دليل إلى جزر إيران الاستراتيجية... أول أهداف أي هجوم أميركي؟

تنتشر أكثر من 30 جزيرة قبالة الساحل الجنوبي، وتمتد في مياه الخليج لتشكل قوسا حول مضيق هرمز

(رويترز)
(رويترز)
منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز، 10 ديسمبر 2023

دليل إلى جزر إيران الاستراتيجية... أول أهداف أي هجوم أميركي؟

تنتشر أكثر من 30 جزيرة قبالة الساحل الجنوبي لإيران، وتمتد داخل مياه الخليج لتشكل قوسا دفاعيا حول مضيق هرمز، وعلى الرغم من صغر معظم هذه الجزر وخلو كثير منها من السكان، فقد حولت طهران عددا منها إلى مواقع أمامية عسكرية واقتصادية تؤدي دورا حاسما في ترسيخ نفوذها بالمنطقة.

وقد تنبهت الولايات المتحدة إلى ذلك.

خلال الأيام الأولى من الحرب على إيران، اتهمت طهران القوات الأميركية باستهداف محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم، ما عطل إمدادات المياه العذبة لنحو 30 قرية، وبعد أقل من أسبوع، شنت واشنطن أول غارة في سلسلة من الغارات على جزيرة خارك، مركز الثقل النفطي الإيراني، وخلال الشهر الجاري، ضرب الجيش الأميركي جزيرة طنب الكبرى المتنازع عليها.

وعندما سئل الرئيس الأميركي دونالد ترمب عما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على أراض إيرانية، قدم إجابات مراوغة، وقال ترمب لشبكة "فوكس نيوز" في 14 يوليو/تموز: "لا أستطيع أن أخبرك بذلك، لأنني إن فعلت فسيكون هذا تصرفا أحمق"، مضيفا أنه لا يستبعد شن هجوم بري، وينتشر أكثر من 50 ألف جندي أميركي في أنحاء الشرق الأوسط، من بينهم آلاف المظليين ومئات من عناصر قوات العمليات الخاصة.

وفيما تمضي واشنطن نحو أكبر تصعيد في الحرب حتى الآن، يرى خبراء كثيرون أن أي غزو واسع النطاق قد يشمل عمليات تستهدف الجزر الإيرانية، بما قد يخلف تداعيات ضارة على المنطقة.

وكتب نيل كويليام، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس، في رسالة إلكترونية إلى "فورين بوليسي": "قد يسهم فرض السيطرة على جزيرة ما في تعزيز أمن الملاحة عبر مضيق هرمز وحرمان إيران من استخدام موقع عسكري مهم، لكنه قد يحول أيضا عملية عسكرية محدودة إلى احتلال طويل الأمد لأراض".

غير أن الجزر لا تتساوى في أهميتها.

دليل إلى جزر إيران الاستراتيجية

من القلاع العسكرية إلى المراكز الاقتصادية، نستعرض فيما يلي أبرز الجزر في ترسانة إيران، وما قد تحققه حملة عسكرية أميركية تستهدفها.

المراكز العسكرية

جزيرة قشم. تعد قشم أكبر جزر إيران وأكثرها سكانا، إذ تبلغ مساحتها 580 ميلا مربعا، وتقع بالقرب من مضيق هرمز وبندر عباس، أحد الموانئ الرئيسة في البلاد، ويجعل موقعها الاستراتيجي منها قاعدة مثالية تستخدمها طهران لتعزيز سياساتها الإقليمية، كما أسهمت شبكة أنفاقها الواسعة تحت الأرض، وقدرتها على نشر الغواصات مباشرة في الخليج، في تحويلها إلى قاعدة عمليات رئيسة لـ"الحرس الثوري" الإيراني، بحسب فرزين نديمي، الزميل الأقدم في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

وتشكل قشم أيضا قاعدة انطلاق للقوات الإيرانية التي تستهدف الملاحة الدولية، ويستخدم "الحرس الثوري" هذه الجزيرة الشاسعة، بما تضمه من موانئ صغيرة ومرافئ، لفرض إرادة إيران على المضيق، سواء من خلال جباية رسوم عبور من السفن التجارية أو مهاجمة السفن التي تحاول المرور عبر الممر المائي.

(ماكسار تكنولوجيز/ أ.ف.ب)
صورة أقمار صناعية تُظهر الجزء الشمالي من مضيق هرمز، بما في ذلك جزر هرمز (يمين)، ولارك (وسط)، وقشم (يسار)، 27 يوليو 2020

ولا تضاهي أهمية الجزيرة لدى طهران إلا قدرة إيران على الدفاع عنها، وبحسب أندرياس كريغ من كلية كينغز لندن، ستكون قشم من أصعب الجزر التي قد تحاول الولايات المتحدة الاستيلاء عليها، لأن مساحتها الشاسعة ستجبر القوات الأميركية على الانتشار فوق رقعة واسعة.

موقع جزيرة قشم قاعدة مثالية تستخدمها طهران لشبكة أنفاقها الواسعة تحت الأرض، وقدرتها على نشر الغواصات مباشرة في الخليج

وقال كريغ، الخبير في أمن الشرق الأوسط: "إذا كنت تحاول الاستيلاء على بعض الجزر الأصغر، فقد تحتاج إلى ما بين 4 آلاف و5 آلاف جندي على الأرض، أما إذا أردت التوجه إلى هدف مثل جزيرة قشم، فستحتاج على الأرجح إلى 10 آلاف جندي أو أكثر لمجرد تنفيذ عملية الإنزال".

وفي الوقت نفسه، يضع قرب قشم من البر الإيراني القوات الأميركية ضمن مدى الأسلحة الإيرانية، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيرة والألغام والمدفعية.

وأضاف كريغ: "تلحق الهجمات المتواصلة بالطائرات المسيرة أضرارا كبيرة، وتشكل الصواريخ الباليستية خطرا أيضا، لكن الإيرانيين يستطيعون مواصلة نيران المدفعية بلا انقطاع"، مشددا على أن طهران لن تواجه صعوبة في إعادة إمداد قواتها.

جزيرة لارك. لا تخفى جزيرة لارك على أي سفينة تجارية، فهذه النقطة المتقدمة، التي تبلغ مساحتها 19 ميلا مربعا، هي أقرب جزيرة إلى مضيق هرمز، واستخدمت إيران لارك تاريخيا لمراقبة حركة الملاحة الدولية واستضافة أنشطة "الحرس الثوري"، لكن دورها اتسع بشدة خلال الأشهر الأخيرة، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى موقعها الفريد.

وفي إطار جهود إيران لإحكام سيطرتها على المضيق، ألزمت طهران السفن باتباع مسار ضيق بمحاذاة الساحل الشمالي للجزيرة، وبذلك أصبحت لارك تتحكم في بوابة الممر بأكمله، ما منح هذه الأرض الصغيرة دورا يفوق مساحتها بكثير.

لذلك، تعد لارك من أكثر الأهداف ترجيحا في أي هجوم أميركي محتمل، وكتب كويليام: "سيوفر فرض السيطرة على الجزيرة منصة قوية لمراقبة حركة الملاحة البحرية وتأمينها، مع تقييد قدرة إيران على التأثير في المرور عبر المضيق".

أ ف ب
خليج عُمان ومنطقة مكران (في الوسط) جنوب إيران وجنوب غرب باكستان، إضافة إلى مضيق هرمز (يسارا) والساحل الشمالي لعُمان (أسفل)، 5 فبراير 2025

جزيرة هرمز. كما يوحي اسمها، تقع جزيرة هرمز عند مدخل الممر المائي الاستراتيجي، وحولها المسؤولون الإيرانيون إلى موقع مراقبة أمامي، ما يوفر للنظام معلومات استخبارية بالغة الأهمية عن واحد من أكثر الممرات المائية ازدحاما في العالم، وقبل الحرب، عبر المضيق نحو 20 في المئة من شحنات النفط والغاز الطبيعي العالمية، وتقع هرمز، مثل قشم، بالقرب من البر الإيراني، ما يبقيها ضمن نطاق مراقبة طهران وأسلحتها.

تقع جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى المتنازع عليهما مع الإمارات ، بالقرب من ممرات شحن ومنشآت عسكرية، ما يمنح إيران موقعا أماميا لمراقبة الأنشطة الأجنبية

وتعد هرمز الأقل أهمية بين الجزر الثلاث الواقعة عند المضيق، فبينما وسعت قشم ولارك نطاق نفوذهما، بقيت هرمز إلى حد كبير في الظل، وتتميز عن جارتيها بكونها وجهة سياحية شهيرة، بفضل وديانها اللافتة وشواطئها الحمراء.

لكن كريغ رأى أنه "إذا أردت حقا إحداث فرق، فسيتعين عليك على الأرجح الاستيلاء على جميع هذه الجزر"، لأن "الحرس الثوري" لا يعمل انطلاقا من مركز واحد.

وقال كريغ: "تعمل الميليشيات البحرية بوصفها شبكة لا مركزية"، وتستخدم آلاف المنصات المأهولة وغير المأهولة، وأضاف: "لذلك لن يحدث الاستيلاء على جزيرة واحدة فرقا كبيرا".

الرموز السياسية

جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى. قد تكون هاتان الجزيرتان صغيرتين من حيث المساحة، لكن يصعب المبالغة في تقدير أهميتهما الرمزية، ففي عام 1971، استولت القوات الإيرانية على طنب الكبرى وطنب الصغرى من الإمارات التي ستشكل لاحقا دولة الإمارات العربية المتحدة، وتطالب أبوظبي اليوم بالسيادة على الجزيرتين استنادا إلى روابط تاريخية، غير أن طهران تستند بدورها إلى صلات تاريخية بهما، ولا تبدي أي استعداد للتخلي عن السيطرة عليهما.

وقد يعود ذلك جزئيا إلى موقعهما، فعلى الرغم من ابتعادهما عن مدخل المضيق مقارنة بقشم ولارك، تقع جزيرتا طنب بالقرب من ممرات شحن ومنشآت عسكرية رئيسة، ما يمنح إيران موقعا أماميا آخر لمراقبة الأنشطة الأجنبية وتوسيع نفوذها البحري، وتضم كل منهما منشآت تابعة لـ"الحرس الثوري"، ولذلك يمكن عدهما هدفين عسكريين ودبلوماسيين مهمين، وإن لم تضاه أهميتهما العسكرية أهمية قشم.

ومع ذلك، قد تنبع أهميتهما الكبرى من مكانتهما في الوجدان القومي الإيراني، فعلى مدى نصف القرن الماضي، أصرت طهران على حقها في السيطرة على الجزيرتين، وزادت الحرب على إيران تشبث البلاد بمطالباتها بالسيادة على أراضيها.

جزيرة خارك تعد أهم نقطة اختناق في قطاع الطاقة الإيراني، إذ تتولى مناولة ما يقارب 90 في المئة من صادرات إيران من النفط الخام

وكتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على منصة "إكس" خلال الشهر الجاري، بعد يومين فقط من الهجوم الأميركي على طنب الكبرى: "إيران وطننا، من جنوبها إلى شمالها، ومن شرقها إلى غربها، سندافع عن كل شبر من أرضنا حتى آخر نفس".

جزيرة أبو موسى. تقع إلى الجنوب جزيرة أبو موسى، وهي أرض أخرى متنازع عليها تطالب كل من إيران والإمارات بالسيادة عليها، وبخلاف جزيرتي طنب اللتين استولت عليهما إيران بالقوة، تقاسمت طهران السيطرة على أبو موسى بموجب مذكرة تفاهم أبرمت عام 1971 مع إمارة الشارقة، لكن لم يتخل أي من الطرفين عن مطالبته بالسيادة، وخلال العقود التالية، وسعت إيران وجودها في الجزيرة، وتفرض عليها الآن سيطرة فعلية.

ويقطن الجزيرة عدد قليل من المدنيين، ولذلك لا تشهد مستوى العسكرة نفسه الذي تشهده جزيرتا طنب، لكن ذلك لا يعني غياب "الحرس الثوري" عنها، فقد أجرت طهران مناورات عسكرية في الجزيرة، استخدمت فيها منصات صواريخ.

وإلى جانب قيمتها العسكرية، تجسد جزيرة أبو موسى، شأنها شأن طنب الكبرى وطنب الصغرى، مدى استعداد إيران للذهاب بعيدا، ولذلك سترى طهران على الأرجح في خسارة أبو موسى هزيمة سياسية مريرة.

عمالقة النفط

جزيرة خارك. انصب قدر كبير من غضب ترمب على خارك، وهي جزيرة صغيرة لكنها حيوية تقع على بعد نحو 400 ميل من مضيق هرمز، وتعد خارك المحطة الرئيسة لتصدير النفط الإيراني، إذ تتولى مناولة نحو 950 مليون برميل من النفط الخام سنويا، أي ما يقارب 90 في المئة من صادرات إيران من الخام. وسيفرض الاستيلاء على خارك ضغوطا هائلة على اقتصاد طهران، ويوجه ضربة قوية إلى معنويات الجيش الإيراني.

وقال كريغ: "تعد جزيرة خارك أهم نقطة اختناق على الإطلاق في قطاع الطاقة الإيراني، فإذا استوليت عليها، فإنك تحرم الإيرانيين في الأساس من قدرتهم على بيع النفط وكسب المال، وسيزعزع ذلك استقرار النظام بالكامل بمرور الوقت".

خلال الأيام الأولى من الحرب على إيران، اتهمت طهران القوات الأميركية باستهداف محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم، ما عطل إمدادات المياه العذبة لنحو 30 قرية

وراودت ترمب فكرة السيطرة على خارك منذ سنوات، إذ طرحها علنا منذ عام 1988 على الأقل، ومنذ اندلاع الحرب على إيران في فبراير/شباط، قصفت القوات الأميركية الجزيرة مرارا.

لكن الخبراء يحذرون من أن الاحتفاظ بخارك سيكون مسعى محفوفا بالمخاطر وباهظ التكلفة، وسيتعين على السفن الأميركية عبور الخليج بأكمله للوصول إلى الجزيرة، قبل أن تنفذ هجومها على بعد 19 ميلا فقط من البر الإيراني.

وقال كريغ: "كلما ابتعدت القوات الأميركية عن حلفائها العرب في الخليج، ازدادت صعوبة إنزال أي قوات هناك، ولا أعتقد أن السعودية أو الكويت أو البحرين، وهي الدول الأقرب إلى جزيرة خارك، ستسمح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها قاعدة انطلاق لإنزال قوات برية".

وحتى لو سمحت هذه الدول بذلك، فسيتعين على القوات الأميركية التحرك عبر تضاريس كثيرة التلال وشديدة التحصين، وتفادي المدفعية الإيرانية، والحذر من إصابة منشآت النفط في الجزيرة عن طريق الخطأ، إذ قد تنفجر وتلحق الأذى بالقوات الأميركية، وقد تستهدف طهران أيضا البنية التحتية في خارك عمدا لتعريض الجنود الأميركيين للخطر.

وقال نديمي: "قد تتحول إلى عبء خطير".

(رويترز)
صورة أقمار صناعية تُظهر محطة تصدير النفط في جزيرة خارك الإيرانية، 25 فبراير 2026

جزيرتا سيري ولافان. لن يكفي الاستيلاء على خارك لوقف قدرة طهران على تصدير النفط الخام بالكامل، وإذا أرادت الولايات المتحدة شل اقتصاد النفط الإيراني بصورة تامة، فسيتعين عليها أيضا الاستيلاء على جزيرتي سيري ولافان.

وقال نديمي: "توفر محطتا لافان وسيري معا قدرة تحميل تبلغ نحو 300 ألف برميل يوميا، وما دامت إيران قادرة على إنتاج النفط من منصاتها البحرية، فستستطيع تحميله على الناقلات عبر هاتين الجزيرتين".

وتقع جزيرتا سيري ولافان بالقرب من مضيق هرمز أكثر من خارك، وتستخدمان بوصفهما محطتين للتصدير.

غير أن هذه الجزر لا تشكل سوى جزء واحد من معادلة النفط الإيرانية.

وأضاف نديمي: "إذا لم تسيطر على حقول إنتاج النفط والمنشآت ومحطات الضخ وخطوط الأنابيب المغذية في البر الإيراني، فلن تكون هناك أي جدوى من الاحتفاظ بخارك".

font change