 100 في المئة من الشركات العاملة في عدد من القطاعات الاقتصادية في البلاد. وأصبح متاحا للمستثمرين الأجانب اقتناء ملكية في الشركات العقارية. تهدف هذه الحوافز إلى خلق بيئة استثمار جاذبة في البلاد التي ظلت بعيدة عن مستوى جاذبية دول الخليج الأخرى.

فالإصلاحات التشريعية الأخيرة ترمي إلى تحسين بيئة الأعمال، إذ إن صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الكويت لم يتجاوز 126.4 مليون دينار كويتي (نحو 407 ملايين دولار) خلال عام 2025، بانخفاض يقارب الثلث مقارنة بالعام السابق، مما يعكس استمرار التحديات التي تواجه جذب الاستثمارات الأجنبية. وتُظهر بيانات بنك الكويت المركزي أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في الكويت بلغ 5.36 مليار دينار كويتي في نهاية عام 2025، مما يكشف استمرار تدفق الاستثمارات، وإن بوتيرة محدودة مقارنة بحجم الاقتصاد الكويتي.

وبحسب هيئة تشجيع الاستثمار المباشر في الكويت، تركز الدولة على جذب الاستثمارات الأجنبية إلى القطاعات ذات القيمة المضافة، ضمن مستهدفات رؤية الكويت 2035، وليس إلى قطاع النفط التقليدي فقط

إلا أن هذه الأرقام تبقى متواضعة قياسا بما يتدفق لعدد من دول الخليج الأخرى. فعلى سبيل المثل، جذبت دولة الإمارات استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 48.3 مليار دولار خلال عام 2025، وفق تقرير الـ"أونكتاد"، لتواصل ترسيخ مكانتها ضمن أكبر عشر وجهات عالمية للاستثمار الأجنبي المباشر. مما لا شك فيه أن الكويت تهدف إلى تطوير علاقات إيجابية مع المستثمرين الأجانب وإنجاز مشاريع حيوية في مختلف القطاعات ظلت حبيسة أدراج الدوائر البيروقراطية.

رويترز
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يستقبل وزير الخارجية الكويتي جراح جابر الأحمد، واشنطن، 4 يونيو/حزيران 2026

وبحسب هيئة تشجيع الاستثمار المباشر في الكويت، تركز الدولة على جذب الاستثمارات الأجنبية إلى القطاعات ذات القيمة المضافة، ضمن مستهدفات رؤية الكويت 2035، وليس إلى قطاع النفط التقليدي فقط. وتشمل أبرز القطاعات المستهدفة، البنية التحتية والإنشاءات، والطاقة المتجددة، والرعاية الصحية، وتكنولوجيا المعلومات وتطوير البرمجيات، والخدمات المصرفية والمالية والتأمين. تضاف إليها قطاعات الخدمات اللوجستية والتخزين، والنقل الجوي والبحري والسكك الحديد، فضلا عن السياحة والفنادق والترفيه، والتعليم والتدريب، والمشروعات السكنية والتنمية العمرانية، والصناعات البتروكيماوية والخدمات المرتبطة بالنفط والغاز والإعلام والتسويق.

كما يوضح التقرير السنوي لهيئة تشجيع الاستثمار المباشر أن الاستثمارات المرخص لها حتى مارس/آذار 2025 توزعت على 16 قطاعا رئيسا، من أبرزها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وخدمات النفط والغاز، والبنية التحتية، والطاقة، والرعاية الصحية، والتأمين، والطيران، والزراعة، والخدمات البيئية، بما يعكس توجه الكويت نحو استقطاب استثمارات قائمة على التكنولوجيا ونقل المعرفة، وليس فقط على رأس المال.

ماذا عن الأشهر المقبلة؟

على الرغم من أن نتائج الربع الثاني تعكس ضغوطا غير مسبوقة على القطاع الخاص، فإن توقعات الشركات للأشهر الستة المقبلة تكشف قدرا من الحذر أكثر من التفاؤل. فارتفاع نسبة الشركات التي تتوقع تحسن الأوضاع إلى 44 في المئة يوحي بأن جزءا من مجتمع الأعمال يراهن على انحسار التوترات الإقليمية واستعادة النشاط الاقتصادي تدريجيا. إلا أن استمرار 48 في المئة من الشركات في توقع مزيد من التراجع يشير إلى أن غالبية القطاع لا تزال ترى أن أسباب الأزمة لم تعالج بعد، سواء على مستوى المخاطر الجيوسياسية أو بيئة الأعمال المحلية.

يتوافق هذا التفاؤل الحذر مع تقديرات بنك الكويت الوطني، الذي يرى أن الاقتصاد الكويتي قادر على استعادة زخمه بعد انحسار تداعيات الأزمة، مدعوما باستئناف صادرات النفط وتعافي الإنتاج، إلى جانب استمرار الإنفاق الحكومي على المشروعات التنموية. ويتوقع البنك أن يسهم ذلك في تحسن ثقة الشركات والمستهلكين، واستئناف النشاط التجاري والاستثماري تدريجيا، بما يدعم نمو الاقتصاد خلال عام 2027.

يعيش الاقتصاد الكويتي مرحلة انتظار أكثر من دخوله مرحلة تعافٍ. فالشركات لا تتوقع انهيارا أكبر، لكنها في الوقت نفسه لا ترى مؤشرات كافية الى عودة قوية للنشاط والاستثمار. ويعني ذلك أن قرارات التوسع والتوظيف وضخ الاستثمارات الجديدة قد تبقى مؤجلة إلى حين اتضاح المشهد الإقليمي واستقرار الطلب المحلي

وقد أشار اقتصاديون في "أس أند بي غلوبال" إلى أن الشركات تنظر بحذر إلى النصف الثاني من العام، معوّلة على وقف الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران والأمل في استعادة قدر من الاستقرار، بما يهيئ الظروف لتعافي النشاط الاقتصادي تدريجيا.

ويتوقع بنك الكويت الوطني أن ينخفض متوسط إنتاج الكويت من النفط إلى نحو 2.25 مليون برميل يوميا في عام 2026، مقارنة بمتوسط بلغ 2.47 مليون برميل يوميا في عام 2025، نتيجة توقف الصادرات مؤقتا خلال أزمة مضيق هرمز، قبل أن يتعافى الإنتاج تدريجيا مع عودة حركة التصدير.

أ.ف.ب
حقل الزور النفطي وسط البحر الكويتي، 29 مايو/أيار 2024

ومما لا شك فيه أن الاقتصاد يعيش مرحلة انتظار أكثر من دخوله مرحلة تعافٍ. فالشركات لا تتوقع انهيارا أكبر، لكنها في الوقت نفسه لا ترى مؤشرات كافية الى عودة قوية للنشاط والاستثمار. ويعني ذلك أن قرارات التوسع والتوظيف وضخ الاستثمارات الجديدة قد تبقى مؤجلة إلى حين اتضاح المشهد الإقليمي واستقرار الطلب المحلي.

كما تكشف نتائج استطلاع الغرفة أن الثقة، وهي أحد أهم محركات الاستثمار، لم تستعد زخمها بعد. فعندما يتوقع نحو نصف الشركات استمرار التراجع، فإن ذلك يعكس استمرار حالة عدم اليقين التي تدفع القطاع الخاص إلى تبني سياسات أكثر تحفظا، والتركيز على الحفاظ على السيولة وإدارة المخاطر بدلا من التوسع والنمو. وبذلك، فإن التحدي أمام الاقتصاد الكويتي يتجاوز تداعيات الحرب، ويمتد إلى إعادة بناء ثقة القطاع الخاص، باعتبارها الشرط الأساس لتحويل أي استقرار سياسي إلى انتعاش اقتصادي مستدام.

font change

مقالات ذات صلة