الأصوات المعادية للاتفاق في إسرائيل

حين تتغير القواعد...تتبدل حسابات الحلفاء والخصوم

غيتي/أ.ف.ب
غيتي/أ.ف.ب
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصل إلى البيت الأبيض في واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب لبحث الحرب مع إيران، 28 يوليو 2026

الأصوات المعادية للاتفاق في إسرائيل

في ليلة 22 يوليو/تموز 2026، أعلنت وزارة الطاقة الأميركية أن واشنطن والرياض وقعتا اتفاقية للتعاون النووي المدني، إلى جانب اتفاق ثنائي وقعه وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ونظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان. ووصفت الوزارة الاتفاق بأنه يشكل الأساس القانوني لـ"شراكة تمتد لعقود"، بما يخدم الأهداف الاقتصادية والاستراتيجية لكلا البلدين، "بما في ذلك منع الانتشار النووي".

إلا أن البند الذي أثار الاحتجاجات في إسرائيل يقع في عمق نص الاتفاق؛ فعلى خلاف الاتفاق النووي الذي وقعته الإمارات عام 2009، والذي اشترط التخلي عن كل من تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك، فإن الاتفاق السعودي لا يتضمن البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يسمح بإجراء عمليات تفتيش مفاجئة. كما أنه يفتح الباب أمام تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك داخل الأراضي السعودية.

وهذا ليس أمرا عارضا؛ فالسعودية تريد امتلاك قدرة محلية على تخصيب اليورانيوم. ولو كان الهدف مجرد الحصول على الطاقة النووية، لكان من الممكن توقيع مثل هذا الاتفاق قبل عقود.

فالولايات المتحدة كانت مستعدة دائما لتقديم تعاون نووي وفق ما يعرف بـ"المعيار الذهبي"، وهو مجموعة من القواعد الهادفة إلى منع الانتشار النووي، وتحظر صراحة تخصيب اليورانيوم داخل أراضي الدولة المتلقية للتكنولوجيا. أما ما تفاوضت عليه واشنطن والرياض فهو اتفاق، رغم أنه قد يتضمن ضمانات لم يكشف عنها فهو لا يرقى بالكامل إلى هذا "المعيار الذهبي".

وبحسب بعض التقارير، فإن أي منشأة لتخصيب اليورانيوم، بموجب الترتيبات المقترحة، ستُبنى وتُدار اسميا بواسطة شركات وفق نموذج "الصندوق الأسود" وتحت رقابة مشددة، مما يحرم الشريك التعاون مع أطراف أخرى. وقد دأبت الرياض على القول إن المملكة، إذا حُرمت من حق التخصيب، فقد تتجه إلى الصين أو روسيا، اللتين تطبقان معايير أقل تشددا فيما يتعلق بمنع الانتشار النووي.

وفي هذا السياق، من المؤكد أن ملف البرنامج النووي السيادي السعودي سيكون ضمن قائمة طويلة من الموضوعات التي يُرجح أن يناقشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن. فرئيس الحكومة الإسرائيلي، الذي التزم الصمت حتى الآن حيال الاتفاق، من المرجح أن يطلب مزيدا من التفاصيل بشأن مضمونه، وأن يسعى إلى التأثير عليه.

خط أحمر ساطع

نتنياهو لم يصدر أي تعليق علني على الاتفاق، وقد يكون الشخص الوحيد في إسرائيل الذي لم يفعل ذلك. إنما عبّر مسؤولون إسرائيليون وفق ما وصفه المراسل الدبلوماسي للقناة الإسرائيلية "12" بأنه "قلق بالغ" إزاء نية الولايات المتحدة السماح بتخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية، وهي خطوة "تُعرّف في إسرائيل بأنها تجاوز لخط أحمر ومصدر خطر أمني كبير".

ويمكن تفسير جزء من هذا القلق إلى احتمال انطلاق سباق تسلح نووي خارج السيطرة، خاصة وأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كان قد صرح قبل سنوات بوضوح بأنه إذا امتلكت إيران سلاحا نوويا، فإن السعودية ستعمل على امتلاك سلاح مماثل.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض بواشنطن، 18 نوفمبر 2025

ومع أن إسرائيل لا تنظر إلى السعودية بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى إيران فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تدرك أيضا أن هناك عددا من الدول في المنطقة التي قد تسعى مستقبلا إلى امتلاك قدرات نووية، من بينها تركيا ومصر، على سبيل المثال. كما تدرك أن أصدقاء اليوم قد يصبحون خصومَ الغد بسهولة. ولذلك، فإن رد الفعل الإسرائيلي يعكس موقفا ثابتا تبنته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ضد امتلاك أي دولة في المنطقة غيرها على تخصيب اليورانيوم. تعتبره تحولا استراتيجيا لا يمكن التراجع عنه، وسابقة لا يمكن محو آثارها، بغض النظر عمن يسيطر عليها اليوم.

الاستياء الاسرائيلي عبر عنه مسؤول إسرائيلي رفيع مطلع على المفاوضات للقناة الإسرائيلية "12": "إذا جرى تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية، فإن ذلك يعني وجود خطر على أمن إسرائيل... بغض النظر عن مسألة التطبيع". وأضاف المسؤول نفسه أن منشأة تخصيب مدنية هي، عمليا، "مدرسة لتطوير الأسلحة النووية"، واصفا إياها بأنها "خط أحمر ساطع".

غير أن سبب صمت نتنياهو لا يعود إلى الاعتبارات الأمنية وحدها، بل يرتبط أيضا بحسابات سياسية. فقد كان الاتفاق النووي السعودي-الأميركي يُنظر إليه دائما باعتباره جزءا من إطار أوسع يقوم على التطبيع بين السعودية وإسرائيل. وكانت الإدارات الأميركية السابقة، إلى جانب شخصيات بارزة داخل الحزب الجمهوري، قد أوضحت أنها لن توافق على برنامج نووي سعودي مدعوم من الولايات المتحدة إلا إذا وافقت الرياض على الانضمام لبقية دول المنطقة التي لها علاقات طبيعية مع إسرائيل.

أما إقدام واشنطن على توقيع اتفاق لا يبدو أنه مشروط صراحة بإقامة علاقات رسمية بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، فيُعد صفعة سياسية لنتنياهو، وإشارة إلى تراجع النفوذ الإسرائيلي داخل واشنطن.

من المقرر أن يخضع الاتفاق لمراجعة من قبل الكونغرس الأميركي، الذي ستكون أمامه تسعون يوما لدراسة تفاصيله. ويستطيع الكونغرس الاعتراض على الاتفاق خلال فترة المراجعة التشريعية


وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد ظل يلوّح باستمرار بإمكانية التوصل إلى التطبيع، لكن إصرار الرياض المتواصل يقوم على أن التطبيع مع إسرائيل لن يتحقق إلا إذا اتخذت خطوات ملموسة نحو إحلال السلام مع الفلسطينيين. ومنذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والحرب التي أعقبتها في غزة، أكدت المملكة مرارا أن التطبيع من دون تلك الخطوات لم يعد مطروحا.

وقبيل انتخابات توصف بأنها قد تعيد رسم المشهد السياسي في إسرائيل، جاءت ردود الفعل الداخلية سريعة وحادة. فقد أجمع قادة المعارضة الإسرائيلية ضد الاتفاق، واعتبروه في الوقت نفسه إخفاقا دبلوماسيا من نتنياهو.

وقد تعالت الأصوات في تل أبيب ضد الاتفاق وضد نتنياهو. ووصف كل من نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان الاتفاق بأنه "فشل استراتيجي خطير"، بينما قال ليبرمان إن "البرنامج النووي المدني في السعودية سينتهي في نهاية المطاف إلى امتلاك أسلحة نووية، وسيقود إلى سباق تسلح مجنون في مختلف أنحاء الشرق الأوسط".

أ.ف.ب
صورة أرشيفية، التقطت في 8 سبتمبر2002، تُظهر جانبا من مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي في صحراء النقب جنوب إسرائيل

أما يائير لابيد، فقد كرر تحذيرات سبق أن أطلقها على مدى سنوات، قائلا: "لا أستطيع أن أصف حجم هذا الفشل الكامل لنتنياهو... إن مهمته الأساسية هي منع قيام برنامج نووي سعودي". وفي المقابل، وصف بيني غانتس الاتفاق بأنه "فرصة هائلة ضائعة"، بينما حذر يائير غولان من أن منح السعودية قدرات نووية "من دون إطار من العلاقات كشرط مسبق يخلق واقعا خطيرا بالنسبة لدولة إسرائيل".

تحوّل ترمب

نتنياهو امتنع عن انتقاد الرئيس دونالد ترمب أو الاتفاق نفسه، لكن من المرجح أن حالة الإحباط الإسرائيلية قد نُقلت إلى واشنطن. وبعد يومين فقط من توقيع الاتفاق، طرح الرئيس ترمب شرطا جديدا أربك المشهد بصورة دراماتيكية. ففي منشور على منصة "تروث سوشيال" بتاريخ 23 يوليو/تموز، كتب أن اتفاق التعاون النووي المدني مع السعودية مشروط بانضمام الرياض إلى اتفاقيات السلام، ولن يكون هناك أي تخصيب لليورانيوم بموجب الاتفاق على الإطلاق. ويرجح أن يكون هذا التراجع الأميركي قد جاء، جزئيا على الأقل، فقط لاستيعاب موجة الانتقادات التي أعقبت الإعلان عن الاتفاق، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها.

ومن المقرر أن يخضع الاتفاق لمراجعة من قبل الكونغرس الأميركي، الذي ستكون أمامه تسعون يوما لدراسة تفاصيله. ويستطيع الكونغرس الاعتراض على الاتفاق خلال فترة المراجعة التشريعية الممتدة لتسعين يوما، مستندا إلى غياب البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإلى البنود المتعلقة بالتخصيب.

ومن اللافت أن السيناتور ليندسي غراهام- الذي من المقرر أن يحضر نتنياهو جنازته- كان من بين قلة من أعضاء مجلس الشيوخ الذين أعلنوا صراحة أنهم سيعارضون أي اتفاق نووي مع السعودية ما لم يكن مقترنا بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. ومع ذلك، فمن المرجح أن شخصيات جمهورية أخرى كانت تتبنى الموقف نفسه، وربما عبّرت عن استيائها من الاتفاق بعيدا عن الأضواء.

نتنياهو يسعى للحصول على التزام بعلاقة سعودية دون أن تقدم إسرائيل التزاما بإيجاد مسار نحو إقامة دولة فلسطينية، رغم أن ذلك ظل الثمن الذي تطالب به الرياض. وهنا تكمن العقدة الأساسية


ولا يزال من غير الواضح ما الذي سيحدث لاحقا بعد تصريح الرئيس الأميركي. فالسعودية ظلت صامتة تراقب الوضع حتى الآن دون رد علني. غير أن مصدرا سعوديا نقلت عنه الصحافية الأميركية لورا روزن هاجم تصريحات ترمب، معتبرا أنها أصبحت عديمة الأثر عمليا بعد أن تم توقيع الاتفاق بالفعل. ومع ذلك، فإن أي اتفاق يتطلب دعما واضحا من رئيس الولايات المتحدة حتى يستمر، وقد يواجه الرفض داخل الكونغرس.

ومن اللافت أن نتنياهو يسعى للحصول على التزام بعلاقة سعودية دون أن تقدم إسرائيل التزاما بإيجاد مسار نحو إقامة دولة فلسطينية، رغم أن ذلك ظل الثمن الذي تطالب به الرياض. وهنا تكمن العقدة الأساسية في اللغز الدبلوماسي الذي يحمله نتنياهو معه إلى المكتب البيضاوي؛ فهو يسعى إلى انتزاع تراجع في الملف النووي، وربما تحقيق تقدم نحو التطبيع، مع الامتناع في الوقت نفسه عن تقديم التنازل الذي تؤكد الرياض أنه شرطها الأساسي.

وسيكون تحقيق هذا الهدف بالغ الصعوبة في جميع الأحوال، فالرياض مستمرة في الرفض. ويصبح أكثر تعقيدا في ظل العلاقة الهشة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الأميركي، وكذلك في ظل المأزق الذي تواجهه واشنطن بعد الحرب مع إيران، والتي لا تزال تسعى لإنهائها.

font change

مقالات ذات صلة