مشكلة أميركا الانتخابية الأخرى

لا تسند أي ديمقراطية غنية أخرى هذا العدد من القرارات مباشرة إلى ناخبيها

(رويترز)
(رويترز)
مبنى الكابيتول الأميركي خلف "عجلة فيريس" في اليوم الأخير من معرض الولايات الأميركية العظيم في ناشيونال مول، واشنطن، في 10 يوليو 2026

مشكلة أميركا الانتخابية الأخرى

كثيرا ما يقال إن الأميركيين يحبون العمل، ولعل ذلك ما دفعهم إلى جعل أحد واجباتهم الأساسية بوصفهم مواطنين، وهو التصويت، يبدو بدوره أشبه بالعمل، وربما يكون الناخب المهتم بالشأن العام في هيوستن بولاية تكساس قد أدلى بصوته ست مرات بالفعل هذا العام، وعندما يدلي الناخبون في كاليفورنيا بأصواتهم في نوفمبر/تشرين الثاني، سيبدون رأيهم في ضريبة على الثروة من ثلاث زوايا مختلفة.

أما في أيداهو، التي لا يتجاوز عدد سكانها مليوني نسمة، فسينتخب الناخبون 49 قاضيا وعددا كبيرا من محققي الوفيات في المقاطعات، وسيقررون أي سلاح من بين ستة أسلحة نارية ينبغي أن يصبح السلاح الرسمي للولاية.

ينصب قدر كبير من الاهتمام على احتمال انتهاك قواعد الديمقراطية، ويزعم دونالد ترمب أن عمليات تزوير واسعة النطاق تشوب الانتخابات الأميركية، رغم ضآلة الأدلة، وأرسلت إدارته هذا الشهر أكثر من 250 محققا اتحاديا للتحقيق في كيفية تعامل مقاطعة فولتون مع انتخابات عام 2020، التي خسرها، لكن ذلك يثير سؤالا أكثر مباشرة: هل يتسم نظام التصويت الأميركي بالمنطق؟ لا تسند أي ديمقراطية غنية أخرى هذا العدد من القرارات مباشرة إلى مواطنيها.

يتوقع من الأميركيين التصويت لاختيار القضاة ورؤساء الشرطة المحليين والأطباء الشرعيين وأعضاء مجالس إدارات المدارس. ويبدون آراءهم أيضا، من خلال المبادرات المطروحة للاقتراع، في قضايا تتراوح بين إلزام الممثلين في الأفلام الإباحية باستخدام الواقيات الذكرية والتفاصيل المعقدة لتسعير الأدوية الموصوفة طبيا. ويفترض كثيرون أن زيادة التصويت، سواء لاختيار مزيد من المسؤولين أو البت في مزيد من القضايا، تعزز صحة الديمقراطية، لكنها كثيرا ما تفضي إلى عواقب غير مقصودة، فتجعل الحكومة أقل كفاءة وأضعف خضوعا للمساءلة.

سيختار ناخبو أيداهو 49 قاضياً... وسيقررون أي سلاح ناري يصبح السلاح الرسمي للولاية

 

شهدت الانتخابات الأميركية توسعا هائلا على مرحلتين، جاءت المرحلة الأولى في عهد أندرو جاكسون، الرئيس السابع للبلاد، ومنحت الديمقراطية الجاكسونية مزيدا من السلطة للرجال البيض الذين لا يملكون أراضي، إذ سمحت لهم بانتخاب عدد كبير من المسؤولين الذين كان يجري تعيينهم في السابق، أما المرحلة الثانية، فجاءت في مطلع القرن العشرين خلال الحقبة التقدمية، حين منح الإصلاحيون المواطنين نفوذا مباشرا أكبر من خلال المبادرات والاستفتاءات العامة، وعكست المرحلتان مخاوف من استحواذ النخب والأحزاب السياسية على قدر مفرط من السيطرة على الحكومة، بحسب ديفيد شلايشر من جامعة ييل، ويقول إن الحل تمثل في "توزيع السلطة على الناس كي يشكلوا قوة ضابطة" في مواجهة تلك الجماعات.

(أ.ف.ب)
ناخبون يدلون بأصواتهم في مركز اقتراع بمبنى مقر مترو خلال تمهيديات كاليفورنيا لاختيار حاكم جديد خلفاً لغافين نيوسوم، حيث يتأهل أعلى مرشحين إلى انتخابات نوفمبر، ويختار سكان لوس أنجليس عمدة جديدا، 2 يونيو 2026

تنتخب أميركا، خلافا لمعظم الديمقراطيات الأخرى، طيفا واسعا من مسؤولي الولايات والمقاطعات والمدن، ويختار الأميركيون في المجمل نحو 500 ألف مسؤول، أي قرابة خمسة أمثال نصيب الفرد في بريطانيا، ورغم أن عدد سكان أميركا يبلغ 340 مليون نسمة، واجهت البلاد صعوبة في العثور على عدد كاف من المرشحين للتنافس على جميع هذه المناصب، وخاض قرابة ثلثي المرشحين السباقات من دون منافسين بين عامي 2018 و2025، وفقا لتحليل أجرته "بالوتبيديا"، وهي موسوعة إلكترونية متخصصة في السياسة الأميركية.

تسمح نحو نصف الولايات أيضا للمواطنين الذين يجمعون عددا كافيا من التوقيعات بإدراج مبادرات على بطاقات الاقتراع، وتطلب هذه المبادرات من الناخبين البت في مسائل تتركها معظم الديمقراطيات الأخرى للمجالس التشريعية، وجمعت مجلة "الإيكونوميست" بيانات من "بالوتبيديا" تغطي 1,728 إجراء اقتراع خلال العقود الثلاثة الماضية، وتشمل هذه الإجراءات موضوعات تتراوح بين آليات عمل الحكومة والضرائب والقضايا الاجتماعية المثيرة للجدل وإصدار السندات.

توفر المبادرات، في بعض الحالات، إشارة واضحة للمشرعين إلى اتجاهات الرأي العام، فقد حظيت إجراءات تقنين الماريجوانا، على سبيل المثال، بتأييد الناخبين قبل وقت طويل من استعداد المجالس التشريعية لتبني هذه السياسة، ويقول تود دونوفان من جامعة غرب واشنطن: "إذا كانت الديمقراطية تعني اعتماد سياسات تعكس اتجاهات الرأي العام بدرجة أكبر، فأعتقد أن المبادرات تؤدي هذا الدور جيدا".

لكن لا يعقل أن يتوقع من أي ناخب اتخاذ قرار مستنير بشأن كل بند مدرج على بطاقة الاقتراع، ويتطلب التصويت لاختيار مفوض المقاطعة، على سبيل المثال، فهم اختصاصات المنصب والفروق بين المرشحين، ثم يتعين على الأميركيين تكرار هذه العملية عشرات المرات في أثناء انتقالهم بين بنود بطاقة الاقتراع، وعندما يصلون إلى السباقات الأقل شهرة، يصبحون "كمن يصوت على غير هدى"، بحسب دونوفان، ووجد استطلاع أجرته جامعة جونز هوبكنز عام 2018 أن ثلث الأميركيين لا يعرفون حتى المناصب المحلية التي يحق لهم التصويت لاختيار شاغليها، باستثناء الحاكم ونائب الحاكم وعضو المجلس التشريعي للولاية.

معظم المبادرات الانتخابية يتطلب قدرة قرائية جامعية، ولا يحمل البكالوريوس سوى ثلث الأميركيين

ويجعل العدد الهائل للمسؤولين المنتخبين من الصعب أيضا على الناخبين معرفة الجهة المسؤولة عن كل مهمة، ويرى شلايشر أن نجاح المساءلة الديمقراطية يتطلب قدرة الناخبين على مكافأة المسؤول المناسب أو معاقبته على حسن الأداء أو سوئه، ويشير إلى أن خبيرا متمرسا في شؤون الحكم المحلي قد يجد صعوبة في الحكم على نجاح مراقب حسابات إحدى المقاطعات أو فشله في أداء مهامه.

وقد يكون فهم المبادرات الانتخابية أشد صعوبة، حيث حللت "الإيكونوميست" نصوص 130 مبادرة طرحت في كاليفورنيا منذ عام 2000، وباستخدام مقياس يقيم النصوص استنادا إلى تعقيد الجمل والكلمات، وجدنا أن معظمها يتطلب قدرة قرائية بمستوى جامعي، واحتاج نص واحد من كل أربعة إلى قدرة قرائية توازي مستوى حملة الشهادات العليا، ومع ذلك، لا يحمل شهادة بكالوريوس على الأقل سوى ثلث الأميركيين.

(غيتي / أ.ف.ب)
مسؤول انتخابات يفرز بطاقات الاقتراع الغيابي في ماديسون- ويسكونسن، حيث يختار الناخبون بين القاضيين سوزان كروفورد وبراد شيميل لعضوية المحكمة العليا للولاية في أغلى حملة قضائية بالبلاد، 1 أبريل 2025.

وبعد فك تعقيدات لغة المبادرات، يتعين على الناخبين الموازنة بين مزاياها وعيوبها، ويجب على سكان كاليفورنيا هذا العام أن يصبحوا خبراء في اقتصاديات الصحة كي يقرروا ما إذا كان ينبغي إلزام العيادات الصحية المجتمعية الممولة اتحاديا بتخصيص حصة محددة من إيراداتها لأغراضها الخيرية بدلا من النفقات الإدارية، وقد تترك قرارات تقنية كهذه عواقب دائمة، ففي عام 1992، أقر ناخبو كولورادو تعديلا دستوريا حمل اسما صيغ بذكاء، هو "وثيقة حقوق دافعي الضرائب"، وربط نمو إيرادات الولاية بمعدل التضخم، ونتيجة لذلك، تضطر كولورادو في بعض الأعوام إلى رد أموال لدافعي الضرائب بالتزامن مع خفض الخدمات العامة، لأن تكاليف خدمات مثل الرعاية الصحية ترتفع بوتيرة أسرع من التضخم.

يفترض كثيرون أن زيادة التصويت تعزز صحة الديمقراطية، لكنها كثيرا ما تجعل الحكومة أقل كفاءة وأضعف خضوعا للمساءلة.

 

تتيح المبادرات الانتخابية، من حيث المبدأ، للجماعات التي تعجز عن إقناع المجالس التشريعية التوجه مباشرة إلى الناخبين، لكن معظمها لم يعد يشبه حملات الماضي البسيطة التي اعتمدت على جهود المتطوعين، فكثيرا ما ترعاها شركات أو نقابات أو منظمات أيديولوجية أو أثرياء، وتستعين بشركات لجمع التوقيعات ومستشارين متخصصين.

ويقول دونوفان: "لم يعد بوسعك فعليا إدراج مبادرة على بطاقة الاقتراع من دون موارد كبيرة"، وحتى المقترح الأصلي لفرض ضريبة على الثروة في كاليفورنيا لم يكن جهدا شعبيا، فقد رعته نقابة عمالية في قطاع الرعاية الصحية، وصيغ بمساعدة محامين ذوي خبرة، ويمول مليارديرات الحملة المضادة له إلى حد كبير، وضخ سيرجي برين، أحد مؤسسي "غوغل"، 82 مليون دولار في هذه الجهود.

(أ.ف.ب)
ناخبون يدلون بأصواتهم في مركز اقتراع في هيوستن في أولى تمهيديات موسم انتخابات التجديد النصفي التي قد تعيد رسم الخريطة السياسية في واشنطن وتحدد مسار ما تبقى من ولاية ترمب، 3 مارس 2026

ومع ازدياد طول بطاقات الاقتراع وتعقيدها وقابليتها للتأثر بالمصالح المنظمة، تسعى بعض الولايات إلى كبح هذا التوسع، فقد اقترحت ماساتشوستس، على سبيل المثال، إنشاء لجنة لإصلاح آلية المبادرات الانتخابية، لكن السياسيين يتحفظون عادة على انتزاع السلطة من الناخبين، أو على الأقل على الظهور بمظهر من يفعل ذلك، ولا يتحمس سوى عدد قليل من المسؤولين المنتخبين لتقليص عدد المناصب الانتخابية، ولا سيما أن بعضهم سيلغي بذلك منصبه هو، ولن يكون جعل الحكومة أكثر كفاءة والمسؤولين أكثر خضوعا للمساءلة مهمة سهلة، ولعل الأفضل أن تعرض هذه الإصلاحات على الناخبين.

font change

مقالات ذات صلة